نهلة الشهال



لإرسال رسالة الى المحرر، انقر هنا

الباحث السوداني، د. حيدر إبراهيم، حدد في ندوة جرت منذ أيام في بيروت بأن الوضع في السودان يقع ضمن معادلة معبّرة، إذ قال: كان البحث يدور حول كيفية جعل الوحدة السودانية جاذبة، فراح يدور حول كيفية جعل الانفصال صعباً! وقد قُطعت تلك المسافة الانحدارية خلال سنوات طويلة، ووفق مراحل متفاوتة الكثافة. بل تشير حصيلة الوضع اليوم إلى أن تلك المعادلة تتجه نحو تعديل في معطياتها تتجاوز العراقيل الموضوعة لتصعيب الانفصال نحو تسهيله. فالبارحة، دعا سيلفا كير، نائب الرئيس السوداني وزعيم «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، مواطنيه الجنوبيين إلى التصويت من أجل الانفصال عن شمال البلاد «إذا أرادوا أن يصبحوا أحراراً»، محدداً أنهم إن لم يفعلوا فسيبقون «مواطنين من الدرجة الثانية». وهذه انتقالة في الخطاب الرسمي لهذا الفصيل السوداني الذي يقود منذ سنوات الحركة السياسية والمسلحة في جنوب البلاد، ويتشارك في السلطة المركزية مع «المؤتمر الوطني». مقابل ذلك، يقوى اتجاه في الحزب الحاكم نفسه، يعتبر «التخلص» من وجع الرأس الجنوبي أفضل الحلول وأقلها كلفة. ويستقر رويداً من جهة ثالثة، موقف إقليمي ودولي بات يهيئ نفسه لضرورات التعامل مع دولة جديدة قد تنشأ نتيجة انفصال الجنوب وموجباتها.
وأما قَصر قراءة التوتر الجديد المندلع منذ أيام على الوقائع الحدثية المباشرة، فلا يساعد على وضوح الرؤية، ويتغافل عن التقاط دينامية الوجهة التي يحفرها سياق كامل. الحدث المباشر يتمثل في مقاطعة الحركة الشعبية لجلسات البرلمان المنعقدة منذ أسبوعين، بينما يصر المؤتمر الوطني على مناقشة مواضيع جوهرية، وعلى رأسها قانون «الأمن الوطني»، والميزانية العامة الجديدة، ويرفض تحديد موعد لإقرار قوانين مرتبطة بـ«التحول الديموقراطي»، وهي إشارة إلى قانون الاستفتاء على استقلال جنوب السودان الذي يُفترض إجراؤه عام 2011، وفق اتفاقية السلام الشامل الموقعة عام 2005، التي قررت فترة انتقالية يستفتى بعدها السودانيون بشأن خياراتهم. ويعتد حزب المؤتمر الوطني بأنه يملك أغلبية مطلقة في البرلمان، منحته إياها أصلاً، بطريقة آلية، اتفاقية السلام الشامل تلك، وأن قانون الأمن الوطني مثلاً، الذي يعطي الجهاز الأمني صلاحيات واسعة، منها الاعتقال بلا أمر قضائي، قد نال أغلبية تتخطى النصاب القانوني. وعلى خط مواز، باشرت السلطات بإعداد سجلات الناخبين لإجراء انتخابات الرئاسة والبرلمان بعد عام بالتمام من الآن، متلاعبة بطريقة تكاد تكون مفضوحة بتقسيم الدوائر الانتخابية، وكذلك بالتعداد السكاني، بهدف ضمان نيلها أغلبية. وهكذا يجري التمترس خلف تطبيق حرفي وشكلاني للآليات القانونية، بينما يفترض أن الوضع القائم في السودان يتطلب أول ما يتطلب البحث الدائم عن توافق يجري تأسيسه وتأصيله، بحيث يرسو إطار فعال قادر على التعامل مع معطيات البلاد، ومنها التنوع الإثني والديني المركب، ومنها الفقر المريع بينما يختزن السودان ثروات طبيعية وإمكانات اقتصادية هائلة، ومنها تاريخ من النزاعات الدموية بات قديماً في أماكن، ومهولاً في أخرى.
وتلحق بالجنوب، الذي تنهار فيه الحياة بسرعة متناهية، ويعم فيه فقر مريع، ولم تمح من معالمه آثار الحرب والدمار، بينما يبدو سائراً حثيثاً نحو إرساء الانفصال، تلحق به مقاطعة دارفور في غرب البلاد، التي وإن لم تبلور بعد قيادة موحدة على غرار الجنوب، مما يجعل قدرتها على التعبير عن مطالب سياسية محددة أضعف بكثير، إلا أن أزمتها تدار من السلطة المركزية بالمقدار ذاته من تزاوج التسلط القمعي والاستعلاء، وتنظيم العنف الأهلي من خلف الستار، مما لا يبشر بمصير أفضل.
والأدهى في كل ذلك أن الولايات المتحدة، التي رعت مع أطراف خارجية أخرى اتفاقية السلام الشامل لعام 2005 تلك، باتت هي «ضامن» تلك الاتفاقية. وهي، رغم الخطاب الإسلامي للبشير، تحتل موقع المندوب السامي فوق العادة في السودان، فتذهب رموز السلطة إلى واشنطن كلما حدث استعصاء، ويلتجئ إليها الفرقاء لحل نزاعاتهم، وتستدعي واشنطن إليها من تشاء وقت تشاء. ويجوب المستر غريشن، المندوب الشخصي للرئيس الأميركي في السودان، البلاد كما يحلو له، وهو يقابل المسؤولين كافة، ما عدا البشير نفسه بوصفه مطلوباً للعدالة الدولية! كما أن واشنطن رفعت العقوبات عن بعض مناطق السودان، وتحديداً عن الجنوب ودارفور، في إجراء غريب وغير مسبوق، إلا إذا قارناه بما ارتكبته في كردستان العراق زمن سنوات الحصار.
يعتمد النظام القائم على حصيلة بنائه الحثيث والصبور لما يسميه د. حيدر إبراهيم «أمنوقراطية»، تعينه على تحقيق هيمنته على البلاد، وإن افتقد للشعبية والشرعية معاً. وهو يستفيد أيضاً من نتائج قضائه على حيوية المجتمع، المنصرف تماماً إلى تحصيل لقمة عيش عصية حينما لا يكون بصدد التعامل مع مجاعات فعلية، بينما قُضي بمزيج من التضييق المستمر والإفساد، على الصحافة والنقابات والأحزاب المعارضة، التي لم تتجدد، فترهلت وباتت لا تمثل حتى مرجعاً للتفكير في مخارج، ناهيك عن أن تكون بدائل ممكنة... ما يبدو عجزاً للإرادة مقابل تشاؤم الواقع. وتبدو مهمة إعادة التأسيس مطروحة عموماً على كل بقاع المنطقة العربية، بعضها بسبب حالة التفكك العنيف الجارية فيها، وأخرى لاعتمال معطيات التفكك في مستويات لا تزال خفية. أما المهمة فهي استعادة فعلية وفعالة لتفاؤل الإرادة!