خمس سنوات مرّت على إنشاء بلدية الجرمق، من دون أن ترزح تحت حمل المراجعات وثقل المشاريع، كما غيرها من بلديات لبنان. السبب ليس سرعة تنفيذ المشاريع التي قد تحتاجها البلدة، بل خلوّ هذه الأخيرة من سكانها بعد تهجير أهلها الذي بدأ قسراً منذ عام 1976، وعدم وجود أراضٍ تتيح لهم العودة بعدما بيعت خلال سنوات الحرب


كامل جابر
يوم هجّرت الحروب الإسرائيلية المتتالية أبناء الجرمق (جزين)، كان أبناء «الضيعة» يقطنون في بيوت متواضعة من حجر صخري، ليست ملكهم، ويعملون بـ«الشراكة» في الأراضي الزراعية ليحصلوا على «كفاف» يومهم. وكان يكفيهم أن يكون لديهم مختار يدير مع لجنة اختيارية شؤونهم الحياتية ويتابع أمورهم الشخصية.
ويوم عاد أبناء الجرمق إلى قريتهم بعد التحرير في عام 2000، كانت خيبتهم كبيرة. الأراضي الزراعية التي كانت تحق لهم «بالشفعة» بيعت على حين غفلة. والبيوت، كما الكنيسة تهدّمت وتحوّلت إلى أطلال. على الرغم من ذلك، عوّل الأهالي على قيام إدارة محلية تأخذ على عاتقها عملية النهوض بالبلدة، وخصوصاً بعدما سارع بعضهم إلى بناء عدد من البيوت في محلة «العرقوب» التي تقع ضمن النطاق العقاري للبلدة، وإن كانت بعيدة بعض الشيء عن الضيعة القديمة.
هكذا، شهدت البلدة، التي استحدثت لها بلدية عام 2004، تنافساً حامياً بين لائحتين مكتملتين في انتخابات احتشد لها معظم المكلفين من أبنائها (606 منتخبين من أصل 700 يحق لهم التصويت) وانتخبوا في «كونتينر» صغير على تل قرب العين. لكن سريعاً ما بدا أن البلدية ولدت في الوقت «الغلط» والمكان الغلط، لأنها تحوّلت إلى بلدية لا تدير إلا شؤونها فقط.

وعد الرئيس سعد الحريري بالمساهمة في بناء 200 وحدة سكنية
«بلدية الجرمق، اليوم، بالمعنى العملي، مسؤولة عن أربعة أو خمسة أبنية فقط»، يقول رئيس البلدية ميلاد فارس. يوضح: «الجرمق تهدّمت بالكامل منذ عام 1976، وأبناؤها لا يملكون صكوك ملكية فيها. لذلك اشترى من اشترى في العرقوب حتى يتمكن من البناء، وخصوصاً بعدما تلقى بعضهم مبالغ تعويض من مجلس الجنوب على بيوت كانت قائمة في هذه المحلّة، وبلغت البيوت في مجموعها 32 بيتاً، لا يأتي أصحابها إليها إلا في العطل الأسبوعية والأعياد، وبعض أيام الصيف».
لذلك، يقول فارس: «نحن فعلياً بلدية على لا بلدة. البيت الوحيد المبني في الجرمق العقارية هو للراحل فؤاد أبو نادر، فضلاً عن بيت قديم رُمّم. وبنينا على أملاك عامة تابعة لوزارة الطاقة، بعد استئذانها، كنيسة وبيتاً للكاهن، مبنى للبئر الإرتوازية وداراً للبلدية توضع اللمسات الأخيرة عليه ليستقبل الناخبين».
تخجل بلدية الجرمق من جباية الرسوم البلدية عن البيوت القائمة على أراضي العرقوب. من يدفع إذاً الرسوم المتوجبة على أصحاب البيوت؟ نسأل، فيجيب فارس: «أنا أدفع الرسوم من جيبي الخاص، في كل عام أضرب عدد البيوت بمبلغ خمسين ألف ليرة، وأدخلها إلى الصندوق باسم أصحاب البيوت. أفعل ذلك حتى أشجع من يملك بيتاً على أن يأتي باستمرار لتفقده وزيارته».
ليس هناك متر مشاع واحد في الجرمق من أملاك البلدية، ولا حتى متر واحد للبيع. وقد تقدّمت البلدية منذ أربع سنوات بطلب استملاك من وزارة الطاقة على أرض كانت تقيم عليها بناءً من غرفتين قرب العين، لكنها لم تحصل على الموافقة حتى اليوم. يقول فارس: «أخذت الموضوع على عاتقي بعد إذن من الوزارة بترميم العين وإعادة البناء الذي كان سابقاً، وبنيت مقراً للبلدية في الأملاك العامة. ولأنني لا يمكن أن أنفق من صندوق البلدية على مشروع غير موافق عليه، بنيته على حسابي الشخصي ليصبح للبلدية مقراً، كل هذا على مسؤوليتي، ولا أدري، ربما يأتي يوم ويهدم هذا المبنى، باعتباره مخالفاً. لكني أعتقد أنه صار لدينا نواة لبلدة اسمها الجرمق».
ووعد الرئيس نبيه بري بتقديم 20 ألف متر مربع من أملاك زوجته وشقيقته
ناضلت بعض عائلات الجرمق واشترت لاحقاً بعض العقارات، من الورثة، بغية إنشاء «تعاونية سكنية» على مساحة 396120 متراً مربعاً لتكون قرية نموذجية على أنقاض قريتهم، بانتظار حصولهم على بعض التعويضات عن المنازل المدمرة. ومن دون أن تتنبه إلى حساسية الاسم، أطلقت على نفسها اسم «التعاونية السكنية التجارية»، الأمر الذي يحرّر الدولة اللبنانية من مسؤولية المساهمة في بنائها. يقول فارس: «عندما تسلّمت مهماتي في البلدية، تلقيت كتاباً من التنظيم المدني ينبهني إلى عدم إقامة أيّ من البنى التحتية والطرق الخاصة بالتعاونية، كونها تعاونية تجارية، ويفترض بأصحابها القيام بهذه المهمات على نفقتهم لا على نفقة البلدية. أنا لم أقف عند هذا التنبيه، وأعلنت عن استعدادي لإيصال البنى التحتية إلى أي بيت يبنى في الجرمق، حتى ولو كان ضمن إطار التعاونية، وهذا ما فعلته عندما بنى فؤاد أبو نادر. لكن لم يتشجع أحد غيره للبناء، ربما لأن إمكانيات أبناء الجرمق لا تسمح لهم، فضلاً عن أن أراضي التعاونية غير مفرزة، ما يعني أن لا صكوك ملكية مع أصحاب العقارات. حاولنا بعد عدوان 2006 الاستجارة بالدول المانحة، لكن لا صكوك لملكيات موجودة، فأين الملف الذي سنقدمه في هذا الإطار؟».
لم تترك بلدية الجرمق المتمثلة برئيسها باباً من أبواب المسؤولين كافة، إلا طرقته يقول فارس «بحثاً عن كيان لبلدتنا». وعدهم رئيس مجلس الوزراء، النائب سعد الحريري، بالمساهمة في بناء 200 وحدة سكنية، «يفترض أن تشمل مختلف أبناء البلدة من مسيحيين وشيعة وسنّة؛ وللأسف الشيعة والسنة لا يملكون عقاراً واحداً في الجرمق البلدة، بل يملك بعضهم في المزارع التي تتبع للبلدة، ما يعني أن فتح مثل هذا الملف سيوجد شرخاً بين أبناء البلدة، لذلك شجعناهم على شراء بعض العقارات، بأي وسيلة من الوسائل».
لكن حتى لو تجاوز أبناء الجرمق هذه المشكلة، فثمة مشكلة أكبر بسبب عدم وجود الأرض التي يمكن أن تبنى عليها 200 وحدة سكنية. التعاونية السكنية تحتاج إلى مطابقة الفرز، وحتى تتم المطابقة تحتاج إلى طرق وبنى تحتية ومياه وكهرباء وهاتف! هنا يمكن البلدية أن تساهم بجزء بسيط، لأن إمكاناتها المادية لا تساعدها في أن توفر هذه الشروط على نفقتها؛ لكن الدولة ووزاراتها لا يمكن أن تقدّم الدعم لأرض غير مفرزة، فما العمل؟ وكيف يخرج أبناء الجرمق وبلديتهم من هذه «الدوامة»؟
رئيس مجلس النواب نبيه بري وعد بتقديم 20 ألف متر مربع لأبناء الجرمق من أملاك زوجته وشقيقتها. وحتى لو تحقق الوعد، فستدخل هذه الهبة في المشكلة عينها، فضلاً عن مشكلة أساسية: على من تُوزّع هذه الأملاك؟
هذ التجربة البلدية الباحثة عن كيان البلدة لا العكس، ينعتها فارس «بالتجربة القرف». يقول: «لو أن الأمور تسير على ما يرام، من دون هذا الحجم من المشاكل، لكان يمكن البلدية أن تفعل أشياء كثيرة. ويأتي التعقيد الإداري ليزيد الطين بلة، فنحن تقدمنا بطلب استملاك لأرض تبلغ مساحتها نحو 3400 متر مربع يمكن أن نقيم عليها أشياء كثيرة، وحتى اليوم لم نحصل على الموافقة».
تقطن في الجرمق ثلاث عائلات فقط دائماً، ويزورها في العطل بين 50 و150 فرداً. ولتأمين إقامتهم، أنشأت البلدية بئراً ارتوازية بلغت تكلفتها 28 مليون ليرة لبنانية؛ مع العلم أن مجلس الجنوب بنى سابقاً بئراً عميقة تحتاج عملية تشغيلها إلى مبالغ ومصاريف كبيرة، إذ تبلغ قوة ضخها 4 إنشات من المياه. أما ما تضخه البئر المستحدثة فيكفي لريّ المزروعات، وخصوصاً بعدما شجعت البلدية زراعة الأشجار في محيط المنازل القائمة والحقول المملوكة.
يتمنى مختار الجرمق نبيل شديد «لو أن الدولة اللبنانية ومؤسساتها تعاملت معنا على النحو الذي يجري اليوم تجاه إعادة بناء مخيم نهر البارد؛ فمنذ التحرير الذي تجاوز التسع سنوات، تمنينا عليها اعتبار بلدتنا بحكم المنكوبة وأن تعيد لنا الكيان الذي نبحث عنه سنة تلو سنة وعقداً تلو عقد».