خريستو المرّ*

أثار أسعد أبو خليل مراراً على صفحات جريدة «الأخبار» موضوع انقلاب بعض الشيوعيّين من الماركسيّة إلى نقيضها، متسائلاً عن أسباب هذا الانقلاب. وتمثّل هذه المقالة القصيرة إشارة إلى جوانب قد تضيء على أسباب هذا التحوّل، وتحوّلات مشابهة (1). ليس أمام الإنسان مليون طريقة لكي يحيا إنسانيّته وينمو بها، فهناك جوانب إنسانيّة لا غنى لنا عنها وإلاّ تدهور وضعنا النفسيّ، وضَمُرَت طاقاتنا الإنسانيّة.

إنّ للإنسان دافعاً أساساً إلى تحقيق توقَيْن إنسانيَّين محوريَّيْن: (1) السعي إلى علاقة وحدة مع الآخرين لأنّ الإنسان لا يحتمل العزلة، (2) والسعي إلى تحقيق ذاته وفرادته لأنّه يريد أن يكون موجوداً شخصيّاً، وليس ضامر الشخصيّة.
ولكنّ الوحدة مع آخرين ليست هي مجرّد الوجود معهم، فيمكن الناس أن يكونوا معاً جغرافيّاً وأن يعيشوا في الوقت نفسه في عزلة، بعضهم عن بعض، وبالتالي في سأم، وهذا حال الكثير من الأزواج. أمّا العزلة التامّة عن الآخرين فتحطّم الإنسان معنويّاً، وهذا أمر بديهيّ.
الوحدة الحقّ هي فعل تواصل عميق مع الآخرين. ولكن لكي تكون هذه الوحدة حقيقيّة يجب أن تكون الأنا أنا، والآخرون آخرين، فعلاً لا شكلاً، وإلاّ كانت العلاقة ذوبانيّة بين طرفين أحدهما مُلغى والآخر لاغٍ. ومن هنا يصير من الضروريّ أن نحافظ على الفرادة من أجل تحقيق الوحدة الصحيحة. والعكس بالعكس، فإن أردنا تحقيق الفرادة فذلك لا يحصل بالانعزال والانغلاق اللذين يدمّران الأنا، بل من خلال علاقات تواصل حقيقيّة مع الآخرين تنمو فيها الأنا، أي من خلال الوحدة بالآخرين. ولكن تحقيق الوحدة والفرادة بآن، أي بكلمة أُخرى تحقيق المحبّة، يحتاج إلى بيئة حرّية. وبالفعل إن لم يكن الإنسان حراً أمام الآخرين خوفاً منهم أو خوفاً من الحياة (طمعاً بطمأنينة زائفة)، يمكن الإنسان عندها أن يتهاون بفرادته، ويتوهّم بذلك أنّه في وحدة مع الآخرين وذلك بطريقتين: بأن يتحكّم بالآخرين ويتسلّط عليهم، أو أن يخضع للآخرين. وكلتا العلاقتين عبوديّتان؛ فالخضوع عبوديّة واضحة، والتسلّط عبوديّة لأنّ المتسلّط يرتبط عبوديّاً بالذين يتحكّم بهم، إذ لا يمكنه أن يمارس تسلّطه بدونهم. وفي الحالتَيْن، خاضعاً كان الإنسان أم متسلّطاً،


الانتقال من الإيمان بحتميّة تاريخيّة اقتصاديّة إلى الإيمان بحتميّة ليبراليّة اقتصاديّة، أمر مُغرٍ لأنّه لا يمثّل تغييراً في الذهنيّة

يعيش في هزالة لفرادته وفي عزلة حقيقيّة عن الآخرين، وبالتالي يضيّع الهدفين الإنسانيَّين بامتياز: الوحدة والتمايز، وذلك بواسطة التضحية بهدف إنسانيّ ثالث ألا وهو حرّيته. إنّ شرط تحقيق الوحدة في التمايز هو في الحرّية، ولهذا فإنّ كلّ عبوديّة، خضوعاً كانت أم تسلّطاً، هي في النهاية محاولة هروب من الحرّية. ماذا يعني ذلك بالنسبة للّذين انقلبوا على مبادئ الأمس، من شيوعيّين سابقين، (الأمر نفسه ينطبق على مؤمنين سابقين)؟ بالطبع يمكن أن ينتقلوا من موقف إلى آخر، عوض البقاء في إطار لم يعد يقنعهم، وهذا أفضل من غشّ الذات والآخرين، وقد يكون هذا الانتقال أصيلاً فيبقون على انفتاح فكريّ، وعلى تحسّس بقضايا الإنسان. ولكن إن كانت علاقة هؤلاء بالعقيدة الماركسيّة وبالجماعة التي كانوا ينتمون إليها، علاقة عبوديّة، أي إن كانت تلبّي عندهم حاجة إلى الهروب من الحرّية عبر توهّم الأمان بواسطة الاندماج بعقيدةِ قوّةٍ كبرى، وعبر الخضوع لعقيدة يعتقدونها تفسّر كلّ شيء، وعبر الخضوع لقرارات لجنة مركزيّة مؤتمنة على الحقيقة، وعبر الخضوع لصنم التاريخ الحتميّ، وعبر الغرق في علاقات ذوبانيّة جماعيّة مع مجموعة تقيهم قلق العزلة بواسطة وهم وحدةٍ معهم، أو عبر ممارسة سلطويّة موهمةً إيّاهم بأنّهم في وحدة مع آخرين خاضعين لهم، مُتَقين هكذا قلق العزلة والاختلاف والحرّية؛ عندها فإنّ انهيار القوّة الكبرى التي تجسّد عقيدتهم (الاتّحاد السوفياتيّ، مثلاً)، يرميهم في قلق وجوديّ شديد، إذ يتزعزع إيمانهم بصحّة عقيدتهم، وتنهار الأصنام التي كانوا يخضعون لها خلف كلّ مواقفهم العبوديّة التي عدّدناها، ويحتاجون بشدة أن يجدوا أصناماً أخرى ليقدّموا لها فروض الطاعة والولاء، وليمارسوا الهروب نفسه من الحرّية الذي مارسوه قبلاً، لأنّهم لم يتمكّنوا من عيش حرّيتهم فعلاً؛ فقلق هؤلاء وحاجتهم إلى أصنامٍ يَخضعون لها، تريحهم من عبء حرّيتهم، تبقى موجودةً.
هكذا فالانتقال من الإيمان بحتميّة تاريخيّة اقتصاديّة إلى الإيمان بحتميّة ليبراليّة اقتصاديّة، يصير أمراً مُغرياً لأنّه لا يمثّل تغييراً حقيقيّاً في الذهنيّة، إذ لا يعدو كونَه انتقالاً من الخضوع لصنم (حتميّة اقتصاديّة ماركسيّة) إلى الخضوع لصنم آخر (حتميّة اقتصاد «السوق»). وإذا كانت علاقة الإنسان بموضوع عقيدته تمرّ من خلال علاقة ذوبانيّة بصنم الجماعة، يعيشها بلا فرادة ولا وحدة، اندفع إلى عبادة صنم جماعة أخرى لكي يندمج به بالطريقة نفسها، فيتّقي القلقَ الحادَّ، ويبلغ «يقيناً» جديداً كالقديم لا يحتمل الحرّية، أو الشكّ، أو لاحتميّات الحياة. في هذه الحالة، نرى أنّ هذا الانتقال من الموقف السابق إلى الموقف اللاحق المعاكس لا يعدو كونه تغييراً ظاهرياً، أمّا الموقف الكيانيّ الداخليّ فيبقى واحداً: الهروب من الحرّية بواسطة الخضوع لصنم عقيدة، والذوبان في جماعتها، وذلك في وهم وحدة ووهم تمايز، في مسعى مستمرّ للهروب من تحقيق الحرية.
(1) يمكن الرجوع للمقالة التالية لنقاش موسّع لهذا الموضوع، مرفق بالمراجع الضروريّة:
خريستو المرّ، «الانقلاب على المبادئ: هل من تقييم أخلاقيّ؟»، مجلّة الآداب، عدد 9ــــ10، 2009، ص. 30ــــ35
* كاتب لبناني