مرت ثلاثة أعوام على ذكرى الحرب. عاد النازحون وشيدّت البيوت، ونمت الأشجار التي نجت من الاحتراق. كل شيء في مكانه إلّا الشهداء. لكن تفاصيل حياتهم تجول في القرى، وهنا، بين ياطر وصريفا، بعض من ذكريات علقت في رؤوس رفاقهم


أحمد محسن
عاد البرد إلى قرية ياطر. انتهى صيف آخر. هناك، في القرى الجنوبية التي اعتادت القتال، بات الصيف في الآونة الأخيرة ينحصر في شهر تموز، منذ وضعت الحرب أوزارها. هناك يعير الشباب حرب عام 2006 مساحةً كبيرة من ذاكرتهم. عملياً، المساحة الحقيقية هي للأصدقاء، الذين سكنوا الحرب فسكنتهم، وقاتلوها فقتلتهم. صارت علاقتهم بها جدلية، لا تحتمل الالتباس، إذ أخذت رفاقهم وبيوتهم. ومحمد أحدهم.
في الأيام الأخيرة من تموز، وحين كان محمد في الضاحية الجنوبية لبيروت، أعلنت “إذاعة النور” خبر استشهاد صديقه، عبر بيان روتيني لوحدة “الإعلام الحربي” في المقاومة. ظنّه تشابه أسماء. المفارقة أن الإذاعة درجت على التحفظ على إعلان استشهاد عدد من المقاومين، لأسباب مرتبطة بطبيعة العمل العسكري. كان محمد يعرف أن مثل هذه الأمور تحدث. بيدَ أن صديقه كان بين الأسماء. والمفارقة الكبرى، أنه كان يعلم بوجود علي “على الثغور”، وللمصطلح دلالته الحزبية الواضحة. احتمالات الموت مرتفعة في حالات كهذه، والخطر يشتد مع تفاقم الحدث. رغم ذلك، ورغم المنطلقات العقائدية القوية التي يتمسك بها محمد، أقفل الباب على نفسه لدقيقتين، في مكانٍ لا يعرفه إلّا الله. قرأ سورة الفاتحة، مرتين، وأجهش بالبكاء.

رحلوا كلهم، هم موتى الآن، لكنهم يلاعبون عصافير الصباح
في الخريف الأخير، وبعد ثلاث سنوات، دوّر محمد يده في المكان (ساحة القرية)، بحثاً عن أشياء يقولها لنا عن رفيقه. لكن يوم واحد للذاكرة، لا يكفي. فمحمد وعلي، تشاركا كل شيء، حتى الهواء والأرصفة. ولولا بدعة الأسماء، والاختلاف الطفيف في الشكل الخارجي، لربما كانا شخصاً واحداً. التهما المقاعد ذاتها، وحفظا الطريق إلى موسم الزيتون عن ظهر قلب، حتى تلازمت آثارهما في الحقول. قلّب شفتيه محاولاً استنهاض المزيد من الحوادث. استنجد بالمكان: “تلك الدراجة النارية تشبه دراجته. ذلك كرسي الحلاقة الذي كان يجلس عليه. تلك الشجرة كانت تضحكه، وذلك الملعب الترابي، احتفظ بقطعة من قدميه”. لم يشعر بالوصول إلى النتيجة المرجوّة. توقّف عن الحديث لبرهة، وتذكّر.
كان اللقاء الأخير في منزل صديق آخر، لمشاهدة إحدى مباريات كأس العالم في كرة القدم. استدرك هنا. لمعت عيناه الصغيرتان، ووجد ما يختتم به ألمه أخيراً. أشار بإصبعه إلى صدره “وهذا القميص (الرياضي) الذي أرتديه، ليس سوى قميصه”. سكت محمد، كأن اعترافاً خطيراً انتُزع منه. لكنه ظل متماسكاً. ذكرى اللقاء الأخير، تركت شحوباً جلياً على وجهه. حاول التخلص منه سريعاً بالقول: “من يعلم؟ قد أُستشهد أنا أيضاً، وحتى أنت، كلنا معرّضون”. لم يُرد محمد ذكر اسمه، أو اسم صديقه، فهناك “الألوف من الشهداء”. في رأيه، من المستحيل ذكر أسمائهم كلّهم، والنسيان قد يكون فعلاً مجحفاً. تحدّث محمد إكراماً لذكرى علي، الذي يمثّل في رأيه “الصورة النموذجية لشهيد حزب الله”.
تنسحب أحوال ياطر، على قرى كثيرة. صريفا إحداها. في تلك القرية بالذات، استُشهد عشرات الشبان في ليلة واحدة. يذكرهم ربيع واحداً تلو الآخر. لا ينسى أيّ تفصيل. يروي المعركة الأخيرة، ويحدّق في السماء، التي عبرتها الطائرات الحربية الجبانة. وإلى جانبه، أحمد، الذي يعرف القرية جيداً، يتذكر الشهداء بدوره. يتلو شهادته على طريقته. أحمد، انسحب من صفوف “حزب الله” سريعاً، بعد تغيّرات فكرية، ولم يبقَ في رأسه من صورة الحزب، إلّا رفاقه القدامى ومزاياهم الطيّبة. تسمّرت أخلاقهم في رأسه رغم الاختلاف الأيديولوجي الطارئ. يعدّهم بطلاقة كما يعد الأرقام، وكمن حفظ وصايا. يقول عنهم: هذا كان خفيف الظل. ذاك كان يحب الأكل كثيراً وكان ودوداً. هذان، اللذان كانا يسندان عمود الإنارة، والآن تسنده صورتهما، كانا مهذّبين كالأطفال، وشجاعَين كالأسود. وأولئك، رأيتهم في منامي، بعد الحرب بشهرين. رحلوا باكراً. رحلوا كلهم. هم موتى الآن، لكنهم يلاعبون عصافير الصباح. ينسابون كالندى، من النهر إلى الساحة، ويتوثّبون كذئاب وديعة، على الحدائق التي تسيّج أسوار القرية.