مضى أسبوع على إعلان خبر إفلاس رجل الأعمال صلاح عزّ الدّين، وتوقيفه من القوى الأمنية لدى المباحث الجنائية المركزية. أثار «الحدث» زوبعة على غير صعيد. قضائياً، التحقيق مستمر، علماً بأنّ أمر بتّ القضية سيطول


محمد نزال
اسم صلاح عز الدين بات اليوم على كل لسان، فهو حديث الساعة ومحورها. رجل الأعمال «المفلس» ما زال الغموض يلفّ قضيته. منذ اليوم الأول الذي أُعلن فيه توقيف مَن أصبح يلقّب بـ«مادوف لبنان» والخبر ينتشر بين الناس كالنار في الهشيم. الأخبار المتناقلة ترتكز على آخر مستجداته «الخسائرية»، وأسماء أناس أودعوا أموالهم وجني العمر لديه.
في جديد القضية، عزّ الدّين ما زال موقوفاً لدى المباحث الجنائية المركزية، في نظارة قصر العدل ـــــ بيروت، والتحقيقات «السريّة» ما زالت جارية معه، وتدور حول العمليات الائتمانية والمالية التي كان يقوم بها. ولفت متابعون للقضية إلى إيقاف مساعد عز الدين الرئيسي، يوسف فاعور.
قبل أيام، ذكرت وسائل إعلام مختلفة أسماءً لعدد من المسؤولين في «حزب الله»، تفيد بأنهم من ضمن الأعداد الكبيرة من المواطنين الذين خسروا أموالهم مع إعلان عز الدين إفلاسه. أحد هؤلاء هو النائب السابق أمين شرّي، الذي نفى في بيان وزعه وجود أي علاقة له «لا من قريب أو بعيد بهذه الاستثمارات، بل وبكل الموضوع من أساسه». في حديث مع «الأخبار» اتهم شرّي بعض وسائل الإعلام، ومنها قناة «العربية» الفضائية، بأنها تذيع أسماءً غير صحيحة، معلقاً بقوله: «عندما تقع البقرة يكثر الذبّاحون، لكن الملف اليوم بيد القضاء، وهو من يبتّ فيه». طالب شري جميع وسائل الإعلام بتوخي الدقة وعدم زجّ اسمه في هذه القضية. بدوره، نفى مسؤول وحدة «الارتباط والتنسيق» في حزب الله وفيق صفا «نفياً قاطعاً» أن تكون لديه أية استثمارات مالية، لا مع عزّ الدين ولا مع غيره من رجال الأعمال. ويأتي هذا النفي من شري وصفا بعدما تداولت بعض وسائل الإعلام اسميهما بوصفهما شريكين في القضية، إضافة إلى اسم رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، وعدد آخر من المسؤولين والكوادر في حزب الله.
من جهته، نفى مسؤول العلاقات الدولية في «حزب الله» عمار الموسوي، في حديث مع «الأخبار»، ما أشاعته بعض وسائل الإعلام لجهة توصيف صلاح عزّ الدين بأنه المسؤول المالي في الحزب، مؤكداً أن الأخير «ليست لديه أي صفة رسمية في حزب الله، لكن له علاقات وصلات شخصية مع بعض كوادره، وليس في الأمر ما يستدعي الاستغراب». رفض الموسوي فكرة الربط بين الحزب والأعمال التجارية التي يتولاها متمولون، إذ لا علاقة للحزب تنظيماً بـ«البيزنس».
قضائياً، أكد النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا أن «التحقيق مع عزّ الدين ما زال مستمراً، فالقصة كبيرة ومتشعبة، وتحتاج إلى مدة طويلة للكشف عن جميع ملابساتها وحيثياتها». ماذا عن الأرقام والمبالغ التي «ضاعت؟» أجاب ميرزا: «لا أستطيع أن أرمي أرقاماً غير دقيقة، فنحن في حاجة إلى استكمال التحقيق ومعرفة زبائن صلاح عزّ الدين وعددهم، إضافة إلى أماكن وجودهم للتواصل معهم وأخذ إفاداتهم، هذه ليست المرة الأولى التي نشهد فيها قضية إفلاس مستثمر، فقبل ذلك أفلس كل من الداعوق وصعب والغزاوي وحسون وغيرهم».
في ما خص الدعاوى والشكاوى التي قُدّمت ضد عز الدين، لفت ميرزا إلى أنه حتى الآن لم يتقدم أحد بدعوة قضائية رسمية بحق عزّ الدين، ما عدا الدعوى المقدمة من عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسين الحاج حسن. وكان الأخير قد تقدّم بدعوى جزائية بحق عزّ الدين، بواسطة وكيله المحامي أشرف الموسوي، وذلك بجرم «احتيال وشيك بلا رصيد». وقد ذكر مسؤول قضائي لـ«الأخبار» أن خسارة النائب المالية بلغت نحو 400 ألف دولار أميركي في الاستثمارات.
من جهته، أشار وكيل النائب الحاج حسن، المحامي أشرف الموسوي، في حديث مع «الأخبار» إلى أن طبيعة القضية تندرج تحت معطوف المواد 689 و 655 و 666 من قانون العقوبات اللبناني، أي «جرم الإفلاس الاحتيالي، بمعنى أنها يمكن أن تصل إلى هذا الحدّ، فتكون العقوبة عندها 7 سنوات من السجن». تجدر الإشارة إلى وجود نوعين من الإفلاس، الأول احتيالي، والثاني تقصيري، بحسب نص قانون العقوبات. وفي هذا الإطار أوضح القاضي ميرزا أن «نتيجة التحقيق ستبيّن ما إذا كان إفلاس عز الدين احتيالياً أو تقصيرياً، وكذلك بعد البحث عن عوامل أخرى قد تكون خارجة عن إرادته».

في القانون

الموسوي: ليس لعزّ الدين أي صفة رسمية في حزب الله، فقط علاقات شخصية

ميرزا: التحقيق مستمر، وبعد ذلك سيبيّن ما إذا كان الإفلاس احتيالياً أو تقصيرياً

الناس هم من كانوا يأتون إليه ويطلبون منه استثمار أموالهم
تتحدث المادة 689 من قانون العقوبات عن الإفلاس الاحتيالي، فتنصّ على أنه «يعتبر مفلساً محتالاً ويُعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة حتى 7 سنوات، كل تاجر مفلس أخفى دفاتره أو اختلس أو بدد قسماً من ماله، أو اعترف مواضعة بديون غير متوجبة عليه، سواء في دفاتر أو صكوك رسمية أو عادية أو بموازنته». وفي ما خص الإفلاس التقصيري أو «التقني»، تنص المادة 690 من القانون المذكور على أنه «يعتبر مفلساً مقصراً ويعاقب بالحبس من شهر إلى سنة، كل تاجر متوقف عن الدفع، في الحالات التالية: إذا كان قد استهلك مبالغ باهظة في عمليات وهمية على البضائع أو بالبورصة. إذا أقدم بعد التوقف عن الدفع وفي سبيل تأخير الإفلاس، على شراء بضائع لبيعها بأقل من ثمنها، أو عقد للغاية نفسها قروضاً أو تداول بسندات أو توسل بطرق أخرى مبيدة للحصول على المال. إذا أقدم بعد التوقف عن الدفع على إيفاء دائن أضراراً بكتلة الدائنين. وأخيراً، إذا وجدت نفقاته الشخصية أو نفقات بيته زائدة عن الحد».
أمّا في ما خص المادة 666 «الشيك بدون مقابل»، التي شملتها الدعوى المقدمة بحق عزّ الدين، فتنص على أنه يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبالغرامة من مليون إلى أربعة ملايين ليرة لبنانية، كل من أقدم على سحب شيك دون مؤونة سابقة ومعدّة للدفع، أو بمؤونة غير كافية. كذلك يُحكَم عليه بدفع قيمة الشيك، مضافاً إليه بدل العطل والضرر إذا اقتضى الأمر، وفي حال التكرار تطبق أيضاً إضافة عقوبات التكرار.
لا تنتهي هنا سلسلة المواد القانونية التي شملتها الدعوى القضائية بحق عزّ الدين، فالشكوى المقدمة تضمنت أيضاً «الأحتيال»، وتنص المادة 655 من قانون العقوبات على أن كل من حمل الغير بالمناورات الاحتيالية على تسليمه مالاً منقولاً أو غير منقول، أو إسناداً تتضمن تعهداً أو إبراء أو منفعة واستولى عليها، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبالغرامة من مئة ألف إلى مليون ليرة لبنانية. تجدر الإشارة إلى أن بعض الأعمال تندرج أيضاً في إطار «المناورات الاحتيالية»، بحسب القانون، وهي الأعمال التي من شأنها إيهام المجنيّ عليه بوجود مشروع وهمي، أو تلفيق أكذوبة يصدقها المجني عليه نتيجة تأييد شخص ثالث، ولو عن حسن نية، وغير ذلك.

المغتربون والمقيمون

لم تقتصر الأعمال التجارية لصلاح عزّ الدين على لبنان، فهو وإن كان قد انطلق من لبنان في مشاريعه، إلا أن الأرباح التي كان يجنيها، إضافة إلى تراكم الخبرة، دفعته إلى توسيع رقعة استثماراته، وذلك في حقول البناء والعقارات والمشاريع السياحية إضافة إلى تجارة المعادن، من حديد وذهب ومشتقات نفطية، بين أذربيجان والجزائر وعدد من الدول الأفريقية.
من المعروف أن للبنان جالية نشطة في دول القارة السمراء، وهم في غالبيتهم من أبناء قرى جنوب لبنان، فقد أسهم الاحتلال الإسرائيلي سابقاً في دفع أعداد كبيرة منهم للهجرة إلى الخارج، طلباً للرزق وتحصيلاً لمقومات الحياة. اشتهر مع الوقت عدد من هؤلاء المغتربين في أفريقيا، من خلال ما كانوا يضخونه من أموال في قراهم عبر إعمار المدارس والمساجد والحسينيات، إضافة إلى افتتاح العديد من المشاريع الاستثمارية التي وفّرت العمل لعدد كبير من أبناء الجنوب.
سامر، شاب جنوبي من قرية قبريخا، هاجر إلى نيجيريا قبل 14 عاماً. جمع خلال هذه المدة «تحويشة العمر»، وكان في كل يوم يحلم بالعودة إلى ربوع قراه، حيث نشأ وترعرع. خسر سامر 150 ألف دولار أميركي في الاستثمارات المالية لعزّ الدين. يكابد الدمع في عينيه وهو يتحدث، محاولاً تصنّع البسمة، «الرجل كان آدمي، والكل حمد وشكر فيه قبل ما نحط ثقتنا عنده، ولكن صار يلي صار شو بدنا نعمل. كنت قايل ما بدي ارجع على لبنان إلا لما بدي استقر فيه للأبد، ولكن هياني اليوم رجعت كرمال شوف شو بدي أعمل، عم نتشاور كيف بدنا نتقدم بدعوى قضائية». لم يكن سامر الخاسر الوحيد في عائلته، إذ إن والد زوجته خسر مبلغ 25 مليون دولار أميركي، وهذا المبلغ هو عبارة عن رساميل عدد من المشاريع التجارية القائمة في أفريقيا.
يشير سامر، الذي يعمل مع أقاربه في سلسلة أفران في أبيدجان، إلى وجود «حالة من الصدمة لدى أبناء الجالية، وتحديداً الذين خسروا مبالغ كبيرة، فبعضهم تقبل الأمر على مضض، فيما يشعر البعض الآخر بنقمة على الذين عرّفوهم على مؤسسة عزّ الدين التي تعنى بالاستثمار، ولأنهم دفعوهم إلى الاشتراك من خلال تأكيدهم أهلية عزّ الدين للثقة والأمانة».
بدوره، يشكو علي، الرجل الأربعيني ابن بلدة طورا الجنوبية، من «الطامّة» التي حلّت عليه. يطلق تنهيدة ويضرب بيده على صدره، ويقول: «بعت قطعة أرض بمبلغ 50 ألف دولار. كانت كل ما أملك. طلبت من الحاج صلاح أن يقبل هذا المبلغ ضمن استثماراته، فوافق بعد مدة على طلبي مقابل استفادتي بـ 30 بالمئة من أصل المبلغ سنوياً». ويسهب علي في شرح تجربته «المرّة»، فبعد أن أعجبته في البداية فكرة «الربح السهل»، بدأ يخبر أهالي القرية عن هذه التجارة «التي تمارس من المنزل». اقتنع عدد منهم بالفكرة، وأعطوه مبالغ من المال، فأوصلها بدوره إلى عزّ الدين. أفلس الأخير، واليوم يندب علي حظّه، فهو قد خسر ماله الشخصي، إضافة إلى أنه بات مطالباً من أصحاب الأموال.
أحد العارفين بعزّ الدين، أشار إلى أن بعض «المودعين» قد خسر مبلغ 100 مليون دولار جراء الإفلاس الذي حصل. وفي المقابل، ينتقد «أولئك الذين يهاجمون الحاج صلاح اليوم، بعدما كاد بعضهم يقبّل يديه لكي يقبل منه المال، بل إنه أحياناً كثيرة كان يتهرب من قبول هذه الطلبات، وقد أصبح اليوم «مادوف لبنان» (نسبة إلى رجل الأعمال الأميركي المحكوم عليه بالسجن 150 عاماً، بعدما اتُّهم بالاحتيال وغسل الاموال والتلاعب والسرقة، وكانت الخسائر بنحو 60 مليار دولار).
تداولت وسائل الإعلام العالمية قضية عزّ الدين باهتمام بارز، فالصحف الإسرائيلية لم تقبل بأن ينتشر الخبر من دون أن تضع لماستها عليه، فنقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مصادر اسرائيلية قولها إن «اعتقال رجل الأعمال الشيعي اللبناني صلاح عز الدين صديق (الأمين العام لحزب الله السيد) حسن نصر الله، في مطار بيروت لدى محاولته الهروب من لبنان، أدى إلى تضاعف استياء المسؤولين في حزب الله». أما الكابوس الأكبر، بحسب الصحيفة الإسرائيلية، فهو «ما سيعاني منه كبار المسؤولين في الحزب، الذي يكمن بما سيقوله عز الدين للمحققين بشأن مصادر الأرباح التي جناها حزب الله من التجارة بالمخدرات والأسلحة».
ذكرت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية أن أحد المسؤولين في المصرف المركزي اللبناني نفى أن تكون قضية «أموال عز الدين» تمثّل كبوة للرقابة المصرفية، التي يديرها المصرف المركزي. وأوردت عن المسؤول الذي لم يرغب بالكشف عن اسمه قوله: «لقد أدار عز الدين استثماراته بصورة شخصية، لا بأسلوب المؤسسات أو البنوك الاستثمارية، ما يجعل نشاطاته بالتالي خارج إطار رقابة المصرف المركزي».


بطاقة هوية

وُلد صلاح عزّ الدين عام 1962 في بلدة معروب ـــــ جنوب لبنان. هو كبير إخوته الثمانية، أربعة شبان أحدهم متوفّى، وأربع فتيات. حاصل على إجازة في العلوم السياسية، وقد عمل بعد تخرّجه ناظر مدرسة في منطقة الشياح في الضاحية الجنوبية لبيروت. وقد عمل أيضاً في مساعدة والده في محل للتنجيد. تزوّج الشاب صلاح في منتصف الثمانينيات، وله اليوم أربعة أولاد. ذهب في نهاية الثمانينيات لأداء فريضة الحجّ، وهناك أُعجب بفكرة تنظيم رحلات سنوية إلى الحجّ. قرر أن يؤسس عملاً خاصاً به، فبدأ مع شريك له بتسيير «حملة السلام»، لكن في منتصف التسعينيات انفصل عن شريكه، وأسس حملة «باب السلام». إضافة إلى ذلك، دخل عالم التجارة والأعمال، فتوزّعت مؤسساته التي أنشأها في لبنان والخارج، على العديد من القطاعات مثل النفط والحديد، إضافة إلى أعمال نشر الكتب والمطبوعات. تجدر الإشارة إلى أنّ «دار الهادي» العائدة لعزّ الدين قد خُتمت بالشمع الأحمر يوم الخميس الماضي، وذلك بعد أربعة أيام من إعلان إفلاسه وتوقيف القوى الأمنية له.


هكذا «هدم» صلاح عز الدين أحلام المغتربين

يارون ــ داني الأمين
أصيب أهالي بلدة يارون في قضاء بنت جبيل بالصدمة، بعد سماعهم نبأ إفلاس رجل الأعمال اللبناني صلاح عزّ الدين. لا شيء إلا الصدمة. طال الإفلاس العشرات، وربما المئات، من أبناء البلدة، وخصوصاً الفقراء منهم. تسري شائعات في البلدة، أن خسارة يارون المالية وحدها، تقارب مبلغ 140 مليون دولار، إلا أن مصدر مصرفي تجاوز ذلك بالقول: "أعتقد أن الخسارة تزيد عن 300 مليون دولار». يتحفّظ أغلب مغتربي يارون الموسرين، على ذكر أسمائهم لدى الحديث عن خسائرهم المالية، كما يتحفّظ الجميع على اتهام عزّ الدين بالغشّ أو الاحتيال، «لأنهم أكثر من وثق يه بعد أكثر من 13 عاماً من التعامل معه». وفي هذا الإطار، يقول رئيس البلدية السابق كمال رضا «لا ندين أو نبرّئ عزّ الدين، بانتظار نتائج التحقيق، لكن ما أعرفه أن أبناء البلدة كانوا يذهبون إليه ويطالبونه باستثمار أموالهم، حتى أن أحد الأشخاص من الذين أعرفهم أودع مبلغاً كبيراً عنده، وطالبه بضمان المبلغ المودع، لكن عزّ الدين قال له لا أضمن لك أصل المبلغ فلست أنا من طلب منك أن تستثمر أموالك».
كان عز الدين، ووفقاً لما يقوله أهالي يارون، يرفض استثمار المبالغ المالية القليلة. ويعلق أمام البلدة الشيخ حسن سليمان على هذه النقطة تحديداً، فيؤكد أن «أكثر من 40% من أبناء يارون اضطروا إلى تجميع مدّخراتهم ومشاركة غيرهم فيها، لتصبح كبيرة، تمهيداً لإيداعها عند صلاح عزّ الدين، ومن بين هؤلاء فلاحون وعمال استطاعوا جمع خمسين ألف دولار بعد سنوات طويلة من العمل المضني لتأمين مستقبل أبنائهم». ويقول المختار علي غشام إن «أحد أبناء البلدة حصل على قرض مالي من البنك بعد رهن منزله، ثم أودع المبلغ عند عزّ الدين، ولا أعلم ماذا سيفعل الآن». ع.ص، أحد مغتربي البلدة، الذي عاد هذا الصيف لأول مرّة بعد عشرين عاماً من الهجرة، حاملاً معه «جنى العمر» (500 ألف دولار)، يعلن الكارثة: «حضرت إلى هنا مع زوجتي وأولادي، وأودعت كلّ مالي عند عزّ الدين لاستثماره في تجارة الذهب على أمل أن أحصل على 80% من الأرباح بعد ثلاثة أشهر فقط، ونحن اليوم لا نستطيع العودة بسبب عدم توافر المبالغ اللازمة لشراء «تكت» الطائرة رغم أن أولادي مضطرّون لذلك لإكمال دراستهم الجامعية». هذه القصّة هي واحدة من عشرات القصص في يارون، والجميع أودع أمواله بدون أية ضمانات قانونية. كمال رضا، مواطن آخر، يشرح قصة الضمانة فيعلن أن الضمانة الوحيدة «كانت الثقة بعزّ الدين، بعد 13 سنة من تعامل أبناء البلدة معه، إضافة إلى شيك بأصل المبلغ المودع بدون تأريخ، والذي لا يسحب من المصرف إلا بعد سنة بحسب الاتفاق، على أمل أن تستحقّ الأرباح بعد 6 أشهر من تاريخ الإيداع، لكن أبناء البلدة من المودعين كانوا يضيفون هذه الأرباح على المبلغ المودع، وإذا أضطرّ أحد سحب المبلغ فعليه أن يعلم عزّ الدين بذلك قبل شهر على الأقل».


في معروب: انه متّهم؟... غير متّهم؟

كامل جابر
تخيّم هيبة الانتظار على العديد من القرى الجنوبية التي دخلت أسماؤها في قضية صلاح عز الدين، من خلال استثمار العديد من أبنائها في مشاريع عز الدين. يبدو بعض من «تورّطوا» في هذه التجارة ذات الأرباح الطائلة التي وصلت إلى حدود 40 في المئة، كأنهم ينتظرون «غيثاً» ما، ويعوّلون على تدخّل ما لـ«حزب الله» لإعادة ما خسروه أو تعويض جزء منه.
اللافت أن غالبية المتضررين لم يقرّروا حتى الآن أن يدخلوا في أية مواجهة علنية مع الرجل، إن من خلال القضاء والمحاكم، أو حتى من خلال التفوّه بأدنى كلام قد يسيء إلى سمعته أو في الحد الأدنى اتهامه بالاختلاس أو التقصير أو حتى المغامرة بأموالهم. ما زالوا يصرّون على ثقتهم به والتحدّث طويلاً عن مزاياه «الإنسانية والأخلاقية» و«تسويق» قضيته كأنه وقع ضحية مؤامرة ما، قد يكون للموساد الإسرائيلي ضلع فيها.
في معروب، مسقط رأس صلاح عز الدين، يبدو الأهالي كهيئة محلّفين مدافعين. ثمة حزن يخيّم على البلدة التي تعد نحو خمسة آلاف نسمة، ويشارك أكثر من مئتي شخص أو «عائلة» منهم في تشغيل أموالهم مع صلاح عز الدين. وقلوب أهلها وعقولهم مجموعتان: مجموعة ممن يتحسّرون على ما خسروه من أموال، والآخرون يتحدثون عن «كارثة» صلاح عز الدين وما حلّ به من أزمة مالية ضخمة.
يقول علي عز الدين: «قلوبنا حزينة على ما حلّ بالحاج صلاح، فهو له أياد بيضاء في كل القرية، وأيام عدوان تموز 2006 وقف إلى جانب أهله ووزع عليهم مبالغ تساعدهم في محنتهم، وتخفّف عنهم آلام التهجير والتدمير».
محمد جواد دبوق كان يعمل في شركة «جلول» وقبض تعويض الخدمة ووضعه بين يدي ابنته وصهره من أجل تشغيله في مؤسسات عز الدين، «أنا لو راح المبلغ عليّ، رغم حاجتي إليه، فلن أقول إلا: الله يسامحه. لهذا الرجل كثير فينا وبيننا، ولن نتخذ أي إجراء قد يضرّ به حتى لو خسرنا أموالنا». لدبوق حوالى 15 مليون ليرة عند عز الدين ولابنته أكثر من عشرين مليوناً. أما صهره فرج موسى فله 25 ألف دولار. يقول دبوق إنّ صهره لو خسر كل المال الذي ادّخره فإنه «فلن يقوم بأي تحرك قد يضرّ بالحاج صلاح أو يسيء إليه، وسيسامحه به».
أبو وسام من أبناء معروب يؤكد أنّ «من المستحيل أن يتقدم أحد من معروب ومن خارج معروب بشكوى ضد الحاج صلاح». أما علي عز الدين، فيطالب بالإفراج عن المستثمر الكبير»من أجل إتاحة الفرصة أمامه لحل هذه المشكلة، وأنا على يقين من أنه سيحلّها، لأنّ من الله معه، فلن يتخلى عنه».
ثمة كلام حذر يلخص به رئيس بلدية معروب المحامي حسين فنيش الوضع القائم في البلدة، بعد إعلان قضية صلاح عز الدين، «الوضع مبهم جداً ويلفّه الغموض والناس حيارى، يتحسّرون على أموالهم من جهة، وقلقون على الحاج صلاح من جهة ثانية. الناس يعانون عذاباً نفسياً، وفي الوقت ذاته لن يتجهوا نحو إدانة الحاج صلاح».
يلفت إلى أن المودعين من أبناء معروب في حالة ترقّب وخوف، ويقدّر المبالغ التي لهم بحوالى خمسة ملايين دولار أميركي «وهم من المودعين الصغار. يسألني الناس عن الوضع، وأجزم بأن هناك تورّطاً مالياً، وحجم المال هو الذي يصنّف الورطة. التحقيق لم يزل في بدايته، ولم تتأكد فرضية وجود إفلاس احتيالي أو تقصيري. الإفلاس المالي واقع، والرقم الإعلامي المتداول حوالى مليار و290 مليون دولار أميركي. أما الرقم السياسي فيتردد أنه لا يتعدى 500 مليون دولار أميركي. فالأرقام التي تطرح تشمل مجموع الأعمال والمشاريع أو مجموعة الإيداعات، والغموض يترك الاجتهادات والشائعات. وفي رأيي، ما دامت التحقيقات في القضاء، فليترك له تحديد الأسباب».
يعلّل فنيش هذا الغموض «بالطابع السرّي للتحقيقات التي هي ليست أمام محكمة مدنية لتحديد الإفلاس، بل في المباحث الجنائية ذات الطابع السرّي، والبوح فيها ممنوع. إنّ التحقيقات ستكشف ما هو سبب التعسّر المالي، وإذا كان مردّه إلى سوء الإدارة أو إلى الدخول في مشاريع من دون تقويم ارتداداتها، وتاريخ بروز النكسة الأولى، وإذا كان ثمة من توجّه إلى الشروع في إفلاس تقني أو طبيعي، احتيالي أو تقصيري. ليس هناك من إفلاس قانوني، بل واقعي تتحدث عنه الصحف». ويؤكد أن «عدم توجّه الناس للادّعاء عليه، لأنهم يثقون به أكثر من أي شيء آخر».
ويشير فنيش إلى أن ممتلكات صلاح عز الدين الفعلية والعينية قد تسدّ ربع الخسائر،«إذا لم تتجاوز هذه الخسائر حدود مليار دولار».