صور ـــ آمال خليل

لمنطقة صور إذاً حصة على “اللائحة السوداء”، وذلك نسبةً إلى عدد أبنائها الذين سقطوا تباعاً من منطقة صور في غضون الأشهر القليلة الماضية، وهو حتى اليوم 30 شابّاً وشابة.
تمثّل السرعة الزائدة أبرز أسباب حوادث السير. تشهد الطرقات الجنوبية الرئيسية والضيقة سباقات ينظّمها مراهقون بدراجاتهم النارية، أو بسياراتهم، التي يثقبون محرّكاتها لتصدر أصواتاً أقوى، فضلاً عن مكبّرات الصوت التي تهدر في الأجواء بالموسيقى الصاخبة. لكنْ للموت على طرقات الجنوب أسباب أخرى، وخصوصاً على الأوتوستراد بين صيدا وصور، منها عدم الالتزام بوضع حزام الأمان، و“المزاجية” في تشغيل رادارات مراقبة السرعة الثلاثة المنتصبة على مدى أكثر من 50 كيلومتراً، وفق متابعين لهذه القضية. فهؤلاء يؤكدون بغضب أنّ أعمدة الإنارة المتراصة على الجانبين نادراً ما تُنار، ولا بد من الإشارة إلى الحوادث التي تقع عند المسارب العديدة عند الحواجز الإسمنتية الوسطيّة التي يستحدثها تباعاً مجهولون، ويستخدمها المواطنون توفيراً للوقت والوقود، بدلاً من دورة كاملة قد يسلكونها.
راب ولوحات تذكارية وشموع وفايسبوك، هذه بعض الأساليب التي استُحدثت أخيراً في صور للتعبير عن المصاب الجلل بفقدان بعض الأصدقاء والأقارب الشباب في الأشهر الماضية في حوادث سير.
يعنون شاب بريده الإلكتروني كالآتي [email protected] بعبارة “نحن نقود لكي نسرع ونسرع لكي نموت”، وذلك بعد وفاة صديقه المقرب في حادث سير سبّبته القيادة بسرعة زائدة، في زاويته على شبكة الفايسبوك، ينشر الشاب لائحة بأسماء ضحايا حوادث السير وصورهم، وهي لائحة “تكبر” في الآونة الأخيرة.
عشرات المجموعات على الفايسبوك تحمل أسماء بعض ضحايا الحوادث تخليداً لذكراهم، وتنبيهاً لمحبّيهم من المصير ذاته. منها مجموعة تحمل اسم “نحن خسرنا أصدقاءنا في حوادث سير... لذا انتبهوا”. لكن المجموعة ذاتها كانت تضمّ شباناً قضوا لاحقاً في حوادث مماثلة، آخر الضحايا الفتى حمزة سليمان، الذي كان قد تعرض قبل أسبوعين لحادث اصطدام دراجته النارية بدراجة أخرى. دخل حمزة في غيبوبة، ونُقل إلى غرفة العناية الفائقة، لكنه أسلم الروح متأثراً بإصابته البالغة في الرأس.
عبارة “الله يرحمه” أو “الله يرحمهم” تكاثر تداولها في الفترة الأخيرة، حتى صار الحديث عن ضحايا حوداث السير يطغى على أحاديث سكان صور وهواجسهم. أخيراً، الكل يتحدث بأسى وحزن عن الأصدقاء الثلاثة ساري الصباح (23 عاماً) وبلال عكاشة (22 عاماً) وعباس عسيلي (23 سنة)، الذين سقطوا في حادث سير على أوتوستراد صور، فيما يصارع صديقهم الرابع عباس عواضة الموت في المستشفى. هؤلاء كانوا من بين عناصر مجموعة الرثاء، وكانوا قد أحيوا قبل أيام الذكرى الأربعين لوفاة زميلهم في الجامعة يوسف فقيه.
بعدما تحوّلت وفاة شباب المنطقة إلى “ظاهرة سوداء”، صار كل ما في المنطقة يهجس بأسماء القتلى، صورهم على الجدران، وعلى زجاج السيارات، حياتهم بالصور منشورة على المواقع الإخبارية الإلكترونية الخاصة بمدينة صور وقراها.
لأن “حبل الموت على جرار السرعة وقد يصل الدور إلينا”، تنادى الشابان محمد بيضون وسمير رصاص من مدينة صور إلى تحويل حادثة وفاة صديقهما عباس برجي (18 عاماً) إلى “عبرة لمن اعتبر، وتوفيراً للدموع والآلام التي سيسببها موت شباب آخرين”. اختار الشابان اللذان يؤلفان فرقة موسيقية باسم ( ARAB THUGS)، إهداء الفقيدين وأصدقائهما أغنية راب بعنوان “اشتقنالك”، حملت رسائل عاطفية وإرشادية للشباب بألّا يسرعوا “لأن الحياة مش لعبة”.
التعبير بالأغاني أسلوب انتهجه قبلهما الشاب الصوري علاء الأمين، الذي أطلق قبل أشهر أغنية “بيسان شو نفع الدني بلاك” تخليداً لذكرى صديقته بيسان مروة (20 عاماً) التي لقيت المصير ذاته. إلى جانب الفايسبوك والغناء، اختار أصدقاء ريما سليمان أن يحتفلوا بعيدها السادس والعشرين أمام عمود الإنارة الذي اصطدمت به قبل أربعة أشهر عند مفترق أنصارية على أوتوستراد صور. الشموع التي أضيئت واللوحة التي علّقت على العمود حملتا ذكرى ريما التي قضت فوراً إثر اصطدامها ذات ليل، بسبب السرعة الزائدة وغياب الإنارة الليلية.
الشموع لا تزال تضاء على نية شفاء الشابين علي سلهب وحمزة سليمان، اللذين يعيشان في غرفة العناية الفائقة في المستشفى على التنفّس الاصطناعي، بعد اصطدام دراجتَيهما الناريتين.