قصدناه للحديث عن حياة المؤقت، فإذا بنا نجد أنفسنا أمام أشهر مطرب شعبي في مخيم البارد و«برا». ساعة من الزمن يخرجنا خلالها المطرب المتقاعد حسين الكركي من البؤس الذي يعيشه في غرفة يتيمة و«سطيحة»، إلى أيام العزّ التي اقترنت بأغنيته «تيري دق»


راجانا حمية
الدمار الذي يرافقنا منذ اللحظة الأولى لدخولنا إلى مخيم نهر البارد، يتضاءل بعض الشيء على أعتاب «معسكر» البراكسات الجاهزة في القطاع «س».
هنا، في المدينة المؤقتة، يصبح شكل «المنازل» أشفى حالاً من تلك المنكوبة في البارد. غرف صغيرة، أنيقة على فقرها. وهنا، تجذبك غرفة صغيرة عند المدخل. ما يجذبك إليها ليس شكلها الذي يُشبه عشرات الغرف المرصوفة إلى جانبها، بل تلك المرأة التي كانت تنثر بيديها الملوخية على أرضية «السطيحة». نقترب منها. نحيّيها، فتجيب بابتسامة خجولة وتسارع إلى الداخل وتنادي الرجل النائم على الأرض العارية «قوم يابا» وتتوارى عن النظر.
يستيقظ الرجل. وقبل أن يعرف هوية ضيوفه الآتين برفقة جاره نضال، ينهال عليهم برشق من «السلامات»، ثم يتناول كرسياً ويجلس. يسكت طويلاً، وبين الفينة والأخرى يرمي بابتسامة للجالسين أمامه، فلا يخرج عن ذلك الصمت إلا حين يبادر الجار بالقول: «جايين يسألوك عن العيشة بالبراكس». لم يكن الجار قد أنهى جملته، حين مد حسين الكركي يده، مشيراً إلى «نصف مطبخ» في زاوية الغرفة وقائلاً: «هاي هي حياتنا شفتيها». يعود لصمته، كأنه سئم كثرة الحديث عن الغرفة العارية التي يكبر فيها وزوجته و6 من أبنائه.
لم يكن الحديث مشوقاً، فما قاله الكركي نسخة مطابقة عمّا قاله الكثيرون هناك أثناء الجولة، وقد شبعت آذاننا من عبارات «هاي هي حياتنا». كدنا نتركه، لو أن عبد العال لم ينقذ الوضع لنبدأ حديثاً، أقل ما يمكن القول فيه أنه مشوّق. ففيما كنا نهمّ بالرحيل، استأنف عبد العال الكلام: «خبّرها يا أبو علي عن أيام الكركي».
من يُسكت أبو علي الآن؟ فقد عاد به الجار إلى «السبعينيات، وقت كنت أدقّ على الطبلة، وقتها كان عمري 10 سنين لما شاركت بالعزف على الطبلة الصغيرة بعرس بالمخيم». منذ ذلك الحين، بات أبو علي عندما يتناهى إلى مسامعه «صوت أغاني»، يقصد الأعراس ويطبّل «من دون عزومة».

عام 1979 أطلق أولى أغنياته التي ضربت: «تيري دق دق»

في أيلول 1993 اعتزل الغناء بعد إحياء عرس ابن الجيران
استساغت فكرة «التطبيل» الكركي، فعمد في ذلك العام إلى ادخار المال لشراء «طبلة محترمة». وتمكن بعد بضعة أشهر «بالشحتفة طبعاً» من جمع 75 قرشاً، مكنته من شراء الطبلة التي حلم بها.
كثرت «الطلبيات» على الكركي مع الطبلة الجديدة، فبات عازفاً «معتبَراً» في المخيم. لكنه لم يكتفِ بتلك الشهرة، وطمح إلى المزيد، فكان في كل مرة يقصد فيها أحد الأعراس سيراً على قدميه «أطبّل وأجرب صوتي بالغناء». بعد سلسلة تجارب، تجرأ الكركي على الغناء، إلى أن كانت المفاجأة عام 1979 عندما أطلق أولى أغنياته «تيري دق دق». الأغنية التي «ضربت» ورفعت الكركي إلى القمة، ليصبح مطرب الشعب في المخيم.
صار الكركي يتنقل من حارة إلى حارة، حاملاً البوق ومردداً أغنيته «تيري دق دق.. والله لهجر وأخاطر عمدرسة البناتي، وأبرطل المديرة وأقابل حبيباتي تيري دق دق». استمر الكركي «على طلعته»، إلى أن «ضرب» صيته في المخيم و... «برا، كانوا يطلبوني على الأعراس في البداوي والبقاع».
عام 1984، ازدادت «الأعباء» على الكركي. لم يعد مطرباً منفرداً وحسب، بل أصبح أيضاً عازفاً ومطرباً في فرقة «عشاق الأرض الفلسطينية» التي أسسها مع 7 من أبناء المخيم. يتذكر الكركي الرفاق السبعة الأساسيين في الفرقة و«الكولار» (الكورال) المؤلف من 4 فتيات. وعلى الرغم من أنه كثير النسيان، إلا أنه لا يزال يحفظ غالبية أسمائهم ووظائفهم في الفرقة في ذلك الحين. يسترجعهم واحداً واحداً: «مصلح عبد الرازق على الطبلة ووفيق عبد الرازق على العود وعلي المغربي على الدف وأبو خليل وصالح اليوسف عتابا وزياد اشتاوي وأنا بنغني». أما الكورال «فكانوا بنات، بتذكر عايدة وميرفت».
بموازاة الحفلات التي كانت تقيمها الفرقة، كان الكركي يحيي حفلاته الخاصة. كان جدول أعماله «فول» على مدى أسبوع، إذ «كنت أعمل 5 حفلات بالأسبوع، وبعد ما أخلص أسجل الحفلة على كاسيت».
كان يحتفظ بكاسيتاته. لم يبع منها سوى واحد كان قد سجله في سوريا في الـ84، وعندما عاد إلى لبنان أعطى نسخة من الكاسيت «لصاحب عربة الكاسيتات وباعه». وعندما نسأله كم دفع له لقاء النسخة، يستغرب السؤال ويجيب: «ولا اشي، كنت أحب أغني بس».
عام 1984 حافل بالأحداث في حياة الكركي. فهذا العام الذي شهد أول كاسيت وتأسيس الفرقة، كان أيضاً العام الذي اكتملت فيه «عدة الشغل. اشتريت أول جهاز بـ2200 ليرة، بيجي معه سيبة ميكرو و2 ميكرو وبوقين على البطارية والكهرباء». ثم يضيف موضحاً معنى البوق: «شايفة سماعة الجامع؟ هاد هوي البوق».
بعد سنوات قليلة، لا يذكر الكركي عددها، ترك الفرقة مكتفياً بالأمسيات التي كان يحييها على نحو شبه يومي، ومواظباً على عادته المتمثلة بتسجيل حفلاته، التي بلغ عددها مع اعتزاله حوالى 100 كاسيت.
أيلول عام 1993، اعتزل المطرب الشعبي الغناء في عرس ابن الجيران. يومها، غنى الكركي كل ما خطر على باله وأعلن بعدها نهاية مسيرته مطرباً.
لكن «العاشق» لم يتوقف في ذلك العام عن «الأعمال الفنية، فقد انتقلت للدي جي اللي سلمته عام 2007 لإبني علي».
الآن، بعد سنتين من الاعتزال، يتفرغ الكركي لمهنته الرئيسة «دهان بيوت»، ولمساعدة «المطرب الواعد» وائل شعبان في حفظ بعض المواويل. لكن رغم الاعتزال، لا يزال أبناء المخيم يتذكرون الكركي. فما إن تسأل عنه حتى يأتي الجواب «تيري دق دق».
للصدفة أن من سألناه عن الكركي كان العضو الثاني في الفرقة زياد اشتاوي. يتذكر اشتاوي «إيام العز، ما كنا حاملين هموم شو بدهن يوكلوا ولادنا». لا يزال اشتاوي يحتفظ ببعض التفاصيل عن الفرقة التي استمرت 7 سنوات قبل أن تنحلّ مع اندلاع الانتفاضة الأولى. يتذكر الصبايا فيها: «ميرفت صارت قابلة قانونية بالأونروا، وتغريد سافرت، وخلود صار عندها صالون تجميل». والرابعة؟ نسي اسمها، «العمر إلو حقو».
لكن، مع كل هذا النسيان، لا يزال يحفظ الكثير من الأشعار التي كتبها للفرقة وغناها الكركي، ومنها «يا ريح العاتية» و«عواميد الخيم» و«أمسكني الحرس».
بقي ناشط آخر في الفرقة موجود هنا في المخيم، لكنه لم يعد كما اشتاوي والكركي، فقد التزم الرجل دينياً، وبات مؤذناً في المسجد. لم يعد راغباً في تذكر الماضي، وكل ما يستطيع قوله، بعد إلحاح زوجته عليه أن يغني، هو هذا الموال: «إذا شلحنا تيابنا بردنا، هالقلب بالمبرد بردنا، مين برجعنا على مخيم باردنا أجرو على الباري المهاب».


انفراط العقد

بعد سنوات على انفراط عقد فرقة عشاق الأرض الفلسطينية، تغيرت وظائف أعضائها، حتى باتت النقيض. فالمطرب الشعبي عاد إلى مهنة الدهان، ومصلح ووفيق عبد الرازق «من حجاج بيت الله الحرام» وصالح اليوسف (الصورة) بات مؤذناً في الجامع، وزياد اشتاوي عاد إلى مهنة «التلحيم» و«قائد» فرقة الكرمل للفنون الشعبيّة، أبو خليل سافر إلى ألمانيا أما علي المغربي، فاستشهد بمرض عضال.