أنسي الحاج

الماغوط بين الدمعة والقهقهة
قال محمد الماغوط عن نفسه في هزله ما خجل ويخجل كل منّا بقوله سواء في هزله أو جدّه. وقال في محيطه وفي الأشياء ما لا نعرف أن نقول بمثل ابتكاره وصدقه. من شعره إلى هزئه تأرجَحَ بين الدمعة والقهقهة، تارةً تأخذ الرغبة واللوعة مداهما بألوان الشروق والغروب وجوع الحياة إلى نفسها، وطوراً يخلع الخوف عن نفسه كمّامته فتمتلئ السطور بصُورِ الثأر والقتل، ثأراً من القمع وقتلاً للكوابيس بتحويلها أقزاماً مضحكة.
«محمد الماغوط وصوبيا الحزب القومي» كتاب جديد جمع نصوصه الأستاذ جان دايه من مقالات وقصائد للماغوط نُشرت في الصحف ابتداءً من منتصف خمسينات القرن الماضي، بالإضافة إلى رواية «غرام في سنّ الفيل». يعود بنا الباحث إلى البواكير الجبرانيّة والعقائديّة للماغوط، ملقياً الضوء على كثير من الغوامض والمجاهل في مسيرته، مبرهناً، إن كان من حاجة إلى برهان، على الحاجة الأكيدة إلى درس حياة الأدباء العرب على ضوء آثارهم وآثارهم على ضوء أدبهم وتتبُّع خطاهم وتطوراتهم تتبّعاً يساعد في فهمهم وتقييمهم دون الاكتفاء بالأحكام السريعة النهائية.
ما إن نضجت كتابة الماغوط حتى أصبحت تعويذة للانعتاق، شعراً وهزلاً، تُحيّي قارئها تحيّة البلسم أو العاصفة. كتابةٌ شقراء بعينين زرقاوين في محيطٍ من العسر وغابةٍ من البوم. يقال إن السخرية هي أسلوب اليأس في إظهار تهذيبه. تعريفٌ ينطبق إلى حدّ بعيد على الماغوط، ولو مازج اليأسَ لديه (وهو هنا يأسٌ راسب في القاع لا يتحرّش بك كيفما تحرّكتَ) ذلك الروح المعنوي الذي يبثّه الإيمان العقائدي في صاحبه. وقد نجدنا أقرب إلى الصواب مع الماغوط إذا تبنّينا تعريفاً آخر للسخرية مفاده أنها الشكل الأوحد المسموح به للجريمة العاطفيّة. وأحياناً، لشدّة ما ينكّل الماغوط بأهدافه، تخرج من قراءته مُفْرَغاً كأنك صرت في حاجة بعد هذا التحرير إلى جرعةٍ من القمع.
تعرف العامة نموذجاً من فكاهة الماغوط عبر ما كتبه للممثّل دريد لحّام، وقَلَّ مَن عرف سخريته الصحافيّة، ولعلّها الأمضى. يصعب الربط بين هزء الماغوط وسخريات غيره، فلا هو من سلالة إسكندر الرياشي ولا من فخذ الشدياق، وقد تجمعه قربى سياسيّة بسعيد تقي الدين، غير أنها لا تبلغ مناطق أقرب. تبسيطاً، المزاج الانفعالي يُنتج سخرية ساخطة والمزاج البارد سخرية لاذعة، غير أن النبع الأكثر غزارة للسخرية هو الشعور كلّما تَرهَّفَ ازدادت السخرية حدّةً. فكيف بها إذا اجتمع لها الشعور المرهف والخيال المتدفّق. إحساس الماغوط، وهو الشاعر الخلاّق كيفما رمى، إحساس يَبري الهواء من فرط غريزته. إحساسٌ يعادي خصمين بالتحديد: السماجة والسلطة. والسماجة قد تتلبَّسُ الغباء أحياناً لا الغلظة وحدها، أمّا السلطة فبديهي أن وجودها لا يقتصر على الدول والحكومات.
رغم كتاباته للمسرح ليس هزء الماغوط في المقال والقصّة من النوع الذي «ينتظر» ضحكة الجمهور، فهو أبعد ما يكون عن النكتة أو الظرف. إنه صادر عن انفلاق. هَزْلُ طفلٍ مقهور ينتقم بتنفيس بالون النفاق وتعليق الشارات المضحكة على ظهور الجبابرة وتمريغ الشعارات المتورّمة بتراب التسخيف. ليس الماغوط من النوع الذي يَضْحك وهو يُضحِك، إنه الشاعر حين يسخر. سخريته هي الوجه الآخر لحزنه، لقمره، والقمر هذا، العارم بالعواصف، ليس انعكاساً لشمس، بل هو الشمس المتسلّلة من وراء الجبال، كفارسٍ ينقضّ على الأشرار في لحظةِ الأملِ الأخيرة.
كتب مرّة: «إنّي أكره الأغنياء». وأضاف إليها فوراً: «والفقراء أيضاً». صراخُ وجعٍ يتمرّد على أنينه ويرفض أيّة قولبة. الماغوط سيّدُ مَن بَقَر بطنَ شعاراتِ جيله الكاذبة والمتسلّطة. مَن يقرأ هذا الكتاب يعرف أيّة ألفاظٍ كانت تحكم «الجماهير»، وتستفزّ شاعراً حرّاً كالماغوط للفتك بها.
سخرية الماغوط أكبر ضحكة من قلب الضحيّة.


اختناقات بنّاءة
على مَن يكتب اختناقاته أن يرجو لها وهو يكتبها مساعدة مَن قد يقرأها، في الانعتاق، كما ساعدت كاتبها. أن يتجنّب تحوّل تحرّره هو إلى تكبيل للآخرين.
ليس فقط أن تسيطر على القوى التي تُفلّتها، بل أن يكون في أساس هذه القوى عناصر من القوّة لمَن يتلقّاها. الهدم في هذه الحالة بناء.


حوار سيوران وميشو
روى أحدهم عن حوارٍ قيل إنه جرى بين سيوران وهنري ميشو. قال الأول:
ـــ الإنسانُ سيزول.
فأجابه الثاني:
ـــ على كلّ حال، كان شخصيّة مهمّة.


الانقطاع
أوّل خصائصِ العبقريّة الكرم، وبعض العباقرة قُدّر لهم أن يعطوا أكبر العطاء في أقصر وقت، فأودى بهم سخاؤهم الفائض إلى نهاياتٍ فاجعة: الانقطاع فجأة كرمبو، الموت كموزار، الموت كبودلير، الموت كعاصي الرحباني. ولعلّ الأشدّ قسوة بينها هو الانقطاع، لأن صاحبه لا يعرف كيف يحمل بعده جثّة الشاب الذي كانه.


خدعةُ القاعدة
«القاعدة هي أكبر خدعةٍ انطلت على العالم اليوم... القاعدة ما هي إلاّ غطاءٌ لحربٍ بالوكالة في منطقتنا، فلا يوجد في الشرق الأوسط سوى لاعب واحد وهو الدولة تليها القبيلة والطائفة. ما عدا ذلك من عصبيات ليس من طبيعة المنطقة ولا من تاريخها».
بهذا يستهلّ الأستاذ مأمون فندي مقالته في «الشرق الأوسط» يوم الاثنين الفائت، متوسّعاً في شرح وجهة نظره، قائلاً، ونشاركه الرأي، إن الإرهاب صنيعة دولٍ وأجهزةِ استخبارات لا صنيعة حركات ومراهقين، «ولو كانت القاعدة مجرد منظمة جهادية تحارب الدول المعادية لمصالح المسلمين لقامت بعملية ضد العدو المعلن لكلّ الحركات الجهاديّة، وهو إسرائيل».
ويضيف: «هناك تفسيرات مختلفة لعدم قيام القاعدة بمهاجمة إسرائيل. فإمّا لأن القاعدة تعرف أن لدى إسرائيل من الأجهزة ما يكشف العنوان الرئيسي للكفيل، أو أن هناك تفسيرات أخرى تتعلّق باستخدام إسرائيل لذلك الغطاء الوهمي المعروف بـ«القاعدة» في عالمٍ تسوده الحروب بالوكالة وتُقيَّدُ فيه القضايا ضد مجهول».
يثير هذا المقال موضوعاً في غايةِ الأهميّة. وقد مضى الكاتب في طريقه دون تردّد وليته مضى إلى النهاية، بل إلى البداية. لا شكّ أن القاعدة واجهة. وكثيرٌ غيرها واجهات. وبأسماء أشدّ بعثاً على الضحك. ولكن واجهة لمَن؟ فقط لإيران وقبلها ليبيا كما أشارت أصابع اتهام اليمن في حرب الحوثيين؟ أهذان هما البعبع العظيم والدهاء الاستراتيجي الأعظم؟
منذ سقوط الاتحاد السوفياتي سقط السلاح التخويفي الأمثل وباتت السياسة الأميركيّة في حاجة داهمة إلى بديل. واختراقُ مبنى التجارة العالمية في نيويورك يوم 11 أيلول 2001 هو تاريخ إعلان الحرب العالمية الثالثة. وأحياناً ـــــ وعذراً لما سيبدو من علامات البارانويا، وربما يكون كذلك، ولا ضير ـــــ قد يبدأ المحارِب الحرب بإعلانها على نفسه، أو بتسهيل إعلانها، تحت أسماء «أعداء».
وقد نسينا العزيزة إسرائيل، وهي المستفيدة الإقليمية الأولى من نفخ الشبح الإسلاموي وتوسيع رقعة انتشاره. ولا لزومَ لذكر الأسباب.
حين نتّهم السياسة الأميركيّة وإسرائيل لا نبرّئ أنظمة المنطقة، بل نختصر الرؤية والتعبير.


نسيانٌ بإرادةٍ خارجيّة
كلّما أقنعتُ نفسي بأنّي لا أذكر شيئاً من طفولتي تراءى لي مقطع منها، فجأةً، بوضوح. يحصل هذا كلّ بضع سنوات. كم يحتاج المرء لتعود إليه ذكرى طفولته كاملة؟ بعضهم طفولته جاهزة دائماً بين يديه. آخرون مثلي يحتاجون إلى عصور. ليس المقصود النسيان الإرادي. هذا موضوع آخر. المقصود ستارٌ كثيفٌ أصمّ يَعْزل عزلاً تامّاً. ثم ارتفاعه لحظة، كرؤيا، بين سنة وسنة، أو من جيل إلى جيل. هذا العمى نسيانٌ بإرادةٍ خارجة عن إرادةِ المعنيّ. كأنّ قوّة غامضة تتحكّم في الستار، رحمةً أو تحذيراً.



عابـــــرات

مفتاحُ الامتلاكِ هو في يد المملوك أكثر من المالك. الضحيّة تحسّ بوضعها أكثر ممّا يحسّ الجلّاد بوضعه. الموت هو الميت لا الموت. الموت تجريدي، الميّت تجسيده.
بين الرجل والمرأة، في الوصال، أنتِ الأساس. لأنّكِ في نظره مملوكة ولأنه في نظر نفسه الغازي، بينما هو، بقدر ما تشتدّ قبضة ملكه، يزداد استسلاماً لكِ، وبقدر انتصاره تربحين.
■ ■ ■
هناك حقائق أو جمالات مخفيّة في نقيضها. فلسفاتٌ بأسرها حِكْمتُها في عكسها.
■ ■ ■
الجمالُ قَلْبٌ مؤجَّل.
■ ■ ■
قد يكون التمزّق الداخلي علامةَ سقوط، لكنّه أحياناً سقوطٌ من الأعلى إلى الأعمق.