نهلة الشهال



لإرسال رسالة الى المحرر، انقر هنا

لانهيار “العملية السلمية” نتائج ومستلزمات. فهذه كانت تدار كمفاوضات في القمة تستهدف الوصول إلى تسوية بشأن المسألة الفلسطينية، تصلح لإرساء وضعيّة سياسية مقبولة فلسطينياً، وإن بحدود شديدة التواضع. كان يمكن ـــــ ربما ــــــ القيادة الفلسطينية أن تخرج على الناس قائلة: تمكّنّا من تحقيق تجميد الاستيطان في الضفة الغربية، وتجميد تهويد القدس، وهذه وتلك من الإجراءات لمصلحة الحياة اليومية للناس. وبعد ذلك أن تعدّ إعلان دولة فلسطينية، وإن على الباندوستانات الناشئة، إنجازاً يُعتدّ به، لأنه يقع في سياق المنطق الذي حكم أوسلو منذ البداية: تظهير وجود كيان سياسي فلسطيني، تعترف به إسرائيل والولايات المتحدة (... والعالم بالطبع)، ويصبح بالتالي حقيقة تاريخية غير قابلة للنقض. كان يمكن ـــــ ربما ـــــ مثل هذا الموقف أن يقدَّم بوصفه استراتيجيا وطنية، تدافع عن نفسها باعتبارها تندرج ضمن توازن القوى كما هو قائم اليوم، بعد استحضار كل الضربات التي نالها النضال الوطني الفلسطيني “من الأشقّاء قبل الأعداء”، في السر وفي العلن، بل والتذكير بانهيار الاتحاد السوفياتي نفسه، إلى آخر سجلّ التراجيديا الفلسطينية، وهي فعلية. كان يمكن الاعتداد بشرعية المنجز، حيث جرى تحويل لاجئين مشرّدين في بقاع الأرض الأربع، مقموعين ببوليسية قاسية، وفقراء بائسين، إلى كيان سياسي، نصف ثورة ونصف دولة نابتة بلا أرض، للقول إن الارتكاز إلى الأرض الفلسطينية لا يمكن رؤيته سوى كتقدم في سيرورة لم تنتهِ.
وهكذا تحديداً، كان يمكن التبرير بأن الأمر برمّته ليس إلا مرحلياً، بدلالة استناده إلى تعليق ديناميات منطلقة، وهو معنى التجميد الذي كان مأمولاً أن يأخذ به الجانب الإسرائيلي مقابل تجميد فلسطيني لسائر الحقوق، ومنها وضعية القدس، ومسألة حق العودة للاجئين...
لو جرت الأمور هكذا لبدت متماسكة، يحكمها سياق سياسي متصل، رغم أنه قد لا يلائم الكثيرين ولا يروقهم، ويثير بالضرورة قدراً كبيراً من النقد والمعارضة، وربما الخطط المضادة. ولكن ما يجري واقعياً، منذ اللحظة الأولى، منذ توقيع أوسلو، ثم بتسارع متعاظم إلى أن وصلنا إلى حكومة نتنياهو وليبرمان، ما يجري اليوم شيء آخر لا علاقة له بهذه الخطة التي تصبح والحال تلك افتراضية. اليوم، أقصى ما يمكن السلطة أن تسعى إليه هو البرهان على أنها قادرة على ملء مهمة الوسيط بين القوة المحتلة وبين السكان الفلسطينيين. وهي بذلك تخرج عن السياق المذكور لتصبح، بالمعنى الموضوعي للكلمة، وكيلاً محلياً لإسرائيل. وقد لا ترتضي رموز في السلطة لنفسها هذين الموقع والدور، فيجري الإعداد لاستبدال من لا يرضى بمن يرى الواقع كهندسة تكنوقراطية لا كمعطيات سياسية واجتماعية ذات ثقل، و ـــــ لمَ لا ـــــ عاطفية، مجبولة بقيم الحق وبعبق من لم يكفّوا عن التضحية أثناء كل ذلك المسار.
خلاصة القول إن مرحلة تاريخية، بعجرها وبجرها، وصلت إلى نهاياتها، بينما ما زالت تبدو ملامح ما سيليها غامضة إلى حدّ يسبّب العجز عن رؤيتها حاضرة في الأفق. إلّا أن قوانين سادت في المرحلة السابقة تنتهي مع أفولها، منها مثلاً اعتبار تطوّرات الوضع في فلسطين قابلة للبقاء محصورة داخل فلسطين. بدا ذلك جلياً يوم أسقط الغزّاويون الجدار الذي يفصلهم عن مصر، ما أثار قلقاً عظيماً في بلاد النيل، وإدارة متخبّطة لما سمّي “أزمة” وقتها. ويبدو ذلك جلياً في شعور الأردن بأنه مستهدف، ككيان، بخطر الوطن البديل. كما يفصح عنه الحجم الذي يتخذه موضوع اللاجئين الفلسطينيين، أوضاعهم وحقوقهم، في لبنان. وهي أمثلة ثلاثة تحوز تنوّعاً يخرجها عن إطار محدود، مهما يكن، ويعيد الاعتبار إلى الأثر الإقليمي الحاسم للمسألة الفلسطينية في طورها الراهن، أو المستعاد، وبكلام أدقّ، إلى اشتباكها مع أوضاع محيطها اشتباكاً غير قابل للتمويه أو للإخفاء. كما يطرح الموقف الراهن مسألة مضمون التضامن الأممي مع نضال الشعب الفلسطيني، حيث لم يعد المطروح دعم صيغة سياسية على وشك التحقّق، لتتحقق بأفضل ما يمكن الفلسطينيّين.
ويدرج ذلك أدوات نضال كحملة المقاطعة العالمية لإسرائيل (وهي من طبيعة طويلة النفس، ولكن ذلك لا يعني أي ميوعة، على عكس ما هو مألوف من الاستدراك)، أو مشروع “المسيرة من أجل حرية غزّة”، في ذلك الغد الذي يسعى إلى التبلور. وتلك المسيرة نداء عالمي يدعو إلى المرور إلى غزة عن طريق رفح المصرية، وكذلك عن طريق السير من القدس المهدّدة وحتى غزّة عبر ممر إيريز. والموعد هو رأس السنة القادم. وهذا النداء، كحملة المقاطعة، يمثل خروجاً على الأطر التي حكمت حتى الآن التضامن مع فلسطين، الذي كان في عمقه يؤدّي دوراً مسانداً لخطة سياسية فلسطينية قائمة، وكان (مهما قال عن نفسه، وإن كان بعضه مشاغباً وبعضه أكثر دبلوماسيةً) جزءاً من “العملية السلمية” الجارية. ففي هذه المبادرات الجديدة، تحضر واقعياً كل تعقيدات المسألة الفلسطينية، الإقليمية منها والعالمية، ويثار ـــــ موضوعياً ـــــ جوهر الموضوع برمّته: طبيعة إسرائيل ككيان استعماري وكنظام أبرتهايد، و... شروط مجابهته والقضاء عليه، وهي ليست فحسب فلسطينية صرفة!