حسام كنفاني



لإرسال رسالة الى المحرر، انقر هنا

من يسمع تصريحات القيادي في «فتح» محمد دحلان عن المصالحة، يظن أنه أمام حركة طوباوية متعففة عن السلطة والحكم، أو جمعية خيرية غير ربحية لا تبتغي إلا النفع العام، وخصوصاً حين يقول إن الحركة قامت بخطوة عكس رغبة جماهيرها «للمصلحة الوطنية». كلام يثير الرغبة في الضحك مطوّلاً لأكثر من سبب؛ أولاً لأنه صادر عن شخص محمد دحلان وما له من تاريخ في ترسيخ الانقسام، وثانياً لأن المصلحة الوطنية التي يتغنى بها أبو فادي لن تكون في مصلحة حركة التحرير الوطني الفلسطيني التي يمثلها، حتى وإن سعى إلى الإيهام بعكس ذلك.
دحلان، العائد إلى الساحة القيادية في حركة «فتح» بعد مؤتمرها السادس، أخذ على عاتقه قيادة أوركسترا الهجوم على «حماس» بعد تفويتها موعد التوقيع على الورقة المصرية الذي حددته القاهرة. أوركسترا كانت حاضرة، ولم تنتظر طويلاً مرور التوقيت، حتى خرجت للعلن بمعزوفة الشتائم المكررة، التي زخر بها القاموس الفلسطيني في السنتين الماضيتين.
الاتهامات كانت جاهزة، ولا سيما أن حركة «فتح» كانت على ما يبدو تدرك ردّ «حماس» على الورقة المصرية. إدراك عبّر عنه دحلان نفسه، قصداً أو زلة لسان، حين «تحدّى حماس أن تعلن موافقتها على الورقة». تحدٍّ يثير الاستغراب، وخصوصاً أنه يبدو نابعاً من قناعة لا لبس فيها بأن الحركة الإسلامية لن توقّع على ميثاق المصالحة. لكن السؤال هو: على ماذا ارتكزت مثل هذه القناعة؟
الإجابة تحتمل احتمالين؛ الأول ما قاله دحلان، الذي يتولّى منصب المفوّض الإعلامي لحركة «فتح»، حين اتهم «حماس» بتنفيذ أجندات خارجية، سورية وإيرانية وقطرية، في رفضها توقيع الاتفاق. الكلام تسوقه «فتح» وقياداتها عن قناعة استخبارية، ربما مصدرها القاهرة التي سرّبت أنباءً عن لقاءات سريّة لخالد مشعل في الدوحة وطهران قبل العودة إلى مقرّه في دمشق.
احتمال قد يكون وارداً، لكن هناك فرضيّة ثانية لا تقل أهمية، وربما هي وراء قناعة دحلان، الذي يمكن اعتباره «مايسترو» الانقسام الفلسطيني، وبالتالي أكثر المستائين من إضفاء شرعيّة عربية ودولية على حركة «حماس».
الاحتمال الثاني يقبع في الورقة المصرية نفسها التي قدمت للفصائل لتوقيعها. وهو ما تروّج له «حماس»، وخصوصاً لتضمنها بنوداً لم تكن واردة في الورقة السابقة أو غير متفق عليها سابقاً. لا شك بأن في الورقة «فخاً» للحركة الإسلامية، وقعت فيه بسهولة. وما قدّم في المرة الأولى في خمس صفحات للنقاش، عاد ليطرح في خمس وعشرين ورقة للتوقيع. أطروحة مليئة بالتفاصيل، حيث يكمن الشيطان في العادة. تفاصيل تحاول الموازنة بين مطالب «فتح» و«حماس»، مع ترجيح كفّة محمود عبّاس باعتباره «الرئيس الشرعي» للسلطة الفلسطينية ومنظّمة التحرير.
من هنا تأتي «قناعة» دحلان، الذي أصبح فجأة حريصاً على الوحدة الوطنية الفلسطينية وتوحيد الصف «لتفويت الفرص» على نتنياهو وخدمة «العملية السلمية». إنه دحلان نفسه، الذي صالت قواته الأمنية وجالت وأبدعت في التنكيل بـ«الوحدة الوطنية» في قطاع غزة حين كان مديراً للأمن الوقائي ثم مستشاراً للأمن القومي (المسمّى المضحك لسلطة تحت الاحتلال).
نفاق فلسطيني منقطع النظير في التغني بالمصالحة. والأمر ليس حكراً على دحلان. مسؤولو «حماس» أيضاً يبدعون في التبريرات والتفسيرات غير المنطقية لرفضهم الورقة المصرية. لم يجرؤ أي من هؤلاء المسؤولين على الاعتراض في العلن على ما قدمته الورقة من صلاحيات لعبّاس ومنظمته. لم يخرج أي من مسؤولي «حماس» ليعلن صراحة أن «قطاع غزّة خط أحمر» ولا عودة للسلطة الفلسطينية إليه، رغم أن هذا ما تسرّب من كلام لمشعل في إحدى جلساته مع المصريين. لم يصدر عن الحركة الإسلامية جهاراً أي موقف يؤكّد أنها تريد أن تكون صاحبة الحق الحصري والوحيد في إعادة إعمار القطاع، وبالتالي الإشراف على صرف أمواله.
مواقف كلها مستترة في الرفض «الحمساوي» للورقة المصرية، أما في العلن، فلم تجد الحركة الإسلامية، وفرقتها الفصائلية في دمشق، غير عنصر «المقاومة» مبرراً للاعتكاف عن التوقيع. عنصر يداعب مشاعر الكثير من الفلسطينيين والعرب، حاولت «حماس» اللعب عليه، رغم أنه لم يكن يوماً مطروحاً على طاولة البحث في اجتماعات الحوار الكثيرة التي عُقدت في القاهرة. ولم يكن موضوعاً على جدول أعمال التفاوض الفلسطيني ولا مدرجاً في أي من بنود أوراق المصالحة، التي اقتصرت على خمسة بنود، أضيف إليها في وقت لاحق بند سادس (الانتخابات، الحكومة، منظمة التحرير، الأجهزة الأمنية، المصالحة الداخلية، والمعتقلون السياسيون).
فجأة أخرجت «حماس» بند المقاومة من جعبتها، وخرج دحلان حامياً لـ«الوحدة الوطنية». مشهدان يختصران النفاق الفلسطيني. ويؤكدان، لمن لا تزال لديه أوهام، أن المصالحة هي آخر ما سيتحقّق فلسطينيّاً، ربما «الدولة» قبل ذلك.