افتتحت جريدة النهار، في الأسابيع الأخيرة، مسلسلاً طويلاً من طرد الصحافيين، شمل موظفي الصحف، والإذاعات التلفزيونية. ومن بين أبرز الأسماء التي لحقت بها المهانة كان الروائي إلياس خوري، رئيس تحرير الملحق الثقافي للنهار. وتبرهن مقالات الحزن على مصيره ومصير الصحافة عند بعض زملائه على موقعه بينهم، حيث إنه مثّل وملحقه أحد أكبر المراجع على الساحة الثقافية في لبنان في السنوات الأخيرة


رائد شرف *
كثيرة هي الظروف التي أدت إلى طرد الصحافيين في لبنان في الآونة الأخيرة، فمن القوانين الظالمة والقمعية لتنظيم الإعلام المكتوب والمرئي، إلى التحاق أصحاب الصحف ورساميلهم بالرأسمال الشرق أوسطي والداخلي اللبناني، إلى استقلال السياسة الإعلامية للصحف كلها عن الالتزام الأخلاقي بجمهورها لأنها في الأصل لا تعتاش من قراءة الجمهور لها، إلى غير ذلك من الأسباب التي جعلت مسلسلات طرد الصحافيين والعاملين في المجال الإعلامي حلقات شبه دورية، وعادية. حتى إن النهار تكاد تحتفل بطردها موظفيها أخيراً بحجة اكتساب الجريدة حلة شبابية جديدة.
لكن «إعادة الهيكلة» التي يعاني منها الإعلام أخيراً ليست الأولى من نوعها. وكما في كل مرة، وبعكس ما شهده الوسط السياسي منذ سنة ٢٠٠٥، لا يبدو أنها أحدثت الخضة نفسها في المجتمع. مع أن الإعلام اللبناني لطالما تغنى بوحدة مصيره وحرية الرأي في المجتمع، لا بل ربط نفسه «بالنهضة العربية» على أنه كان من أوائل من بعث «الحداثة» في المجتمع العربي. و«الحداثة» كلمة ثقيلة المعاني والاستنتاجات. وقد تصرّف بعض أقلام الإعلام على هذا الأساس، مميزين أنفسهم عن خصومهم في السياسة باسم «النهضة» و«حرية الرأي». ورواية ملحق النهار هي نموذج لهذه الحالة، غير الفريدة، حيث انقلبت الخدعة الاجتماعية على من امتهنها... من دون أن يدري، ودون أن يدري معه أحد.

الخدعة الاجتماعية


مأساة الصحافيين فريدة من نوعها، إذ ما من وسط يترجم ترجمة أفضح منطق السيطرة التي يعاني منها المجتمع

«حرية الرأي» قد تكون فكرة مجردة لكثرة ابتذال استخدامها، وهي قابلة لجميع أشكال الاستخدامات الاجتماعية. في حال «النهار»، حيث التصقت الفكرة، رمزاً، على نحو وثيق وموثق بصورة الجريدة، لا يزيح استخدام هذه الفكرة الاجتماعي عن منطق القلق الحصري على حقوق «الشاب سامي الجميّل ورفقائه في الجامعة اليسوعية» في تظاهراتهم ضد «الوجود السوري» في لبنان. ومناضلو التيار الوطني الحر خرجوا من دائرة الاهتمام لعدم تلبيتهم شروط التهذيب في وجه الحريرية. أما أن تواكب جريدة النهار، من منطلق حماية الحريات، بقية المواطنين، من متظاهري حيّ السلم والشياح الذين أُطلقت عليهم النار (حيث لم تطلق على غيرهم)، أو من سكان المخيمات الفلسطينية، أو من اليد العاملة الأجنبية، وأن ترفع شأنهم شأن قضية «السيادة»، فهذا ما يخرج عن الجهاز الإدراكي للقيّمين على مؤسسة النهار (يراجع في هذا الخصوص مقال أسعد أبو خليل في الأخبار في تاريخ ٠٨ تشرين الأول ٢٠٠٩).
لكن المسألة تتعدى «النهار» لتشمل الوسط الصحافي شمولاً شبه كامل. إذ إن تجريد الأفكار من محتوياتها لخدمة التناقضات الوهمية للمجتمع السياسي اللبناني تكاد تكون القاعدة. فبات مثلاً تخصيص صفحة تحريرية تعنى بالشؤون الفلسطينية في جريدةٍ ما لا يعني في منطق «الالتزام الأخلاقي» شيئاً، عندما تتستر الجريدة عن تغطية القصف التعسفي الذي أنزل بمنازل اللاجئين في مخيم البارد (فيما كان وزير الداخلية التحريضي آنذاك يقول إن معظم الموقوفين في الأيام الأولى من الجنسية اللبنانية). وقد يجوز التساؤل، حرصاً على المواكبة الصحافية التي تحصل عليها القضية الفلسطينية، إذا كانت بيوت الضاحية أو الرابية أو قريطم التي تقصَف بهدف عزل تنظيم «إرهابي»، لتحصل على هذا الإهمال في التغطية الإعلامية؟
في الحالتين، أي «حرية الرأي» أو «القضية الفلسطينية»، تصبح القضايا ومرتكزاتها الأخلاقية من عالم «الرموز»، الفعّال في بعض الأحيان في «توعية الرأي العام»، لكن الضال في البعض الآخر. على شكل ما لاحظه رولان بارث في حب الفرنسيين للـ«أبيه بيار» الذي يعفيهم من ثقل التضامن الاجتماعي المسيّس. فموضوعياً، العالم الرمزي للصحافة اللبنانية هو من ركائز المجتمع السياسي اللبناني بعلاقته مع المجتمع العام، وهو عائد المنفعة، لا بل أداة هيمنة للقلة الحاكمة سياسياً واقتصادياً التي تعيش على تدمير حياة الناس. فلا تكون بالتالي عقيدة «حرية الرأي» أو «القضية الفلسطينية» عند الجمهور القراء ـــــ وأخصهم القراء السياسيين ـــــ إلا بمثابة مخدر فكري، يصالحهم مع أشكالٍ أخرى من الظلم ومع إهمال حقوق أخرى ومع قراءتهم السياسة ضمن الأطر التي تمليها اللعبة السياسية في أولوياتها المهيمنة. أولويات قد لا تكون تأبه بالقضية الفلسطينية أو بتعميم شروط حرية الرأي.
وقد يعود هذا الانفلات الأخلاقي، أو هذا الانقطاع المنطقي بين الخطاب الإعلامي والقضايا الاجتماعية على حساب منطق اللعبة السياسية، إلى ضعف الأحزاب الأخلاقية العقائدية وقمعها في المجتمع اللبناني، التي كانت ضمن مؤسساتها تجمع بين متابعة القضايا المجتمعية عن طريق الاضرابات والنقابات والتربية الحزبية، وتسويق هذه القضايا إعلامياً من طريق كتابات المثقفين الحزبيين التي كان يمكن أن تكون بمثابة مرجع نقدي للوسط الثقافي، تؤدي مثل كل مرجع دور مراقبة وتصحيح وتصويب، للقراء كما للكتابة، للتقريب بينهم، وبين قضايا مختلف الفئات الاجتماعية على تنوعها.

المهنيّة المخدوعة

لكن مأساة الصحافيين تكاد تكون فريدة من نوعها، مهزلةً أو تراجيديا على اختلاف قراءاتها، إذ إنه ليس هنالك من وسط يترجَم ترجمة أفضح في أفعال أعضائه منطقُ السيطرة التي يعاني منها المجتمع ككل، فيما يحوز هذا الوسط ما ليس لغيره، أي وسيلة إيصال رأيه. فبالتالي يمثل المجتمع الصحافي النموذج الأشع للكبت الاجتماعي للأوجاع الإنسانية. هذا الكبت الذي تستند جميع أشكال السلطات إليه لتسوق الواقع في عهدتها على أنه بخير، أو «ماشي»، على قول أحدهم.
لكن ليس هنالك مهنة أو وسط يبدو عاملوه أشبه بالأطفال الباكين عند حصول مصيبتهم مثل وسط الصحافيين، حيث إن مهنة هؤلاء وثروتهم الوحيدة «الكتابة» (إلى حد اعتقاد بعضهم أن العالم يبحث عن كتاب)، وتقتضي ظروفهم الموضوعية إلى تحوير سلعتهم، إنتاجهم الوحيد، إلى كذبة اجتماعية. بل أكثر من ذلك، يستند وسطهم إلى «الأسماء» و«الفرادة» وغيرها من الرموز التي تغلب التمايز الشخصي على العمل الجماعي. إذ يقدم أعضاء وسطهم أنفسهم للمجتمع ويستندون إلى تقديم أنفسهم للمجتمع، لتبرير احتلالهم ساحة الرأي وأولوياتهم بالرأي تحت حجج «الاختلاف». لكن ظروف مهنتهم في لبنان انفردت في صنع هذه الحال حيث يصبح تقليد التمايز المهني بهدف الإشعاع الشخصي عملية عزل اجتماعي لصاحبها، وللأسف، عملية تسويق للعزل الاجتماعي في المجتمع. إذ إنه في حال تخلي صحيفة عن كتّابها، لأن رئيس مجلس النواب استفزته «المانشيت»، أو إذا تعرض صحافي للمضايقة لأن المدير العام للأمن العام مستاء من عدم التهليل لمبناه الجديد «في خدمة المواطنين»، يصبح سكوت الزملاء واحتجابهم عن التضامن مع المضطهدين، ليس فقط بمثابة تسجيل موقف مختلف، بل أيضاً قاعدة اجتماعية ثابتة، يكاد يثبت عليها المجتمع السياسي برمته، ومعه المؤسسات الاجتماعية الملحقة بالسياسة (كي لا نقول المجتمع أجمع). وكأن الصحافة تقول للناس: هذا العنف مسموح به، ونحن ما زلنا أحرار الرأي، وكل شيء سائر على خطى سليمة.
ومع ذلك، تنجلي مع كل مناسبة طرد صحافيين، عند قلة من زملائهم، ضرورة الدمج بين ممارسة مهنتهم ومنهجٍ نقدي لهذه الممارسة. وهو منهج مثّل جوزيف سماحة أحد مواقعه المؤسساتية، مع تأسيسه لصفحة «صوت وصورة» في جريدة السفير، المعنية بملاحقات أخبار الصحافة وجعلها مقام نقد كغيرها من المواضيع.

الملحق

لكن إلياس خوري لم يكن من هؤلاء، بل جسّد بالعكس، رمزاً ومؤسسة «للخدعة الاجتماعية» كما «للمهنية المخدوعة».
فمن الناحية الرمزية ذات النتائج الاجتماعية، كان ملحق إلياس خوري يجمع بين «حرية الرأي» في موضوعاتها المحذرة من «التوتاليتارية» و«القضية الفلسطينية» المصدومة من النكبة. لكن كيف لمناصرة القضية الفلسطينية، الجميلة في الأدب والشعر، أن تستوي وانتقاد رأس المال سقط من جدول الأعمال في السنوات الأخيرة؟ ورأس المال هو أقوى المتسلطين الاجتماعيين في العالم منذ القرن التاسع عشر، كما تحدّث به وفسّره مراراً أدبٌ يساري يهوى بعضُ التطبيل أخيراً في جريدة الأخبار على التقليل من شأنه (انظر مقالة قاسم عز الدين الأخيرة في صفحة رأي). والملحق الثقافي كان خير جامع بين بعضٍ من الوجدان لفلسطين بصورةٍ فتحاوية متخيلة (وساكتة عن خيانة قيادة فتح)، والتسامح مع رأس المال (الحريري والسعودي)، لا بل العمالة له عن طريق التكبّر الطبقي الممنهج على التيار العوني.
أما من الناحية المهنية، فتركيبة موقع إلياس خوري الصحافية، التي لم تمنع فصله، لا تقاس إلا بمسافة الخيبة الأخلاقية التي تفصل بين المديح والتحسّر الذي يخصصه له زملاؤه من العاملين في المهنة، وبين وقْع توقيع المدير العام المساعد للنهار نايلة تويني، على مستقبل مدرسة خوري.
إذ إنه لا «معلّم» في جريدة النهار. فأبسط قراءة لأولويات الفصل التعسفي في الصحيفة، ومهما كان سببه، تظهر أنه أُبقي على صنفين أساسيين من الصحافيين، يمثلان الأولويات الصحفية عند الإدارة و«بوز ألن» الاستشارية، ولو على نحو غير واعٍ: ضيوف وليد عبود من صحافيي التعاون التلفزيوني ومجتهدي التحريض الطبقي المباشر (والجريدة التي وثقت اسمها رمزاً للقلم الحر هي الآن أبعد ما تكون عن القلم). ولا مكان لمن يعتقد «بتعقيد الحياة» ولمن يكتب على هذا الأساس، أو، لنستعن بإلياس خوري، لمن رأى في الكتابة «نافذة على المعرفة التفصيلية»، أي للمنطق الثقافي الذي يزيح عن «فينومينولوجية ميشال المر» وعن الخطاب السياسي المهيمن في مرحلته الصدامية.
وقد كان بالتالي موقع إلياس خوري نتيجة صدفة من تلاقي منظومتَيْ فهم للمهنة الصحفية، في إطارٍ تاريخيٍ سمح توحّدهما: منظومة معتقدات الزملاء الكتاب، ومنظومة معتقدات الإدارة. طبعاً كما في كل حال ارتكاز ايديولوجي، حصل هذا التوحد على حساب نسيان ظروف نشأته الموضوعية التي قد تفسر ظروف انتهاء صلاحيته.

مدرسة الصحافة في لبنان

لا معلم في جريدة النهار، وسابقة «نهج غسان التويني» أو مدرسته الإدارية في الستينيات، التي تسوق لها منشورات الجريدة وكتابها، نجحت في تعميم أسطورتها، وإن حصلت، إلا أنها لا تغدو قاعدة مهنية ثابتة. فأي مدرسة تلك التي تتخلى عن سمير قصير عندما طارده الأمن العام (والسفير كانت قد كتبت يومها عن الموضوع)؟ وأي مؤسسة تلك التي لا تحفظ لصحافييها القديمي العهد حق التعويض المهني والاستقرار الحياتي؟ مدرسة النهار هي من عالم الرموز، عالم الأفكار المجردة من التطبيق العملي التي تطوف على بحر الدعاية فقط. هي شعار نبلٍ، لا ينطلي إلا على من يعمل في ظله، في عالمٍ يرتكز على الشعارات وتقديم الذات منطقياً ورمزياً، حيث تصبح الذات أسيرة عملها. وتطويع المهنيين لمصلحة الظروف الموضوعية للصحافة اللبنانية، صحافة محاصصة الرخص والكلمة الفصل للمالك، هو الشيء المدرسي الوحيد في جريدة النهار، كما في أي جريدة لبنانية.
حتى في آخر مقالٍ له في الملحق الثقافي، بقي إلياس خوري مبايعاً لهذا النهج، وهو قد حدد أنه ليس مرتاحاً في جو الجريدة، موازياً امتعاضه بالمديح لغسان التويني. الحقيقة أن مدرسة النهار غلبت على مدرسة إلياس خوري (كائناً ما كانت هذه الأخيرة)، بعدما ذوبت الضحية نفسها وقضيتها في الدعاية لمصدر ظلمها. لكن كيف، ولا يكون كذلك؟ وإلياس خوري ترأس قسماً من شركة النهار على مدى ١٧ عاماً. كانت الغلبة لمدرسة النهار منذ البداية، واحتاج الوقت إلى سبعة عشر عاماً ليثبت الوهم.
كان دخول إلياس خوري النهار، وهو الآتي من السفير، قد حصل في مرحلة تأسيس نظام الجمهورية الثانية. وكان الأمر الواقع السياسي الجديد قد فرض على من قرر التعايش معه داخل لبنان، مجالاتٍ جديدة من «المناورة السياسية» وبالتالي من «التطور الثقافي»، بحدودٍ جديدة تراعي التركيبة السياسية القائمة تحت مظلة عنجر. وقد تكون صدفة القمع المشترك الذي عانى منه بعض اليمين (جبران التويني كان في المنفى) وبعض اليسار العرفاتي في لبنان، قد قربت بين بعض أعضاء الإرثين. لكن ضرورة التكيف مع مرحلة جديدة ذات شروط جدية كان من الحسبان في نظرتي إلياس خوري وغسان التويني لأمور الصحافة، والأخير كان قد تحدث عن عمله وإلياس خوري على صناعة «لغة ما بعد الحرب» (انظر: غسان التويني، «سر المهنة وأسرارٌ أخرى، ص ١٥٢، دار النهار). مرحلة تابع فيها الملحق نشاطه جامعاً بين عالمي الرموز الخاصة «بالمدرستين»، رموز ما يراه الآخرون عن عادة اجتماعية «مدرستين»، لكن ضمن تركيبة ثقافية جديدة لا يمكن عزلها عن تفاعلها مع نظام اجتماعي وسياسي جديد، تأخذ منه كما يأخذ منها عناصر تكونهما الرمزي. نظام خطابي، كما أشرنا، يستند إلى معايير مزدوجة، وعلى تطويع القضايا الاجتماعية بما تعود مصلحته إلى أركان النظام الأقوياء، من أصحاب صحف، وسياسيين ممولين للصحف.

عودة اليمين الغبي

طبعاً، هنالك بعض الاختلاف السياسي بين إلياس خوري وإدارة النهار منذ البداية، أقله في الأسلوب. وذلك الاختلاف من ضمن ما كان يعزز من صورة النهار «الإدارية» المشجعة للحريات ولتعدد الآراء. فكتابات خوري خالية مثلاً من العنصرية، ولو أن منطق بعضها يتماشى مع ما يريد المنطق العنصري إبرازه (مثل ازدواجيته في محاسبة نظامَي سوريا والسعودية). لكن لتخلي النهار عن همها «الإداري للتعددية» هذا نكهة جديدة، خاصة بالمرحلة الجديدة التي تعيشها البلاد والجريدة. إذ إن إلياس

طرد إلياس خوري مؤشر على ما يمكن أن نعدّه بروز يمين «تخلّص من عقده»

خوري مختلف في أسلوبه عن الإدارة، لكنه ليس سمير قصير أيضاً، وهو ليس بالشجاعة التي امتاز بها الأخير صاحب الكتابات المواجهة والتحطيمية لرموز التسلط التي شاء أن ينتقدها. وبالتالي، ليس عمله في جناح النهار بمستوى يسبب الحرج منه. وهذا يعني أن طرد إلياس خوري ليس فقط مؤشّراً على عودة صنف ممنهج من اليمين على الساحة السياسية اللبنانية، وبين طاقم السياسيين والمستشارين الإعلاميين في ١٤ آذار الذي برز في «المنطقة الشرقية»، والذي تقع إدارة النهار ضمنه، بل هو مؤشر أيضاً على ما يمكن أن نعدّه بروز يمين «تخلّص من عقده» (la droite decomplexée، والتعبير يستخدم في فرنسا في وصف عودة اليمين الطنانة، الذي كان قد أسكته عار تعامله مع النازيين). يمين غبي ذو سقف صدامي عالٍ. والحال أنّه لا ضرورة لعودة اليمين، إذ إن اليمين كان دائماً هو الطاغي في لبنان، والأيدولوجية اللبنانية بما تتضمنه من معتقدات اعتباطية في المجتمع والاقتصاد الحر والسياسة الخارجية قد وجدت عند مشروع رفيق الحريري في التسعينيات أرض تجديد وإعادة هيكلة للخطاب أكثر فعاليةً على الأرض الاجتماعية المتعددة الأقطاب السياسية. حدث ذلك عبر مزج الحريري بين «عروبة» شعارية و«اقتصادوية» تأخذ أسسها الحسية من الأزمة الاقتصادية في بلاد ما بعد الحرب.
وملحق إلياس خوري، كما النهار، كانا ضمن هذه النزعة، يحملان أسسها «الحسية» بترجماتها الأدبية ويتغاضيان عن الاختلاف، عن أن هنالك مسائل لم تحلّ (وليست المسائل وحدها مسائل مؤسسات «المجتمع المدني»)، ثم ينشطان في قمع الاختلاف في المرحلة الأخيرة تحت رايات الدفاع عن الحريات ونبذ «الكارثة» و«الحرب» بغض النظر عن أسباب الكارثة الموضوعية. والملحق كان أكثر شراسةً من الجريدة في عملية القمع. ملحق محافظ في خدمة النظام. لكن عودة يمينٍ لا يهمه التزاوج مع خطاب إلياس خوري، ما هي إلا عودة يمين طائفي ـــــ مسيحي ضيق، لا يهمه التزاوج بين عناصر رمزية من المنطقة الشرقية ومن المنطقة الغربية مهما برهن هذا التزاوج عن سطحيته وعن خدمته لرأس المال. وهو بالتالي لا مستقبل له، بمعنى الهيمنة على كامل أرجاء البلاد كما تمنى في ما مضى من يعرف بآبائه المؤسسين. لكنه، بلا شك، يقع ضمن مجال سياسي رحب، من تشجيع تيار المستقبل والمعادلة الإقليمية، ليمشي بالبلاد نحو مزيد من تدمير عناصر اللحمة الوطنية بين المواطنين. مجاله هو مجال توزيع أدوار مؤقت تمليه على فريق وصوليّي الحريرية مقتضياتُ الصدام الراهن مع حزب الله والتيار الوطني الحر، في انتظار نضوج ظروف أمر واقع جديد شبيه بنشأة الجمهورية الثانية، يستوي فيه حكم البورجوازية المالية والميليشياوية على مجتمع الأفراد العزل. بهذا المنطق، تبرز عودة هذا اليمين كخطوة عادية ضمن خط قديم يسطّح المجتمع على أسسٍ طائفية بغية تقوية البورجوازية الحاكمة. بورجوازية كولونيالية تعمل كالقوى الكولونيالية على التفرقة في هدف السيطرة.
بهذا المنطق أيضاً، تنجلي محنة الصحافيين الأخيرة على أسس موضوعية تعني المجتمع. ونرى أن الصحافيين يحصدون الآن، للمرة الألف، ما شاركوا هم في صنعه في المجتمع من مأساة ومن اختبار للمأساة: العزل الموضوعي للإنسان أمام السلطة والمال، والعزلة النفسية في اختبار العزل وفهمه.
* باحث لبناني