قبض متعاملون مع إسرائيل مستحقات من وزارة المالية، بعدما ادعوا أنهم أسرى مع حصولهم على إفادات من الصليب الأحمر الدولي، تثبت وجودهم تحت الاحتلال. اكتشفت الوزارة الأمر، أوقفت دفع المستحقات، في هذا الوقت يعاني أسرى محررون للحصول على مستحقاتهم من الحكومة


أحمد محسن
ارتكب المتعاملون مع إسرائيل خرقاً جديداً. لم يسلموا معلومات عن الدولة اللبنانية والمقاومة هذه المرة. لم يتصلوا مباشرةً بالإسرائيليين. كل ما في الأمر، أن وزارة المال اللبنانية اكتشفت أخيراً، أن بعض المتعاملين السابقين مع إسرائيل يحتالون عليها... وقد أتم بعض عمليات الاحتيال بنجاح.
بدأ الأمر حين كان بعض الأسرى المحررين يقبضون مستحقاتهم من الوزارة، لمحوا شخصاً كانوا يعرفون والده جيداً، فقد كان الأخير في معتقل الخيام، وكان في صفوف المتعاملين. الأسوأ، أن الابن كان في الوزارة ليقبض أموالاً. انتابت الأسرى الريبة وشعروا بالغضب في بداية الأمر. بعد التحقق من الحادثة، تبين أن الوالد يخضع لحكم في السجن، ويمتثل له في رومية، لكنه وقّع وكالة لابنه ليقبض بدلاً منه مستحقات من الوزارة، باعتباره «أسيراً سابقاً». طوال الفترة السابقة، كانت إفادات الصليب الأحمر (دخل الصليب الأحمر الدولي معتقل الخيام في عام 1995 للمرة الأولى)، هي الدليل الأقوى على وجود السجين في المعتقلات الإسرائيلية، وكان الوالد قد حصل على إفادة، لأنه كان موجوداً في السجن.
هذا الرجل ليس حالة استثنائية، ثمة عدد آخر من المتعاملين قبضوا أموالاً من الوزارة، بعض هؤلاء يعرفون بـ«عملاء الزنزانة»، والذين كانوا إما من «اللحديين» الذين تعاقبهم قوات الاحتلال بالاعتقال لفترات في الخيام، أو في موقع 17 في بنت جبيل، أو من المتعاملين الذين تدسهم في صفوف المقاومين والمواطنين العاديين، للتجسس على اللبنانيين.
بعدما فتحت وزارة المال تحقيقاً في القضية، استعانت الجهات القضائية المختصة بالسجل العدلي الأصفر للتدقيق في أحكام المتقدمين لديها لنيل المستحقات، تبين وجود 350 لحدياً يقبضون من الدولة، بوصفهم أسرى لبنانيين في السجون الإسرائيلية، ما أدى إلى وقف أي دعم مادي لهم، بعدما أُعدت لائحة مفصلة بأسمائهم، وطبيعة عملهم مع قوات الاحتلال، وذلك وفقاً لمسؤول إداري في وزارة المال. لفت المسؤول إلى أن السجل العدلي الأصفر، الذي يحوي معلومات دقيقة عن أي مواطن، سهّل كشف طبيعة العملاء. فهو يختلف عن السجل العادي الأزرق، الذي يُعطى بناءً على طلب المواطن. السجل الأصفر يطلبه القضاء حصراً، ولا يمكن المواطن أن يزيل الأحكام الواردة عليه، فيما المحكوم بجناية يمكنه بعد 7 سنوات من انقضاء محكوميته التقدم بطلب لرد اعتباره، وإزالة الأحكام عن السجل الأزرق. استعجل المتعاملون في الاحتيال على الدولة مجدداً. أنقذتها الصدفة على أبواب وزارة المال أولاً، وصعوبة تنظيف السجل العدلي الأصفر ثانياً.
وفي الحديث عن فعلة المتعاملين الجديدة، والمستحقات المالية للأسرى المحررين، تجدر الإشارة إلى أن قيمتها ليست مرتفعة، وكان قانون 364 الصادر عام 2001 عن المجلس النيابي اللبناني لتنظيم ترتيبات الأسرى المحررين، قد صدر بعد اعتصام طويل للأسرى المحررين، والجمعيات الأهلية، ونص على أن تدفع وزارة المالية راتباً تقاعدياً لكل أسير أمضى 3 سنين في زنازين العدو، قيمته 400 ألف ليرة، أي وفقاً لحسابات الرواتب التي تحسب لجنود الجيش اللبناني المتقاعدين، برتبة جندي أول، قبل أن يرتفع إلى 570 ألف ليرة بعد تعديل الحد الأدنى للأجور.

انفضح أمر المتعاملين بعدما استعانت الجهات القضائية بالسجل العدلي الأصفر
لا يستفيد أقارب الأسير من هذه التقديمات، إلا لجيل واحد فقط، أي إن المستفدين هم زوجته وأولاده، على عكس الطريقة التي تعامل فيها إسرائيل عسكرييها مثلاً. وقد لفت الأسير المحرر نبيه عواضة إلى أن هذه الرواتب هي كل ما يحصل عليه الأسرى. لذلك، فهم متروكون من دون أي تأمين صحي أو اجتماعي. بعض الجمعيات المدنية والأهلية تساعدهم أحياناً، إلا أن الدولة اللبنانية عفت نفسها من أي رعاية اجتماعية، أو تأمين صحي، للرجال الذين فقدوا حريتهم في زنازين الاعتقال الإسرائيلية. وأضاف أن مبلغ 570 ألف ليرة المخصص للأسير، يتناقص تدريجياً، في حسابات وزارة المالي. فبالنسبة إلى الأسرى الذين أمضوا أقل من ثلاث سنوات في الزنازين، إنهم يحصلون على ما يعرف بـ«منحة التحرير»، وهي عبارة عن تعويض بقيمة 15 مليون ليرة، يبقى منها 10 ملايين، بعد حسم الضرائب منها (!). ينجو من دفع الضرائب الأسرى الذين قضوا أقل من عام في المعتقلات، إذ إن هؤلاء يجب أن يحصلوا على مليونين و500 ألف ليرة. ربما شعر المشرّعون الماليون بالخجل من خصم ضريبة على هذا
المبلغ، حسب ما يردد متابعون للقضية.

مستحقات عالقة

لفت عواضة إلى أن قانون 365 الذي صدر في الجلسة نفسها، نص على إضافة وسام الحرية إلى الأوسمة الوطنية اللبنانية، وقد أصبح ساري المفعول منذ صدور مرسوم تطبيقي له في مجلس الوزراء عام 2003. إلا أن القانون وشؤون الأسرى لا يزالان ضائعين بين وزارتي العدل والدفاع، وخصوصاً أن وزارة المال حتى الآن لم تدفع مستحقات 861 أسيراً، بحجة أن وزارة الدفاع ما زالت تحقق في سجلاتهم. ضاعت «الطاسة» بين «المال» و«الدفاع»، والأسرى ما زالوا بلا مستحقات، علماً بأن عدد الأسرى المحررين بلغ 7600 وتقريباً، 6000 منهم قضوا في السجون الإسرائيلية والميليشيات المتعاونة معها فترةً لا تقل عن ثلاث سنوات. المؤسف في الأمر، أن الأسرى الباقين (861 أسيراً)، ما زالوا ينتظرون تسوية أمورهم بين وزارة المالية ووزارة الدفاع. ففي آذار الماضي، قدّمت المالية ملفاتهم إلى الدفاع للتحقّق منها، وإلى الآن لا جواب. وتلفت مصادر متابعة لمف الأسرى المحررين إلى أنه تبيّن للمالية نتيجة فرز الملفات أن الـ861 «أسيراً» لا يملكون أوراقاً رسمية كافية تثبت أنهم كانوا أسرى في سجون العدو. وجلّ ما قدّموه للمالية أثناء فترة تقديم الطلبات محاضر درك أو إفادة من مختار المحلّة، وهي أوراق غير قابلة لإثبات حالة الأسر. ولفتت مصادر متابعة إلى أن استخبارات الجيش تحاول تسريع العمل بالموضوع، وقد تحرك ملف جزء من هؤلاء الأسرى، إلا أن الاتهامات في صفوف الأسرى تتركز نحو وزارة المالية، التي تماطل في الموضوع، من دون أن ينفي ذلك أن قلق الأسرى تقلص أخيراً، وباتوا يأملون نتائج إيجابية في القريب العاجل، رغم أن قضية المتعاملين الذين قبضوا المستحقات عبر الاحتيال، جاءت لتزيد طين انتظار الأسرى بلة. ثمة من كان يقبض مستحقاتهم، بعد سنوات السجن المضنية. أكثر من ذلك، فإن استخبارت الجيش اللبناني، أو الجهة التي تتولى التحقيق في وزارة الدفاع، ربما تحتاج إلى تدقيق أكثر في سجلات الأسرى بعد الحادثة الأخيرة. وزارة المالية لا تعاني كثيراً في هذا الإطار. تعاملت مع المتعرضين للإعاقة من دون شروحات وتحقيقات مفصلة. تقدم لديها 34 أسيراً محرراً معوقاً للحصول على دعم صحي واجتماعي، فقبلت 24 منهم فقط.


تسوية قانونية؟

زياد عبس المسؤول في التيار الوطني الحر، عن قضية اللبنانيين في إسرائيل، يؤكد أن آلية عودة المتعاملين السابقين إلى الحياة الطبيعية بعد تسوية أمورهم القانونية أسهل مما قد يتخيله البعض. إلا أن «الطاسة» قد تضيع مجدداً. فقد لفت عبس إلى أن عدداً من الذين عادوا إلى لبنان، يواجهون مشاكل محددة، تتلخص بمذكرة البحث والتحري التي يصدرها الجيش بحقهم، وتلاحقهم بعد عودتهم، «ولو لم يكونوا من المتعاملين مع العدو، واتخذ وجودهم في إسرائيل شكل اللجوء، أكثر مما هو تعامل مع العدو». لكن في سياق متصل، تتشابك رغبات عبس بعودة سلمية لهؤلاء، مع القانون. القانون واضح. تنص المواد 274 ـــــ 275 ـــــ 285 من قانون العقوبات اللبناني، على أن دخول بلاد العدو (إسرائيل) خلسةً من دون إذن مسبق، هو بمثابة الجرم الذي لا يحتمل التسوية، وقد تصل العقوبات القانونية في مثل هذه الحالات إلى السجن المؤبد، وقد تفاعل الحديث عن المتعاملين مع إسرائيل في الآونة الأخيرة، بعد اكتشاف العدد الكبير من شبكات التجسس الإسرائيلية.