عصام العريان*

تميّز محمد السيد سعيد بين أقرانه من المفكرين والباحثين والخبراء فى العلوم السياسية والاجتماعية بعدة ميزات رفعته فوق الجميع. كان متواضعاً زاهداً بسيطاً بشوشاً مستمعاً باهتمام إلى من يتحدث إليه، ذكياً متألقاً، فوق أنه كان يأتي دائماً بالجديد وكأن الأفكار طوع يمينه. وكان متنوّعاً في اهتماماته لا يحصر نفسه في مجال واحد من مجالات العلوم السياسية والاجتماعية.
وكان فوق ذلك أيضاً ملتزماً بما يقول، ويعمل بما يقتنع به ولو كان فى ذلك تضحيات جسام، ويكفي في ذلك موقفان: الأول، تعرّضه للتعذيب والسجن بسبب مناصرته لعمال السكك الحديدية في إضرابهم الشهير نهاية الثمانينات. والثاني، موقفه أمام رئيس الجمهورية فى حوار نادر بين مثقف ومفكر حقيقي يعبّر عن آمال المصريين في الإصلاح، ورئيس دولة يحاول الجميع تبرئته من تبعة تدهور الأمور في البلاد، ويلقي هو بالتبعة على غيره من المسؤولين. وكان الراحل الفريد متألقاً متدفقاً في الكلام مستعداً للموقف بمذكّرة وافية، وقوبل باستهزاء شديد لم يمنعه من بيان رؤيته، ولم يصرفه عن استكمال حديثه، ثم لم يوقفه عن الاستمرار فى نشاطه بعد اللقاء من أجل إصلاح هذا الوطن المنكوب بنخبته الحاكمة ونخبته المثقفة التي تمالئ الحكام ولا تقول لهم كلمة الحق الصريحة ولو كانت مرّة.
وهذا الموقف الأخير لم يقفه في مصر الحديثة إلّا عدد يُعدّ على أصابع اليد الواحدة، أذكر منهم الشيخ الغزالي رحمه الله مع الرئيس عبد الناصر في مؤتمر الاتحاد القومي، والشيخ عاشور (مع كل التحفّظات) مع الرئيس السادات في مجلس الشعب، والأخوين الكريمين حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح في لقاء اتحاد الطلاب مع السادات في السبعينيات، والكاتب الكبير محمد سيد أحمد اليساري المعروف أمام مبارك أوائل التسعينيات، ومحمد سيد سعيد في منتصف الألفية الثانية منذ حوالى 3 سنوات.
كان الجميع يتوقع رحيله بعد المرض المؤلم الذي أصابه منذ أكثر من سنة، وتلقّاه برضى، ولم تفارق البسمة شفتيه. ولكن الجميع كان يتمنّى حدوث معجزة إلهية تبقي محمد بينهم، لأن الكل يستمد منه قوته وثباته، ويرى فيه نموذجاً فريداً ومقياساً للنبل والكبرياء في وقت خضع فيه المثقفون لغواية السلطان والمال.
عندما بلغني نبأ الوفاة، توقفت من أجل الدعاء له. وهنا توسّلت إلى الله ببعض ما أعرفه عن محمد السيد سعيد. تذكّرت وقوفه بجوار الضعفاء ودفاعه عن أصحاب الحقوق الضائعة ونصرته للفقراء، وقوله الحق ولو كان مرّاً، وجهره بالصدق في وجه سلطان جائر لم يخشَ بطشه، ونصحه المستمر من أجل هذا الوطن، وإيمانه القوي برحمة الله، وصبره على المرض، ومطالبته بإطلاق سراح المعتقلين، ووقوفه ضد المحاكمات العسكرية للمدنيّين ونصائحه التي لم يدّخر وسعاً فى إسدائها إلى كل القوى السياسية، وخاصةً إلى الإخوان المسلمين، وترحيبه الدائم بالحوار مع المختلفين معه، ودعوته إلى السلم الأهلي والمصالحة بين جميع المصريين.
ومع استحضاري نية الدعاء، تذكرت كيف رحم الله رجلاً سقى كلباً في الصحراء أصابه العطش، وكيف ذكر الله قصة مؤمن آل فرعون في القرآن لرجل من حاشية الحاكم دافع عن النبي موسى، وكيف دخل الجنّة كثيرون بأعمال نظنّها عادية ولا تدخل ضمن العبادات


عام 1995، فوجئنا بمحمّد السيّد سعيد يطالب بالإفراج عنّا فيما امتنع الكثيرون عن ذكر أسمائنا
المعروفة، ولا الذي ألفه المتديّنون من أعمال الخير والطاعات، ولكن اكتنفتها نية خالصة وصدرت عن نفس مشرقة مؤمنة وجاءت بها السنّة النبوية لتذكّرنا بأن رحمة الله واسعة، وبأنه لا يستطيع بشر أن يحيط بسعتها، ولا أن يحجرها عن أحد.
ستفتقد الساحة المصرية والعربية مفكّراً فريداً، كما افتقدت من قبل محمد سيد أحمد وعبد الوهاب المسيري، ومن قبلهما جمال حمدان. وسيخسر المدافعون عن حقوق الإنسان مناضلاً قوياً زاهداً في ظل وجود كثرة من المتاجرين بحقوق الإنسان. وستخسر الصحافة معلّقاً ومراقباً ومدققاً عزّ وجود مثيله الآن.
لذلك حضرت كل التيارات الفكرية والسياسية جنازة الراحل والفقيد فى بلده بورسعيد، وشارك النائبان الأخوان أكرم الشاعر وأحمد الخولاني، وسافر الأخ الدكتور سعد عمار من دمياط لوداع الفقيد. كما رأيت في عزاء الأهرام ممثلين لكل القوى والتيارات، وجلست بجوار المرشد العام الأستاذ محمد مهدي عاكف نستمع إلى آيات الذكر الحكيم، أو نتذكر مناقب الفقيد وسط حشد من المثقفين والسياسيين والخبراء الذين أتمنى أن يتذكروا جميعاً يوم رحيلهم وماذا سيقول الناس عنهم، وماذا سيقدّمون بين يدي الله يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
أشهد يا محمد السيد سعيد، على قدر معرفتي بك، أن قلبك كان سليماً من الغش والخداع والنفاق للسلطان. ولا أنسى، ونحن في غياهب السجن بعد المحكمة العسكرية عام 1995، كيف كنا ننتظر كلمة منصفة في حقنا، وفوجئنا بعمود لمحمد سيد سعيد في الأهرام يطالب بالإفراج عنا فيما امتنع الكثيرون عن مجرد ذكر أسمائنا أو التطرق إلى قضيتنا والمطالبة بأبسط الحقوق لنا، وهو الحق في الحرية.
* قيادي في جماعة الإخوان المسلمين في مصر