توقف الشرطة أحد متعاطي المخدرات، تحقّق معه، وتكرّ سبحة اعترافاته. وكما في أغلب الحالات، يتبيّن أن هناك عصابة مؤلفة «رؤوس مدبرة» وضحايا. وبينما يسعى القضاء إلى القبض على الرأس المدبر، تتسع ظاهرة المخدرات، في ظل غياب الدعم الرسمي الكافي لمواجهة آفة «الموت البطيء»


محمد نزال
كان ميشال (29 عاماً) يُدمن الكوكايين ويدخّن حشيشة الكيف أحياناً. ذات ليلة ماطرة، بينما جمعت جلسة «تعاطي» ميشال وصديقه جوزف (26 عاماً) الذي يدمن الهيرويين، في شقة في الأشرفية، دهمتهما دورية لقوى الأمن الداخلي وأوقفتهما بالجرم المشهود. إذ كانت قد توافرت لها معلومات عن اجتماعهما، فتوجّهت إلى المنطقة المذكورة وأوقفتهما.
لم يكن لكل من ميشال وجوزف أن يتوقعا بأنهما سوف يكونان «رأس الخيط» لإحدى أخطر عصابات المخدرات الناشطة في المناطق. اعترف الأول بأنه يستحصل على المواد المخدرة من شخص يلقب بـ«أبو علي»، إذ يتصل به باستمرار عبر هاتفه الخلوي، فيزوّده الأخير برقم هاتف آخر (يتبدّل باستمرار) يعود إلى أحد مروّجيه في منطقة حي السلم، الذي كان يحضر إليه على متن دراجة نارية، حاملاً «طلبية» المخدرات، لقاء مبلغ 30 ألف ليرة لبنانية ثمناً للغرام الواحد من الهيرويين. تحققت القوى الأمنية من هوية «أبو علي»، فإذا به ماجد (24 عاماً) الذي بحقّه 27 أسبقية بجرائم إتجار وترويج مخدرات.
بدوره، أفاد جوزف بأنه يستحصل على المواد المخدرة من شخص يلقب بـ«أبو ورد»، ومن شخص آخر يلقب بـ«أبو قاسم الدبّور»، وهما يقيمان في البقاع. وبعد التحقيق في هوية الأخيرين، تبيّن أن بحقّ أبو ورد (48 عاماً) 170 أسبقية مخدرات، فيما يوجد بحق الدبّور (49 عاماً) 140 أسبقية.
كرّت سبحة الاعترافات، فتبيّن للقوى الأمنية أن شخصاً يدعى أبو حسن (50 عاماً) بمثابة «زعيم العصابة»، ويوجد بحقه 525 أسبقية مخدرات، وأن المذكورين قبله هم «عمّال» لديه في التوزيع والترويج.
ذكر جوزف في اعترافاته أنه تعرّف أثناء وجوده في السجن بحكم سابق، على شخص ملقب بـ«أبو عبير»، وأنه التقاه «صدفة» بعد خروجهما من السجن، في منطقة برج حمود، حيث عرض الأخير عليه تزويده بالمخدرات، وأعطاه رقم هاتف خلوي. حصل ذلك لاحقاً، حيث اشترى منه مادة الهيرويين مرات عدّة. وكان لافتاً أن أبو عبير بادر إلى «ضيافة» جوزف قطعة حشيشة تزن 5 غرامات.

بعض القضاة يتخوفون من أن تؤدي بعض الأحكام التي يصدرونها إلى قتلهم
استفادت القوى الأمنية من جوزف. استخدمته كـ«طعم» للوصول إلى أبو عبير (55 عاماً). استُدرج الأخير إلى منطقة النهر ـــــ شرقي بيروت، فجرى توقيفه هناك. وضبطت بحوزته عدداً من المظاريف الورقية وأكياساً صغيرة من النايلون، وبداخلها مادتا الكوكايين والهيرويين، وزنها 137 غرام. هناك، تم توقيف جابر (25 عاماً) الذي كان موجوداً أيضاً عند أبو عبير بغية شراء المخدرات، بحسب ما جاء في إفادته التي أوردتها المحكمة.
جاء في إفادة أبو عبير أثناء التحقيق، أنه بعد خروجه من السجن، تلقى اتصالاً من أحد كبار تجار المخدرات، بواسطة سيدة تلقب بـ«أم قاسم» (52 عاماً)، التي عرضت عليه العمل في ترويج المواد المخدرة «لمساعدته على كسب معيشته». قبل بالعرض، وبدأ يتسلّم منها كميات من المخدرات باستمرار، فيسلّم قسماً منها إلى شخص مقيم في منطقة بئر حسن ـــــ بيروت، يلقب بـ«المصري»، فيما يبيع القسم الآخر إلى معارفه، ولا ينسى أن يحتفظ بكمية لتعاطيه الشخصي.
أما جابر، فأفاد بأنه بدأ بتعاطي الكوكايين بعد «نصيحة» من صديق له، بحجة أن هذه المادة «تقوّي العضل والقدرة الجنسية»، فزوّده برقم هاتف أبو عبير. اتصل بالأخير وحصل على المخدرات.
تُظهر الوقائع المذكورة، والتي وردت في حكم قضائي صادر عن محكمة الجنايات في بيروت، أن في جرائم المخدرات هناك «رؤوساً مدبرة، وضحايا»، بحسب ما يرى مسؤول أمني متابع لمشاكل المخدرات. يضيف المسؤول في حديث مع «الأخبار» أن لبنان «مثل غيره من دول العالم يعاني من ظاهرة المخدرات، ولكن يجب على الجهات السياسية والرسمية أن تخصص دعماً مالياً كافياً من أجل وضع خطط وبرامج لمواجهة هذه الآفة، للحفاظ على حياة أولادنا وصحتهم».
ومن منطلق خبرته في مكافحة المخدرات، رأى المسؤول الأمني وجوب إدخال تعديلات على قانون المخدرات وقانون العقوبات، لناحية «وضع عقوبات تتناسب مع الظروف الموضوعية لكل حالة، بمعنى أن لا يُعاقب على سبيل المثال صاحب حقول مزروعة بالمخدرات، بالعقوبة نفسها التي ينالها من يزرع 10 شتلات منها»، لافتاً إلى أن بعض القضاة «يتخوفون من أن تؤدي بعض الأحكام التي يصدرونها إلى قتلهم، وخاصة أن العاملين في المخدرات غالباً ما يُشكلون عصابات خطيرة، ويمتلكون أسلحة حربية يواجهون القوى الأمنية بها أحياناً، ما يؤدي إلى سقوط ضحايا من الطرفين».


العقوبة للمروّجين والعلاج للمدمنين

يرى بعض المتابعين أن ظاهرة تعاطي المخدرات قد وصلت إلى أعلى مستوى في لبنان، وذلك في ظل عدم توافر الوسائل اللازمة لمواجهتها. أما عن أسباب تفاقم هذه الظاهرة، بحسب الجمعيات الناشطة في هذا المجال، فإنها تتلخص في عدم وجود برامج توعية كافية، حيث إن الدولة تتلف سنوياً محاصيل المخدرات، في ظل غياب تام لبرامج الزراعات البديلة. من جهة أخرى، ما زال القانون اللبناني يعتبر المدمن على المخدرات مجرماً، فيما ينظر إليه البعض على أنه مريض. وفي هذا الإطار، أكد مسؤول أمني لـ«الأخبار» أن القوى الأمنية تحضّ المدمنين على تلقي العلاج، وهي تتساهل معهم في هذا الإطار، لكن «في نهاية المطاف لا يمكن تركهم في المجتمع في حال رفضهم العلاج». يضيف المسؤول أن «عقوبة تاجر المخدرات يجب أن تكون قاسية جداً لكي تردع من حوله، ولذلك يجب التمييز دائماً بين التاجر والمدمن، لأن الأول يسبّب في قتل الناس، فيما الثاني هو الضحية».


185 مليوناً

أشار تقرير الأمم المتحدة حول وضع المخدرات في العالم، إلى أن عدد المتعاطين في العالم بلغ نحو 185 مليوناً، وهذا الرقم يمثّل ما نسبته 3 في المئة من عدد سكان العالم. وورد في التقرير الصادر في اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، في 26 حزيران، أن عدد متعاطي الأفيونات، وهي المخدرات الأكثر خطورة، يبلغ 15 مليوناً، منهم 9 ملايين يتعاطون الهيرويين بالشم او الحقن، وأن عدد المدمنين الذين يتعاطون المخدرات عموماً بواسطة الحقن يبلغ 13 مليوناً، منهم نصف مليون مدمن في المنطقة العربية. وحذّر التقرير الدولي من ظهور خطوط جديدة لتهريب المخدرات، نتيجة تأثير الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية وتنامي تطور أسواق المخدرات التخليقية والكيميائية، وعلى رأسها امفتامينات وحبوب «الاكتساسى».