في محاولة لترويج الفكرة شعبياً، كثرت أفلام هوليوود عن عمليات وهب الأعضاء وآخرها كان فيلم «7 باوندز» الذي يهب فيه الممثل أعضاء من جسمه لسبعة أشخاص. وبعيداً عن الأفلام، يبدو الواقع في هوليوود ولبنان، مختلفاً. إذا لا تتجاوز نسبة اللبنانيين المتبرعين بأعضائهم 2 .. بالمليون!


قاسم س. قاسم
«إيه مدام بدك تلغي الاستمارة؟ أوكي مدام مشكلة» ترد المنسقة في اللجنة الوطنية لوهب الأعضاء فريدة يونان، ثم تقفل سماعة الهاتف منهية الاتصال. تبتسم يونان في وجهنا المترقب، مؤكدة ما فهمناه «كانت هذه إحدى المتبرعات، أرادت أن تلغي طلبها». والتراجع عن قرار وهب الأعضاء، ليس أمراً نادراً، فهذه الحالات «تتكرر باستمرار. ربما بسبب الخوف» تقول. تشرح أن «التابو» الموجود عند الناس هو ما يدفعهم لرفضهم التبرع بأعضائهم، إضافة لخوفهم من نظرة الدين المفترضة للموضوع. ففي إحصاء أجرته اللجنة في أيار من عام 2006 تبيّن أن 22% من المستفتين، تخوفوا من موقف الدين تجاه التبرع بأعضاء، فرفضوا فكرة الوهب بالمطلق. مع أن أغلب وجهات النظر الدينية الإسلامية تفتي بجواز التبرع بالأعضاء عملاً بالآية «من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً». أما الكنيسة فتعتبر أن وهب الأعضاء هو «تعبير عن حب ومحبة» مستندين إلى ما جاء في إنجيل يوحنا 13:15 «ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يبذل أحد نفسه من أجل أحبائه». لا بل إن الدين الإسلامي يعتبر التوصية بوهب الأعضاء هو للواهب، بمثابة صدقة جارية، عملاً بالحديث الكريم «إذا مات المرء انقطع عمله إلا من ثلاث من صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له أو عمل صالح»، أما في الديانة المسيحية فذلك تأكيد على «إظهار حب ومحبة». هكذا، وبعد مراجعة اللجنة واستطلاعها آراء المراجع الدينية الإسلامية والمسيحية على حد سواء، وبعد تأكدها من أن الدين لا يحرم وهب الأعضاء، وخصوصاً في الحالات الضرورية، عملت اللجنة على اصطحاب رجال دين للندوات التي تقيمها للتأكيد على قبول الدين للفكرة.
لكن مشكلة الوهب في لبنان ليست مرتبطة بالمنحى الديني فقط، بل بالوعي عند أهل المتبرع. فلو تبرع أحدهم من دون أن يخبر أهله مسبقاً، فإن باستطاعة هؤلاء عدم تنفيذ الوصية، لأن التنفيذ يصبح بعد الوفاة «أصعب على العائلة لأنها لن تتقبل الفكرة وسيرفضون اتخاذ القرار عنه»، مضيفةً أن إخبارهم «سيسهل قبول الفكرة لديهم وسينفذونها على أساس أنها وصيته». تذكر السيدة ما حدث مع أحد الفتيات التي كانت تشارك في ندوة عن تبرع الأعضاء والتي اقتنعت بالفكرة «فتبرعت بكامل أعضائها». تضيف يونان «عادت الفتاة إلى المنزل وأخبرت أهلها فرفض والدها ذلك»، لكن بعد فترة توفيت الفتاة سريرياً في أحد المستشفيات فما كان من والدها إلا أن «عاد إلى المنزل قبل دفنها وأخذ بطاقتها وأعطاها للمستشفى التي اتصلت بنا» احتراماً لرغبتها السابقة.
لكن في لبنان، وبرغم من حملات التوعية والندوات التي تقوم بها اللجنة من أجل شرح سمو فكرة الوهب في المدارس والجامعات ولطلاب الطب فإن نسبة المتبرعين لا يتجاوز المليونين، بينما ترتفع النسبة في إسبانيا لتكون الأعلى في العالم، إذ يتبرع 34 شخصاً بالمليون بأعضائهم. تشرح يونان الفرق بين الواهب الحقيقي والمفترض. فمن وجهة نظرها فإن «المتبرع الفعلي هو المتوفى الذي سحبت منه الأعضاء، أما من يملأ طلب استمارة التبرع فهو شخص يملك النية لذلك». وعن نسبة الأشخاص ذوي النوايا الحسنة في لبنان فعددهم حتى الآن 2101 شخص.
تحاول يونان أن تشرح لنا عبر الأرقام، «الهدر» بسبب عدم تقبل الناس فكرة وهب الأعضاء، برغم حاجة الناس الكبيرة لهذا الموضوع. ففي إحصاء نفذته منظمة الصحة العالمية عام 2004، وجدت المنظمة أن هناك 155 ألف حالة وفاة يومية، «أي من وجهة نظر اللجنة أن هناك 155 ألف كبد، قلب، و310 آلاف كلوة تذهب هدراً». وتضيف أن في العالم «مليون شخص زرعوا عضواً ما وعاشوا حتى 25 عاماً وأنّه يموت يومياً ما بين 10 إلى 20 مريضاً في العالم بحاجة لأعضاء» دون أن تتوافر لهم.
أما في لبنان فلا تقتصر المشكلة على العدد القليل للمتبرعين فقط، إذ هناك مشكلة أخرى ألا وهي تنفيذ مرسوم القرار الرقم 98/1 الصادر عن وزارة الصحة العامة في 1 آذار 2005. فالقرار ينص في المادة الرابعة على أن وزارة الصحة العامة تعين مسؤولاً منسقاً في كل مستشفى لديه مركز إنعاش وطوارئ، ويتولى المنسق مهمات الإعلان المبكر والتبليغ السريع عن كل حالات الوفاة الدماغية للجنة. فذلك سيساعدها على استحداث سجل لكل الوفيات ويحدد عدد الوفيات وأسبابها وعدد الواهبين المحتملين وعدد الواهبين الفعليين. وتقول يونان إنه ليس في المستشفيات اليوم «من يخبّر عن حالات الوفاة هذه». لذلك، ولتخطي هذه المشكلة، وقعت اللجنة أخيراً على اتفاقية مع إسبانيا، تؤمن هذه الأخيرة بموجبها شبكة من الأطباء في 20 مستشفى لبنانياً، مهمتهم سد هذا النقص وإبلاغ اللجنة بنسبة المتوفين المتبرعين، لمتابعتهم.
هكذا، تطمح يونان لتنفيذ أهداف اللجنة، وأهمها زيادة الوعي عند الناس عن أهمية وهب الأعضاء والأنسجة. لكن تبقى المشكلة الأساسية هي الأفكار الشائعة لدى الناس، بأن من يزرع قلباً فهو سيشعر ما كان يشعر به المتبرع أو إذا زرع قرنية فإنه سيرى ما كان يراه المتبرع! ولا تستغربون هذه الفكرة، فكلنا نعلم، أن الأفلام، أقوى وأبقى في ذهن الناس، حيث إن هذه الفكرة زرعتها بعض الأفلام الهوليوودية في عقول العامة. وتؤكد يونان أن «القوانين الدولية تمنع على المتلقي أو أهل المتبرع أن يعرف بعضهم بعضاً، وذلك حفاظاً على السرية ولعدم تعرضهم للضغوط النفسية».



بلد أعضاؤه ناقصة

«يعاني لبنان نقصاً في الأعضاء»، هكذا يصف عضو اللجنة الآسيوية لزرع الأعضاء د. أنطوان برباري (الصورة) وضعنا. يتحدث الطبيب لـ«الأخبار» عن مشاكل هذا المجال. يقول «هناك 7 مراكز لزرع الأعضاء في لبنان والعمليات تتم مجاناً، لكن ليس هناك أعضاء لزرعها». أما أكثر ما يطلبه «السوق» اللبناني فهو «عمليات زرع الكلى» فهناك ثلاثة آلاف شخص يخضعون لجلسات غسل كلى بانتظار توافر كلية تناسبهم. ويضيف برباري أن «نقص الأعضاء في لبنان هو سبب المشكلة». أما بالنسبة إلى المستوى المهني للأطباء فهو « عموماً جيد»، ويضيف «كما أننا ندعو الإسبان ليساعدونا على التدريب برغم خصوصية كل بلد».