لا تعرف روز غزالة كيف تقول امتنانها. تتصور ربما أنه عليها أن تكون أديبة، أو أن تمتلك لغة فوق المألوف لتعبر عن حدث خارج عن المألوف حصل لها: أحدهم وهبها قلبه. لا تعرف كيف ترد الدين إلا بوهب عينيها لأي محتاج بعد وفاتها


ضحى شمس
تصل إلى الموعد بعينين تراهما أول ما تراها. في العينين بريق دهشة من يعيد اكتشاف العالم، كأنها وهي معنا، تنظر إلينا من ضفة بعيدة، مقابلة. نظرة من عاد من الموت بمعجزة، فأصبح مذاك كل يوم معجزة. والمعجزة، تضافر في نسجها شيء من عناية السماء، وكثير من كرم الأرض. اسم المعجزة التقني: عملية زرع قلب. بنتيجتها يعيش قلب لينا غصّان حنا، حياة ثانية في صدر روز غزالة، مانحاً إياها عمراً جديداً.
وروز كانت غافلة عما بها. «ما اشبك شي»، كان الأطباء يقولون لها. لم يكتشفوا أن قلبها سبقها بالعمر فأصبح ثمانينياً وهي لا تزال في ثلاثينياتها: «فجأة، ما عاد فيني أحمل شي. دقات قلبي سريعة، حتى الجاكيت لما إشلحها على كتفي حس أنها تقيلة. ما عاد فيني نام. بس أتمدد، حس انو في شي بيشبه موج البحر بداخلي، أجلس، فأسمع خشخشة ماي، كأنه مدّ وجزر في داخلي. أيقظت زوجي وقلت له: خدني للمستشفى». هناك، اكتشفت روز أن رئتيها ممتلئتان بالماء، وأنها كانت تختنق. في المرة الأولى، وبعد إخراج المياه من رئتيها، أرسلها الطبيب للمنزل: «عيشي حياتك وبشوفك بعد 5 سنين». قالها كمن ينصح شخصاً باستغلال ما بقي من عمره. وبالفعل بعد 5 سنوات، عادت بعودة العوارض. عندها صارحها بأنه «لا مهرب من العملية». لم يقل لها إنهم سينزعون قلبها القديم ويزرعون لها قلباً جديداً» قال: بدنا نغيّرلك عضلة بالقلب، وأنا ما فهمت، ما هوي كل القلب عضلة!».

شاهدت امرأة لا تعرفها تقف خلف الزجاج دامعة ومبتسمة
وضعت روز على لائحة الانتظار «أنا و12 شخصاً، لكن أعطيت لملفي الأولوية لأن لا أمراض أخرى لدي. لكن كان علي انتظار أن يتوافر قلب من واهب ما، بعد 4 شهور، في تموز عام 2002، وكان نهار أحد، اتصل بي الطبيب وقال: في قلب، عندك عملية 9 صباحاً. صرخت: عملية؟ كان الأمر مربكاً وسريعاً! في المستشفى، كان هناك مريض آخر، فمن توافق مواصفاته القلب، تُجرَ له العملية. وافق جسمي. قالولي الساعة 3 العملية. صارت الساعة 3 ونصف، لك لا شيء. وإذ بالطبيب يدخل ويبادرني: ستنا.. فقاطعته: ما في عملية؟ أجانبي أن أهل الشاب المتوفى غيّروا رأيهم، يريدون ترك قلب ابنهم في صدره! عودي إلى المنزل». تتنهد روز لاستعادة ذلك الوقت، وتتذكر راوية: عندها زدت الصلاة، أكلت من تراب قبر القديسة رفقا تضرعاً، حتى جاء 4 آب». تستفهم بنظرك: ماذا حصل؟ فتجيب «حين أصابت السكتة الدماغية لينا، السيدة التي وهبتني قلبها. كانت قد أوصت أمها بوهب قلبها وكليتيها وعينيها، وصل الخبر لأحد الأطباء من أصحابنا. اتصل بطبيبي، وفي 8 آب أبلغني أني سأجري العملية في مستشفى بزحلة، وأن لدي فقط 4 ساعات لأقرر» تسكت للحظة ثم تقول «ربما كانت أصعب 4 ساعات بحياتي». تتابع سردها «لم أسأل إن كنت سأموت لكني سمعت أن ذلك قد يحدث. بالمستشفى أخذت أوصي أولادي بعضهم ببعض، فكانوا يختنقون بدموعهم ويخرجون من الغرفة. ثم أعطوني مخدراً لم أستفق منه إلا على كلمة «الحمدلله ع السلامة، وكانت الساعة 5 ونص صباحاً». تملأ الابتسامة وجه روز حين تخبرنا نهايتها السعيدة، مضيفة: «لم أكن لأعود إلى الحياة لولا كرم لينا».
تخبرنا روز كيف أن «القلب كان في المستشفى الفرنسي في زحلة وهي في مستشفى خوري، وأنه لنقل القلب، قطعت الطرق بين المستشفيين لتأمينه بأسرع وقت». بعدها، عزلت روز لشهر في العناية الفائقة. كان الكل يلوح لها من خلف الزجاج، إلى أن شاهدت امرأة لا تعرفها تقف هناك تنظر إليها «دامعة ومبتسمة». سألت بالإشارة: من أنت؟ فأتاها الجواب: أم لينا التي وهبتك قلبها. نسألها عن تلك اللحظة، فتقول: إحساس غريب وعميق. خليط من عرفان وتعاطف، كيف بدي قول؟ ما طلع معي غير: شكراً. لكنا عدنا والتقينا، مرات عديدة، وما زلنا نتصل بعضنا ببعض».
ثم تخبرك ضاحكة كيف أن الممرضات سألنها إن كانت، بعد تغيير قلبها، تحس بالعاطفة نفسها تجاه أولادها! ثم تشير إلى رأسها باسمة: قلت لهن: الحب من هنا وليس من هنا (أي القلب).
وماذا عنها هي، بعد عمر طويل؟ تجيب فوراً وفي عينيها ذاك البريق الغريب: «سأتبرع بعيني. خلي أولادي يضلوا يشوفوا عينيي».