ليس سهلاً أن ترصد السياسة اللبنانيّة بالاعتماد على الصحافة اللبنانيّة. فما سمّاه توماس هوبس «الخطاب الهامشي» (أي الخطاب الذي لا يعني شيئاً) يسود. وقد بدأت الليالي الرمضانيّة في قريطم. وسعد يتحدّث من دون «المُقرئ الآلي». وإعلام لبنان (الممسوكة رقبته من آل الحريري وآل سعود) يشذِّب كلام الحريري في اليوم التالي، ويفصّحه، كما كانت جريدة «النهار» تشذّب كلام بيار الجميّل وتزيل منه ما يثير الفتن الطائفيّة


أسعد أبو خليل *
مارسيل غانم (الذي ناجى تمثالاً لرفيق الحريري من شمع أو من كبّة ـــــ لم أستطع التيقّن) اعترف بأنه تحاشى دعوة وئام وهاب (الذي لا يفوِّت فرصة إلا يبدي إعجابه بسامي الجميّل) على امتداد الأعوام الماضية كي لا «يستفزّ» جمهور برنامجه. لا يدرك مارسيل مدى انحيازه السياسي (حتى لا نقول الطائفي) مع تأكيده لنفسه أنه غير منحاز. وهل يظن أن الاستفزاز هو من جهة واحدة فقط؟ أم يظن أن معايير فريقه السياسي هي معيار كل لبنان؟ لم يعرف غانم أنه بذلك يؤكد أن برنامجه ينقل فقط «كلام بعض الناس»؟ وعندما استضاف عملاء جيش لحد وصوّر قضيّتهم بـ«الإنسانيّة» (يتحمّل عملاء جيش لحد مسؤوليّة معاناة عائلاتهم، وهذه هي العقوبة العادلة الأخفّ لعملاء العدو الإسرائيلي، وخصوصاً أن البطريرك العروبي ـــــ ليوم واحد فقط ـــــ أرسل مبعوثاً ليصلّي على نفس القاتل عقل الهاشم) لم يلاحظ أنه يستفزّ جزءاً كبيراً من الشعب اللبناني. ويقول مارسيل الحريص على السيادة إنه لا يريد أن يدير برنامجاً من دمشق، مع أنه لم يجد غضاضة في إدارة برامج من واشنطن ومن باريس وحتى من يخت الأمير الوليد بن طلال. أم أن مارسيل يلتزم معايير السيادة الانتقائيّة المعمول بها في الديمان وبكركي؟
السيادة الانتقائيّة هي في رفض التدخّل المصري في شؤون لبنان ـــــ كما صاح الثنائي شمعون ومالك عام 1958 ـــــ وفي تنظيم وفد نسائي لبناني لتقديم الحلوى للجيش الأميركي المُحتلّ في بيروت (راجع «النهار»، 6 أيلول 1958)، أو هي في رفض صفير لزيارة سوريا وفي الهبوط بطوّافة عسكريّة أميركيّة أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006. السيادة الانتقائيّة هي في السماح لمبعوث الاتحاد الأوروبي بالإدلاء بدلوه في موضوع الحكومة وفي نقل جريدة «النهار» تصريحاً لمسؤول أميركي يعترض فيه على تدخّل سياسيّين لبنانيّين موالين لسوريا في... موضوع لبنان. يحقّ للتدخّل الأميركي ما لا يحقّ لغيره، مثلما يصرّ الاحتلال الأميركي في العراق على إطلاق صفة «المقاتلين الأجانب» على عرب، ممّا يعني أن جنود الاحتلال الأميركي هم من أهل البيت ـــــ وبتزكية من آل الحكيم في العراق.
والطريف أن إعلام آل سعود وآل الحريري يحاول أن يظهره مظهر الإعلام المستقل. كان ذلك مثلما أكد جهاد الخازن أن جريدة «الحياة» مستقلة ولا تخضع إلا... لتوجيه خالد بن سلطان وإدارته. أو أن يسخر عقاب صقر من تمويل جريدة «الأخبار» وكأن إعلام الحريري مستقلّ التمويل. قد يكون عقاب صقر صدّق تلك الكذبة على موقع «ناو حريري» (حيث يعمل) الذي عرّف عن نفسه بالآتي: «يستقي موقع ناو ليبانون تمويله الكامل من القطاع الخاص والهبات الفرديّة». تصلح العبارة مادّة للتندّر والهزل على البرامج الكوميديّة. كان على عقاب صقر أن يضيف أن لائحة «كسّارات فتوش بالقلب» تلقّت تمويلها من المحسنين والمحسنات، وأن تلفزيون «المستقبل» يعتمد على كرم الأجاويد في تمويله، وأن صور رفيق الحريري وتماثيله التي تملأ العاصمة هي هديّة من الشعب الأميركي. لماذا تشعر في لبنان أنهم يكذبون ويعلمون أننا نعلم أنهم يكذبون. لماذا؟


الموقف الأبرز صدر عن فارس بويز حين اعتبر أن توزير الصهر منافٍ للديموقراطيّة
لكن هذا إعلام يندّد بشدّة بـ«اعتداء آثم» على دواليب سيّارة لمراسلة جريدة الأمير سلمان في بيروت ويصمت عن التهديدات الإسرائيليّة المتواصلة ضد لبنان. وجميل السيّد (الذي يظنّ أن الظلم الذي لحق به لا ظلم قبله ولا بعده، وأن الظلم لم يقع في عهده، والذي لم يعلم بعد أنه فقد كل سلطاته) يخاطب سعد الحريري وكأن الأخير قد غُرِّر به. صحيح أن الحريري الصغير (سمّاه محمد عبد الحميد بيضون ذو السجلّ الناصع في الوزارة والنيابة «الصخرة الصلبة»، وبيضون هو زعيم الشيعة الأوحد وفق أحكام بيار الضاهر) قليل المواهب والكفاءة لكن الخطة السعوديّة المرسومة (والمُتفق عليها مع إسرائيل وأميركا) باتت واضحة. الإصرار على مقاومة مقاومة إسرائيل هو المطلب الإسرائيلي، وإن ارتدى لباساً طائفيّاً في لبنان (والطريف أن البعض يزعم أنه ضد سلاح المقاومة لأنه استُعمل في 7 أيار، وكأن البطريرك الماروني وسمير جعجع وأمين الجميل وأحمد فتفت وسعد الحريري وأنطوان لحد كانوا مع مقاومة إسرائيل قبل 7 أيار).
انشغل الوسط السياسي بقضيّة ما يُسمّى توزير الصهر. وأصدر الحزب التقدمي الاشتراكي بياناً عنيف اللهجة استنكر فيه توزير الأقارب وكاد أن يذكّر بأن البيت الجنبلاطي ابتعد دوماً عن التوريث السياسي، وقد يرسل وليد جنبلاط ابنه تيمور لتذكير الأطراف السياسيين بابتعاد الحزب التقدمي الاشتراكي عن تنصيب الأقارب. وصهر غسان تويني استنكر بدوره توزير الصهر، ويمكن نايلة تويني (صاحبة نظريّة محاربة إسرائيل بـ«الرخاء» والسياحة والازدهار) أن تندّد هي أيضاً بتوزير الأقارب. كما أن ابن تلك اللبنانيّة التي كانت تعدّ الأطعمة لأرييل شارون انضمّ إلى جوقة عمّه وابن عمّه لاستنكار توزير الأقارب. أما موقف سعد الحريري (الذي وصل إلى الزعامة بعرق الجبين لا بالوراثة) فكان حاسماً. فلقد أرسل ابن عمّته (مستشاره السياسي) ليؤكّد لمن يسأل أن التوزير يجب أن يكون على أساس الكفاءة فقط، والكفاءة تتجسّد في عمّته وفي ابن عمّته الآخر الذي أوكل إليه تنظيم تيّاره الطائفي ـــــ المُستقبلي. وتيّار المستقبل يصرّ على توزير سمير الجسر أو صهره محمّد كبّارة. ولكنْ هناك صهر وصهر، سند الظهر، على قول المثل. وميشال المرّ رفض توزير الصهر هو الآخر، لكنه أصرّ على توزير الابن. أما كارلوس إدّه، فقد سخر من توزير الصهر وأضاف أنه يقود حزبه (الذي يمكن جمع كل أعضائه في غرفة صغيرة أو «عليّة» وإن كان أكثر عدداً بعضو أو عضويْن من حركة اليسار الحريري الديموقراطي) بسبب نضاله في البرازيل وليس بسب حمله لدم العائلة. لكن الموقف الأبرز صدر عن فارس بويز: فهو يعتبر أن توزير الصهر منافٍ للديموقراطيّة (يذكرُ بويز في روايته عن مرحلة عزّه أن حافظ الأسد وليس إلياس الهراوي هو الذي أصرّ على توزيره، فيكون توزيره عندئذ ليس توزير الأقارب).
وجنبلاط وجد متسعاً من الوقت في شهر الصيام عن الكلام المُباح لتعزية عائلة كنيدي بوفاة السناتور تيد: وهناك مطبوعة صهيونيّة أجرت دراسة وجدت فيها أن كنيدي هذا حاز معدّل 100% في نسبة الموافقة على مواقف منظمة «إيباك» (اللوبي الصهيوني). وكنيدي هذا أخذ معه تراباً من قبر جون كنيدي وبوب كنيدي لينثره على قبر إسحق رابين. لعل جنبلاط خلط بين جورج حبش وتيد كنيدي، وخصوصاً أن جنبلاط يذكر فلسطين هذه الأيّام قبل الأكل وبعده، مقرونةً باسم خادم الحرميْن.
لكن متى يعرف سكان مسخ الوطن حجم مسخ ـــــ وطنهم؟ هل من يتصوّر أن عائلة كنيدي ستعلم أن زعيم 80% من 5% من سكان البلد الصغير بعث بتعزية إليهم؟ لماذا لا يوفّرون ورق البرقيّات الطائرة إذا كانوا حقاً من أنصار البيئة ـــــ ولا يحمي البيئة في لبنان إلا كسّارات فتوش وشال ثورة الأرز المعقود على عنق أكرم شهيّب. لكن برقيّة وليد جنبلاط لخادم الحرميْن ـــــ كما يسمّي نفسه ـــــ في مناسبة الاعتداء على الأمير محمد بن نايف كانت أظرف، إذ قال فيها (من دون أن ينسى ولو للحظة اليسار والعروبة وفلسطين): «إن التسامح الكبير الذي عبّر عنه سموّ الأمير نايف إنما يعكس الروحيّة الإنسانيّة العالية التي طالما تعمّق بها جميع قيادات المملكة العربيّة السعوديّة عبر تاريخها، والتي تعبّر عنها بصورة دائمة من خلال دورها الإيجابي إلى جانب القضايا العربيّة والإسلاميّة». نسي جنبلاط أن يذكر أن منظمة العفو الدوليّة أصدرت لتوّها تقريراً قاسياً ينتقد الخروق الفظيعة لحقوق الإنسان على يد وزارة الأمير نايف وابنه باسم «محاربة الإرهاب». ويحتلّ جنبلاط هذه الأيام موقعاً طريفاً في الحلبة السياسيّة: فهو لم يغادر يوماً موقعه المحفوظ في فريق الأمير مقرن لكنه خدع المعارضة (يستطيع الرضيع أن يخدع المعارضة في لبنان) ببعض الكلام ضد حلفائه المسيحيّين في 14 آذار. واختارت كل الصحافة في لبنان تجاهل مقابلة مع مجلّة «سليت» الأميركيّة مع إليوت أبرامز سخر فيها من مزاعم تحوّل جنبلاط وقال إن جنبلاط ليس مقتنعاً بما يقوله أخيراً بدليل أنه لم يتوقّف عن إرسال صناديق نبيذ كفريّا هدايا لهذا الصهيوني المتطرّف.
وكانت متابعة مواقف جنبلاط الطارئة طريفة في إعلام آل سعود وإعلام آل الحريري: والذين هلّلوا لتكويعة جنبلاط عام 2005 هم أنفسهم اليوم الذين اكتشفوا فجأة أن جنبلاط متقلِّب وطائفي وغير مبدئي. لم يلاحظوا ذلك من قبل. لكن كتّاب آل سعود وآل الحريري يهجون في أمر ويمدحون في أمر (ألم نلاحظ كيف توقّف هجاء حازم صاغيّة وغيره لسوريا مباشرة بعد شبه الصلحة السوريّة ـــــ السعوديّة)؟ هؤلاء يسيرون على خطى سمير عطا الله وفؤاد مطر في الصحافة. ومحمد علي الجوزو توقف ولو لفترة عن التحريض المذهبي على الشيعة ليصدر كلاماً عنيفاً ضد جنبلاط والدروز، ولكن وحدها جريدة «المستقبل» السلفي نشرت التصريح، أما الباقي فتستّرَ كالعادة.
والبرقيّات بالبرقيّات تذكر، وكان هناك برقيّة مزعجة جداً وثقيلة على الأعصاب والمبادئ من حسن نصر الله إلى آل الحكيم. فقد وجد حسن نصر الله أنه من الضروري أن يحيّي «جهاد ونضال (عبد العزيز الحكيم)... من أجل إنقاذ الشعب العراقي المظلوم وإعزازه ورفع شأنه». هذه البرقيّة تستحق تحليلاً عميقاً عن حقيقة هذا الثناء من حزب الله بحق أبشع نموذج لأدوات الاحتلال الأميركي. لكلّ احتلال أجنبي دحلانُه، وعبد العزيز الحكيم هو دحلان الاحتلال الأميركي للعراق ـــــ أو واحد من الدحلانيّين الكثر هناك. وسجلّ ميليشيا بدر حافل بترهيب الشعب الفلسطيني في العراق وطرده إلى خيم حدوديّة مقفرة. كما أنه كان سبّاقاً في طلب تقسيم العراق كانتونات طائفيّة وعرقيّة، بالإضافة إلى العداء لحقوق المرأة الذي عبّر عنه الحكيم أثناء مناقشة قانون الأحوال الشخصيّة والدستور. ويتناقل الشعب العراقي أخبار الإثراء المفاجئ والهائل لعائلة الحكيم ولكن قد يكون مصدر الثروة «القطاع الخاص والهبات الفرديّة» على طريقة موقع «ناو حريري». وهل يمكن تفسير تأييد حزب يتصدّر مقاومة إسرائيل لأداة من أدوات الاحتلال في العراق بغير نظريّة التعاضد الطائفي المذهبي؟ هل هناك تفسير آخر فاتنا؟ كيف يمكن أن يتحدّث حسن نصر الله عن «نضال» عبد العزيز الحكيم هذا الذي أتى مع دبّابات الغزو وتصدّر السلطة بأمر من بريمر؟
يبني حزب الله من طائفيّته (المقصودة أو غير المقصودة ـــــ لا فرق) سجناً له «فيؤتسرُ» (بالإذن من قصيدة «المواكب» لجبران). كيف يوفّق حزب الله بين معارضة (أصبحت خجولة) للاحتلال الأميركي في العراق، وبين هذا التعظيم لواحدة من أدوات الاحتلال التي نفّذت وبحماسة شديدة مخطّط التفتيت الطائفي والاستيلاء على ثروة الشعب العراقي بحماية الاحتلال؟ وموقف الحزب من الاحتلال الأميركي للعراق كان ملتبساً منذ البداية، ولم تزدْه الأيّام إلا التباساً. هذا الموقف، في ظل حماسة سعودية للنفخ في نار الفتنة المذهبيّة وفي ظل سياسة إسرائيليّة ـــــ عربيّة ـــــ أميركيّة لعزو مقاومة احتلال إسرائيل إلى موقف مذهبي، يعزّز دون قصد منه تقويض موقف المقاومة العام في منطقتنا. إن تفجّع المثقفين الموالين لقريطم، مثل سعود المولى، على الحكيم مفهوم تماماً، بعكس برقيّة حسن نصر الله إذا قيست بمنظار مقاومة الاحتلال.
والحكومة اللبنانيّة سلّمت ببساطة متسلّلاً إسرائيليّاً في وقت تنشط فيه عمليّات التجسّس الإسرائيليّة. قرّر «خبراء» من الحكومة أن المتسلّل مختلّ عقليّاً، وكأن لا مجال لتصنّع الاختلال. والصحف الإسرائيليّة زعمت أنه تسلّل عبر الحدود، مع أن جيش العدوّ (الذي يشتاق أمين الجميل إلى التفاوض معه ـــــ «ما أحلى الرجوع إليه») يرصد حتى حركة الرعاة والماعز على الحدود. لم ينتظر الجيش اللبناني إلا أياماً معدودة ليقرّر أن المتسلّل بريء. من قال إن الغباء ليس صفة ملاصقة للحكومة اللبنانيّة؟ لكن في المقابل لم يعترض أحد في المعارضة على هذا التسليم المتسرّع للمتسلّل البريء.
والسجال بين محمد حسين فضل الله والبطريرك صفير كان مسلّياً. أنا، على عكس اللبنانيّين واللبنانيّات، أشجّع رجال الدين على الخصام وعلى السجال وحتى على ممارسة رياضة الملاكمة، لأن القانون اللبناني يمنع العامّة من التعرّض إلى ما يُسمّى «المقامات الدينيّة الرفيعة». حبّذا لو ننقل رجال الدين في لبنان إلى جزيرة أرواد ليتخاصموا ويتقاتلوا بعيداً عنّا. ويجب أن نخرق هذا القانون وأن نعوّد رجال الدين (قيادة معابد الدين ممنوعة على النساء من كل الطوائف، مع أن بعض الرهبانيّات المارونيّة سمحت للراهبات أثناء الحرب بإعداد لفائف طعام لمقاتلي القوّات اللبنانيّة كما روى أسوأ لبناني على الإطلاق ـــــ النازي اللبناني الصغير، بشير الجميل ـــــ في آخر خطاب له) على النقد والسخرية والتعرّض والتقليد، إلخ، ومن كلّ الطوائف. لينزل رجال الدين في لبنان من عليائهم وليتواضعوا قليلاً، وخصوصاً أن عدداً منهم يبيع الفتاوى والمواقف (الإسلاميّة والمسيحيّة) بالدولار. مملكة هؤلاء من هذا العالم: من مصارف لبنانيّة وأجنبيّة. لو كان الأمر بيدي لكلّفت نضال الأحمديّة، التي تبرع في إثارة الخلاف بين الفنانّين والفنانات، مهمة إثارة الخلاف بين رجال الدين، على أمل الاستعانة بتجارب الثورة الفرنسيّة والمكسيكيّة ضد الإكليروس. لكن ورع سعد الحريري يعوّض عن كل فقيه وعلاّمة، وخاصة عندما يجاور حسن السبع في الصلاة.
على أن هالة مزعجة تحيط بالبطريرك الماروني. لا ندري لماذا. وحسناً فعل فضل الله عندما سخر من شعار «مجد لبنان أُعطي له». أولاً، لنتفق أن لا مجد للبنان، لا ماضياً ولا حاضراً ولا مستقبلاً. لم يُعرف لبنان حول العالم ولم ينتشر اسمه إلا بسب وحشيّة حربه الأهليّة. قد يكسب لبنان مجداً ما من صحن الكبّة العملاق في إهدن، أما غير ذلك فهراء. ثانياً، إن القول بأن مجد لبنان «أُعطي له» يفضح أصل القول. من الذي أعطى؟ المستعمر الفرنسي طبعاً. المستعمر لا يعطي أمجاداً لوكلائه وحلفائه، بل يحمّلهم خزياً وعاراً أبديّاً. وهذا «المجد» الفرنسي أُعطي لبكركي بسبب الولاء للمستعمر وللرجل الأبيض. وفرنسا كانت جد ممتنة للولاء المهذّب الذي صدر عن الكنيسة نحو فرنسا مثلما جاء في تلك الرسالة التي حملها المطران نقولا مراد إلى الحكومة الفرنسيّة عام 1844 والتي استهلّها بالقول لملك فرنسا: «نحن عبيد جلالتكم» (فيليب وفريد الخازن، المحرّرات السياسيّة والمفاوضات الدوليّة عن سوريا ولبنان، ج 1، ص. 128). ولقب المجد قليل على من يعرض أن يُستعبَد. وعندما انتقد أمين الريحاني المستعمِر الفرنسي في زيارة مصالحة نادرة له إلى بكركي، نهره البطريرك عريضة قائلاً: «ثم إني فهمت مما ورد في خطابكم من إشارة إلى الأجنبي أنكم تقصدون الفرنسيّين، بيد أن الفرنسيّين كانوا ولا يزالون أصحابنا وقد خدموا لبنان خدمات جليلة ونفعونا نفعاَ جزيلاً...». («المعرض»، كانون الثاني 1932).
طبعاً، يعتبر بعض اللبنانيّين الكلام عن «المجد» البطريركي نتاجاً لزمن أسبغ فيه المُستعمر علامات تمييز على الأديان والمذاهب في لبنان، وجعل من تلك التراتبيّة أساساً للنظام السياسي وتوزيع المغانم، على طريقة جنوب أفريقيا وإسرائيل. أما كلام فضل الله (وهو من الناحية الليبرالية والحريّات الفرديّة أكثر تقدّماً من معظم رجال الدين في لبنان) عن العدد فهو اعتداد من باب التفاخر الطائفي، وإن كانت المناصفة لا تستقيم مع الزعم الديموقراطي للنظام اللبناني. لا يمكن نظاماً طائفياً أن يتزاوج مع الطائفيّة: إما الطائفيّة وإما الديموقراطيّة. وفي انتظار ذلك يجب العمل على فصل رجال الدين عن أجهزة الدولة وجعل تمويل الإكليروس خاصاً. غير أن مواجهة الطائفيّة لا تكون بطائفيّة مضادة، والزهو النخبوي ـــــ الطائفي لا يُواجه بزهو نخبوي ـــــ طائفي مضاد. والمجد ليس صفة ملازمة لأي من الفئات، إلا إذا آمن فرد ما بالعقيدة النازيّة أو الصهيونيّة أو الكتائبيّة. لكن رد فضل الله حمل تحدّياً عدديّاً لا يتوافق والتعامل الضروري مع «المشكلة المسيحيّة» كما سمّاها الرفيق فواز طرابلسي في إشارة إلى قلق من تنامي الأصوليّات وتناقص العدد.
بدلاً من النقد والشكوى لنذكر بعض الإيجابيّات. فنواف سلام ألقى خطاباً جيداً ردّ فيه على خطاب كريه للسفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة (ليتعلّم من الخطاب طارق متري). وإهدن نجحت في دخول «سجل غينيس» (لماذا يظن اللبنانيّون أن الدخول إلى سجلّ «غينيس» هو شرف ما بعده شرف؟ لا يكترث أحد هنا لهذا السجلّ إلا الأطفال. أهذا جزء من الهوس اللبناني بالأكبر والأفضل والأجمل والأصغر والأهضم والأشهر والأغنى والأعظم؟ وهل هذا إلا دليل آخر على ضحالة الثقافة في لبنان؟) ومحمد شطح يبحث عن الكنز المرصود ولا يحظى هذا الأمر بالسخرية المناسبة إلا في هذه الجريدة. لو حصل الأمر في بلد آخر لتعرّض الوزير لفحص طبّي. لكن الوزير باسيل (الذي يحتاج إلى دروس خصوصيّة في تاريخ القضيّة الفلسطينيّة) والوزير (غير الظريف) إيلي ماروني اتفقا حول ضرورة تفعيل التصويت على الإنترنت لتحظى مغارة جعيتا بشرف الفوز بتصويت الإنترنت. إلى الإنترنت أيّها الشعب (غير) العظيم.
* أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)