غزة ــ فادي نبيل سكيك

قبل نحو عقد من الآن، كنت أنافس التلامذة العشرة الأوائل في فصلي، إلى أن وصلت إلى الثانوية العامة وبدأت علاماتي بالانحدار. فأنا لم أكن أدرس. كنت أوصد باب غرفتي وألعب مع الشيطان! أتلصّص أنا وإياه من شباك الغرفة على ابنة الجيران، «ميمونة»، التي كانت تهوى تسلّق أشجار الفيلا حيث كانت تقطن.
ضعت وضيّعتني ميمونة، وحصلت في النهاية على مجموع متدنّ لم يمكّنّي من الالتحاق سوى بدبلوم في جامعة الأزهر في غزّة. مكثت سنتين أدرس الإنكليزية وألعن ميمونة إلى أن أنهيت دراستي المتوسطة.
في العام الجاري وبعدما عدت إلى جامعة فلسطين لأكمل البكالوريوس، كان القرار بإغلاق كلية الآداب قد اتُّخذ، بناءً على تعليمات وزارة التربية والتعليم العالي، وذلك بحجة أنّ الكلية لا تنفّذ خططاً تتلاءم ولوائح الوزارة. جرى التنسيق مع جامعات من غزّة بترحلينا إليها. لم أكن بصراحة مهتمّاً مع من يجري التنسيق، سواء أكان كما يردَّد مع رام الله الشرعية أم مع رام الله الدايتونية أم مع غزة هاشم أم غزة الخامنئية! قبل بضعة أيام، قصدت مركز التعليم العالي للتصديق على شهادة الدبلوم. جنّ جنوني عندما قال لي موظف الختم بلطف «دبلومك مش معتمد وما بقدر أصدقه».


إلى أيّ وزارة ننتمي نحن المواطنين اللّافصائليّين؟
ــ كيف يعنى؟ يعني أنا أيش أسوّي.
ــ ما بعرف. دبلومك مش موجود وهادي التخصصات المعتمدة بالأزهر. متأسف أخي!
ــ طيب شوف حدا لأنو إلي صحاب بيكملوا حالياً في جامعة تانية وعدّلولهم إياها بعد تصديق الوزارة بس هما كملوا في 2006 أيام السلطة القديمة.
ــ طيب لحظة شوية.
نادى الرجل زميله وطلب منه أخذ أوراقي للمسؤول لمعرفة إذا ما أمكن التصديق أو لا.
جلست على كراسي الانتظار أتحدث مع وحدتي، على أنغام دقّات قلبي المتسارعة، إلى أن كاد يوقفها تماماً صوت شخص زفّ إليّ الخبر السعيد «آسف ما بنقدر نصدقلك شهادتك».
ــ طيب ليش؟
ــ روح على الأزهر أو شوف تعليم رام الله. تخصصك مش معتمد عنا!
هل غزة 2007 الربانية لا تعترف بغزة ما قبل ذلك؟ هل عليّ أن أتصل بتعليم رام الله طالباً منهم إرسال فاكس مصدّق؟ هل علي أن أكون مع تيار الحجة لتسهيل إجراءاتي في غزة أم مع تيار الليدي (كما سمّى أحدهم رام الله) لتسهيل إجراءاتي في رام الله، أم مع تيار اليسار ليكون لي وسيط يساعدني على إكمال دراستي في مصر التي ما زالت تعجز عن جمعنا؟
إلى أيّ وزارة ننتمي نحن المواطنين اللافصائليّين؟
القصة ليست لسنفور المواطن الطالب الغلبان فقط. الرخصة لغزة والتأمين لرام الله! فاقد الهوية في غزة وجواز السفر في رام الله! والسنفور حطّ 500 شيكل عشان يستخرج جواز سفر. الصحة لغزة والثقافة لرام الله وNGO S لليسار هنا وهناك. الاقتصاد لرام الله والبلدية لغزة والمواطن... في سلة المهملات.