كامل جابر
يخاف الياس الرحباني السفر، وترعبه فكرة ركوب الطائرات. لكنّه يعبر حدوداً كثيرة من داخل الاستديو الخاص به في منطقة النقاش (شرقي بيروت). لا ينام قبل الثانية فجراً بعد سهرته المعتادة مع زوجته نينا، لكنّه يمضي 12 ساعة في الاستديو ينتج الموسيقى التي يحبها. وهو الآن منهمك في وضع اللمسات الأخيرة على مسرحيّة «إيلا»: النص أنجزه منذ 20 عاماً، وسيعرضه قريباً، ويروي قصّة مدينة تتسلط عليها روح شريرة، تبتغي أخذ بنت من بناتها ضريبة سنويّة. ما إن تخوض في الحديث الأخ الأصغر في بيت الرحباني حتّى يبادرك بانزعاجه الشديد من «احتكار شركات الإنتاج العربي للفن». «كنا ننتظر تهديم الفكر العربي من الصهاينة فأتى من الإنتاج العربي»، يقول.
بعيداً عن هموم اليوم، يتذكر إلياس نفسه طفلاً لم يتجاوز الرابعة، يلهو أمام مطعم والده حنَّا الرحباني «الذي هدمته بلدية أنطلياس مع ثمانية دكاكين تراثية بغية استبدالها بأبنية حديثة». يذكر أنّ شقيقته سلوى «أصيبت بنوبة بكاء فيما كانت الطائرات تعبر أيام الحرب العالمية الثانية وتقصف «الكازخانا»، مكان تخزين البنزين. كنت أنظر إلى الناس يتجمهرون حولها، ووالدتي تجرب تهدئة شقيقتي». إلى بيتهم القريب الذي هدم أيضاً، كانت تتسرب موسيقى من مدرسة الراهبات المجاورة، كلَّ صباح. «كنت أعتقد أنّ تلك الأصوات تأتي من الطبيعة. ترجع إليّ تلك الموسيقى في كل يوم مع شروق الشمس». عرف لاحقاً أنّ تلميذات الراهبات كنّ يعزفن تلك الألحان على البيانو.
انتقلت عائلة حنّا الرحباني من ذلك البيت، إلى آخر فيه بيانو. صارت سلوى التي تكبره بعشر سنوات تعزف وتعلِّمه، حتى أحضر عاصي ومنصور لشقيقهما أستاذاً فرنسياً يعلمه العزف. «كنت أصغر من غنّى مع عاصي ومنصور. أرافقهما إلى الأندية الليلية في الزيتونة، ومقاه في مناطق جبلية. كنت أحسب زكي ناصيف وتوفيق الباشا من العائلة؛ كانوا يعدون العدّة لـ«عيد الليمون» في بيتنا مع عاصي ومنصور. كان أجمل عيد في تلك الأيام في لبنان ويزوره 50 ألف شخص»...
في التاسعة عشرة، وقّع الياس الرحباني عقداً مع «هيئة الإذاعة البريطانيّة ــــ بي بي سي»، ليؤلِّف 40 أغنيةً واسكتشاً. كان اسم العمل «صياد الحلوين» ويروي مغامرات شابين ومقالبهما الطريفة. وفي 1961، غنّى له وديع الصافي أوّل ألحانه «يا قمر الدار» قبل أن يدخل «الإذاعة اللبنانية» في العام التالي، ويصير مسؤولاً عن الشقّ الغربي فيها، ومخرجاً موسيقياً. عندما تسأل الشقيق الثالث للرحابنة لماذا بقي خارج ثنائي «الأخوين رحباني»، يعزو الأمر إلى فارق عمر تجاوز 15 عاماً. «كنت في المدرسة حين بدآ بالعمل. غرفت من النبع نفسه الذين غرفا منه، وعايشتهما وهما «يطنطنان». البيت كان صغيراً، وكنا ننام بعضنا إلى جانب الآخر».
وعن الأقاويل الكثيرة التي تحلِّل علاقة عاصي ومنصور، يقول: «ليس كلُّ من تحدث مرة إلى عاصي أو منصور يمكنه الادِّعاء أنه عاشرهما. عاصي ومنصور سر من الأسرار... ولادة الثنائي ومعهما فيروز لن يشهدها التاريخ ثانية. ومن يقول إنه لولاهما لم تكن فيروز أو أنهما لولاها لما كانا، فكلامه عيب... فيروز كانت رأس حربة موسيقى «الأخوين رحباني» التي أصابت. هما مفكران وهي كانت تسمع منهما. وإذا قيل لي: إن عدت إلى الحياة مجدداً فماذا تطلب؟ أقول أطلب فيروز مرّة أخرى».
أمّا ابن أخيه زياد «فتربى معي... عندما تجاوز الـ13 من عمره كان يرافقني طوال الوقت، وأنا كنت سعيداً به، لأنني كنت أتمنى أن يكون عندي شقيق قريب من عمري. كنا نذهب معاً إلى الاستديوات وأخبره قصصاً مضحكة. ثم انتقل في الحرب للعيش في الحمرا فتباعدنا بسبب الظروف. لكنَّنا عدنا مجدداً. سهرنا أمس سويةً. كان يعزف. حين يعزف تشعر معه بالرقي». في 1972، قدّم مسرحية «أيام صيف» مع وديع الصافي ونصري شمس الدين وهدى وجورجيت صايغ ومروان محفوظ وملحم بركات. «يومها أعطيت ملحم بركات أغنية «10، 11، 12 دقت الساعة بالليل وأنا وحدي». ضربت العالم العربي وأصبحت في سوريا كأنّها من الفولكلور». لحّن لوديع الصافي أغنية «طاير طاير»، ولنصري شمس الدين «لما شفتا عشقتا لحقتا»، ولجورجيت صايغ «نطرني عالشباك»... في السبعينيات، اشتهر بالموسيقى التصويرية. ألف موسيقى فيلم «حبيبتي» لهنري بركات من بطولة فاتن حمامة، ولاقت موسيقى الشريط شهرة واسعة. ألّف كذلك موسيقى فيلم «دمي دموعي وابتسامتي» عن رواية لإحسان عبد القدوس وإخراج حسين كمال مع نجلاء فتحي ونور الشريف وحسين فهمي، إضافةً إلى موسيقى مسلسل «ألو حياتي» الشهيرة.
حين أطلق سنة 2003 برنامج «سوبر ستار»، بعد شراء النسخة العربية من شركة «فري مينتل ميديا» البريطانية، كان هاجسه أبعد من الهاجس الفني الترفيهي البحت. «اخترت هذا البرنامج لأنني كنت أريد ردم هوّة في المجتمع اللبناني. كان المسيحيون لا يشاهدون تلفزيون «المستقبل»، والمسلمون لا يشاهدون LBC. اتصلت بالرئيس الراحل رفيق الحريري، تعرفت إليه وأخبرته برغبتي. بعد النجاح الكبير للبرنامج، كانت فرحة الحريري مثل فرحة ولد أحضرت له لعبة لأول مرة. هناك من يتساءل الآن لماذا هبط مستوى البرنامج؟ طبعاً لأنّ هناك شيئاً غير طبيعي. سنَة البرنامج الأولى كانت الأفضل». «يزعل» الياس على الأيام الخوالي. «مات عاصي ومنصور وزكي ناصيف وتوفيق الباشا وفيلمون وهبي قهراً، وأنا سأموت قهراً وغيرنا كذلك... ولن تضع الدولة حداً لهذا القهر. فإمّا أنها شريكة لأن هناك 40 مليون قرص مدمج تُزوّر، أو أن مَن فيها، ساديون يريدون قتل المؤلفين والملحنين. وأنا قلت لن أحترم أياً كان في الدولة إن لم يحترموا عقولنا»...



5 تواريخ

1938
الولادة في أنطلياس شرقي بيروت

1957
لحّن اسكتشات غنائية لـ«بي بي سي» بعنوان «صياد الحلوين»

1972
قدم مسرحية «أيام صيف» مع وديع الصافي ونصري شمس الدين. وبعد عامين ألف موسيقى فيلم «حبيبتي» لهنري بركات بطولة فاتن حمامة

2001
نال الدكتوراه الفخرية من «جامعة بارينغتون» الأميركيّة في إسبانيا

2009
يعرض الشهر المقبل مسرحية «إيلا» على مسرح «قصر المؤتمرات» (ضبية)، وهي من إخراج ابنه غسان الرحباني وبطولة عبير نعمة وجهاد الأندري وجيلبير جلخ وأليكو داوود ونهلا عقل داوود.