ضحى شمس

يقول الإعلان: أنا زكيت وانتِ؟ الفتاة البهجة في الإعلان تبدو عليها راحة البال وشيء من خفة الروح. تفوح من وضعيتها بالصورة رائحة إسلام معتدل، مريح ارتياح من يحب القيام بواجباته الدينية. والزكاة، ركن من أركان الإسلام الخمسة. يدفع أهل السنّة الزكاة، بنسبة 2.5% عن رأسمالهم، أما الشيعة فيخمسون، أي يدفعون خمس أرباحهم السنوية، فيما هم يزكون عن ممتلكاتهم العينية. المهم، عند الشيعة أو عند السنة، فإن الزكاة هي نوع من ضريبة الدخل والرأسمال، كان المسلم يدفعها إلى بيت المال، المعادل لوزارة المالية أيامنا. وبيت المال، أيام الدولة الإسلامية، كان يمول مشاريع الدولة، ويدفع رواتب موظفيها وجيشها ودوائرها الرسمية، كما يعين المحتاجين. أما اليوم؟ فهو يموّل ما بقي من هذه الدولة: كهنوتها، ويسد حاجة بعض محتاجي الطائفة. هل من شيء آخر؟
اليوم، يدفع المسلم المؤمن ضريبتين. فهو يزكي ويخمس للنظام الديني الذي يتبعه، كما يدفع ضرائبه للدولة التي يعيش فيها. أي أن المكلف المسلم الملتزم، يدفع الضريبة العامة لنظامين: إسلامي ومدني. فيما ما يرجع له من خدمات من النظامين يكاد لا يذكر، إذا ما وضعنا الجنة جانباً بالطبع.
يبقى أمام المكلف المسلم والملتزم، أن يتخلى عن أحد النظامين لكي لا يكون مكلفاً بما لا تطيق ميزانيته. وأهون الشرين؟ بالطبع الامتناع عن دفع الضريبة للدولة. فهي إلى كونها لا تعد بأي جنة، فإنها أصلاً لا تقوم بغالبية واجباتها. إضافة إلى أن الزكاة من أركان الإسلام، فإن من لا يقوم بواجبه المالي، فمن المرجح أن يذهب إلى جهنم. وجهنم «شوب» وبالتالي غير مستحب الذهاب إليها، ولو كان «الدفا عفا بعز دين الصيف».
أما إن كان مؤمناً حنبلياً بالنظامين؟ أي أنه يمشي على كل الأنظمة؟ فسيعاني من تلك الاشتراكات التي تسم من يريدون إرضاء الجميع: سيخسر الكثير. لا يمكن المرء أن يتبع نظامين من دون خسائر. حتى الآلات التي تمشي على نظامين تخرب بسرعة. تستهلك، تنفد مؤونتها وطاقتها على الاحتمال. فإن زكى ودفع الضرائب، فالأرجح أن يكون قول «أنا زكيت وانتهيت» أصدق في وصف حاله المالية، ولن يكون في تلك الحال شيء مما يحب المرء أن يعلن عنه.

فزورة الشهر

لا أحد في الشارع. إنها ساعة الذروة، ساعة الانصراف من العمل، وليس هناك أكثر من بضع سيارات تسير برشاقة في الطريق العام. تستخف الفرحة السائق الشاب، فيكبس قدمه على «البنزين»، أما الركاب فتعلو وجوههم ابتسامة ارتياح: أخيراً من الحمرا إلى الطيونة خمس دقائق، كما تفترض المسافة، بدلاً من النصف ساعة اليومية في الزحمة اللامعقولة واللامفهومة. الشارع يبدو واسعاً عكس الأيام العادية. والشجر عال عال، تخفق في قلبه نسمات أيلول التي تضمر برودة الخريف المقبلة. لا تسمع بوقاً ولا زموراً. لا شتائم ولا عبوس ولا حتى عرق. تتنبه إلى أن حالة اللازحمة تتكرر منذ اليوم الأول لرمضان. يتكرر المشهد: في الصباح، في المساء، ظهراً. الشوارع خالية تقريباً، أين الناس وسياراتهم؟ حتى الطرق التي نبشت أحشاؤها منذ شهور، تكاد الزحمة فيها لا تذكر. لا سرفيس يرفض لك طلباً. لا أحد يطلب منك أجر «سرفيسين» مهما نأت وجهتك، كأنه يعلم أن الشوارع ستبقى خالية. تحتار في تفسير ذلك: فكل عناصر الزحمة لا تزال هي هي: سكان العاصمة لا يزال عددهم هو هو، كل لبناني لديه العدد نفسه من السيارات، لا يزال النقل العام غير موجود تقريباً، لا تزال الشوارع بفوضاها السابقة، لا بل إن حركة المدارس بدأت، ما يعني أن الزحمة يجب أن تكون على أشدها. فما هو العنصر الغائب عن الشوارع اليوم حتى فرغت كل هذا الفراغ؟ جواب وحيد: الصائمون. هل يعني ذلك أن المؤمنين الغائبين عن الشارع اليوم، هم سبب زحمة السير اليومية بقية السنة؟ فلنقل إنها حزورة أو «فزورة» رمضانية.

الصلاة خير من الأخبار؟

هي نشرة الأخبار الأولى التي ألحقها لدى وصولي مساءً إلى منزلي منذ بداية رمضان. كان ذلك منذ أيام، وعادة ما إن أصل إلى البيت، حتى أدير التلفزيون على نشرة أخبار المنار، تمام السابعة والنصف مساءً، بعدها أنتقل إلى نشرة «نيو تي في» على الثامنة إلا عشر دقائق، ثم «ال بي سي» على الثامنة، التي أستغل فترة إعلاناتها بعد عناوين النشرة، من أجل متابعة عناوين «فيوتشر تي في»، أو "أو تي في" الخ..
هكذا، أدرت التلفزيون. استمعت إلى عناوين المنار، ثم «نتوقف مع هذا الفاصل». لم يكن الفاصل إعلانياً بل كان لرفع صلاة المغرب. سرحت بتفكيري وأنا أسمع الأذان: فإن كان جمهور المنار غالبيته من المؤمنين، فعليهم أن يقوموا إلى الصلاة ما إن يسمعوا الأذان أليس كذلك؟ فإن فعلوا، حرموا من متابعة النشرة! إذاً؟ عليهم الاختيار بين: الاستماع إلى الأخبار، أو إقامة الصلاة. الأولى ضرورية للعيش «على هدى» في بلد مثل بلدنا، والثانية ضرورية للحياة الثانية. فماذا يفعلون؟ هل يتركون الصلاة لمعرفة آخر مستجدات الأخبار؟ أم يصلون وتفوتهم الأخبار؟ الحمد لله أن رمضان يتبع التقويم القمري، وبالتالي فمواعيده «تزحل» شيئاً فشيئاً وتبتعد عن توقيت النشرة الذي يتبع التقويم الشمسي. وإلا لبقي هذا النوع من الاشتراكات الرمضانية طوال السنة.