تضع الحرب أوزارها ويهدأ المدفع، لكنّ الألم الذي تسبّبه لا يسكن. مضت 28 عاماً على أسر القوات الإسرائيلية عبد الله عليان، ومنذ ذلك اليوم أصبح بالنسبة إلى عائلته مفقوداً وموجوداً، حيّاً وميتاً. أمس، رفعوا صرختهم «ندفع دمنا ثمناً لمعرفة المصير»


محمد نزال
ملف الأسرى والمفقودين لدى العدو الإسرائيلي، الذي “ما زال مفتوحاً. والذي تتحمّل إسرائيل فيه المسؤولية”، كما قال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، مطلع العام الجاري في المؤتمر الصحافي الذي عقده لمناسبة “يوم الحرية”، ثم عاد وأكّد الأمر قبل نحو 3 أشهر في الذكرى الأولى لعملية “الرضوان” لتبادل الأسرى.
عاد الملف، أطلّ أمس من نافذة “الأسير” المفقود عبد الله عليان، الذي أسرته القوات الإسرائيلية عام 1981 من قرية البيّاضة الحدودية في الجنوب، حيث اختطفه ضابطان من الاستخبارات الإسرائيلية، بحسب ما أكّدت المحامية مي الخنسا، وفقاً للشهادات التي عُرضت أمس في مؤتمر صحافي عقد في فندق غلاريا ـــــ الجناح. أهم هذه المعطيات أن “الصليب الأحمر الدولي كان قد زاره عدّة مرات في السجون الإسرائيلية”، وقد قُدّمت في هذا الصدد العديد من الدعاوى القضايا من جانب الخنسا بحق “إسرائيل” التي “ستتابع القضية في جميع المحافل الدولية، دون تساهل أو تضييع للوقت”.
قبل أشهر، اتصل طارق عليان من ألمانيا بابن المفقود حسن، وأخبره أن والده “العميل لمصلحة إسرائيل، والمقيم داخل فلسطين المحتلة قال على مسمعه إن عبد الله عليان ما زال حياً في أحد المعتقلات الإسرائيلية، وإنه رآه آخر مرة قبل عامين”. اتصل طارق مجدداً أثناء المؤتمر الصحافي أمس، وجرى تحويل الاتصال على مكبّر للصوت بحيث يسمعه الحضور، فأدلى بالشهادة نفسها. يريد “ابن العميل طيّ صفحة الماضي والتكفير عن الذنب، إذ إن والده كان هو من وشى بالأسير عليان، الذي كان يعمل مع المقاومة” آنذاك، ما أدّى إلى أسره.
أدلى الأسير المحرر غسان ديراني بشهادته، فقد علم أثناء اعتقاله في فلسطين المحتلة عام 1993 أن عبد الله عليان موجود داخل إحدى الزنازين الانفرادية، في سجن الرملة. بدوره أدلى الأسير المحرر محمد سرور بشهادته، فأكّد أنه رأى عليان بصحة جيدة، في اليوم نفسه الذي أسر فيه.
تقدم حسن عليان، ابن الأسير، ملقياً كلمة “ارتجالية”. بصوت عالٍ صرخ “يا سيد حسن، نحن نفوّضك أن تقول للإسرائيليين إننا نريد الحرية للأسير عبد الله عليان، ليس لنا سند سواك. وأنا مستعد لأن أقدّم دمي لكي أعرف مصير والدي”. جوّ من الحزن الشديد سيطر على القاعة، أطبق صمت حزين، وفاضت دموع عدد من الحاضرين. مضى الابن المنفعل قال “أتمنى من كل من لديه ذرّة ضمير ووجدان، من كل المسؤولين، من الدولة التي لم تسأل عنا طوال 28 عاماً، أن يهتمّوا بأمر الأسير عليان وكل الأسرى والمفقودين”، أدمعت عينا حسن، وارتجف صوته، لكنه أكمل فقال “كلمة مفقود صعبة علينا كتير، والله كتير. لو ميّت كنا منروح على قبره ومنزوره”.
أجهشت الخنسا بالبكاء أثناء حديثها مع “الأخبار” فأصرت على “مناشدة السيد حسن نصر الله لكشف مصير عليان، الذي أسرته الدولة اللقيطة إسرائيل”.


الخنسا أعلنت أن الصليب الأحمر الدولي زار عليان مرات عدّة في السجون الإسرائيلية

بدوره، تحدث رئيس الجمعية اللبنانية للأسرى والمحررين عطا الله حمود لـ“الأخبار”، فأشار إلى أن عائلة عليان “تسأل باستمرار الصليب الأحمر عن مصيره، ولا جواب. يعقدون المؤتمرات ويناشدون فيها الرأي العام العالمي والحكومة، التي يحمل عليان هويتها اللبنانية، ولكن هل تحولت قضيته إلى حزورة؟”. لفت حمود إلى أنه أثناء عملية تبادل الأسرى الأخيرة، ردّ الطرف الإسرائيلي على حزب الله بأن “لا معلومات عن عليان”، وأضاف “هناك 17 ألف مفقود لبناني منذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وإسرائيل تتحمل المسؤولية عن عدد كبير منهم، إذ إن مقررات جنيف تنص على أن الدولة المحتلة تتحمل المسؤولية عن كل الأسرى والمفقودين”.
أهالي الشهداء يعرفون أن شهداءهم قد رحلوا عن الدنيا، فلا يعيشون الليل والنهار على أمل عودة الأحبّة، أما أهالي الأسرى والمفقودين، فلهم شأن آخر. يكابدون ألم الانتظار ووجع السنين المتراكمة. لا تعرف الزوجة إن كانت قد أصبحت أرملة، ولا يعرف الولد إن كان قد صار يتيماً.


تقرير «هاموكد»... وإفادات

كشف سفير المنظمة العالمية لحقوق الإنسان، علي عقيل خليل، عن تقرير لجمعية “هاموكد” الإسرائيلية يتضمّن إفادات لعدد من الذين قضوا فترات في سجون سرية في “إسرائيل”. ويعتقد أن الأسير اللبناني عبد الله عليان يقبع في أحد هذه السجون. يتحدث التقرير عن سجون تعرف بـ“غوانتنامو إسرائيل”، حيث المنشأة 1391 والمنشأة 1321. هناك تربط أيدي المعتقلين بأرجلهم بواسطة سلاسل معدنية، وتوضع على وجوههم أكياس حاجبة للرؤية. يقال لهم، أنتم في الفضاء أو أنتم في غوّاصة. لا يعرفون الليل من النهار، ويجبرون على خلع ثيابهم أمام الجنود للسخرية منهم، كما يوضعون في زنازين مليئة بالبراز، فيُضربون باستمرار ويغتصبون. تدير هذه السجون شرطة “كيشون” التابعة لفرقة 504 في الجيش الإسرائيلي. وقد أوردت في التقرير شهادات معتقلين سابقين، جاء فيها أنهم كانوا يجبرون على أكل رماد السجائر، إضافةً إلى إقحام عصا في شرجهم. ويمنعون من النوم لفترات طويلة، إذ تقرع أبواب الزنازين بأسلوب عنيف باستمرار.