حسن خليل



لإرسال رسالة الى المحرر، انقر هنا

عبد المنعم قبيسي، إمام الجالية اللبنانية في أبيدجان، يُمنع من الدخول إلى شاطئ العاج، وهو يحمل جنسية هذا البلد. حرق محالّ للبنانيين في الغابون نتيجة تجاذب سياسي داخلي في الانتخابات الرئاسية. وزارة الخزانة الأميركية تصدر تعميماً يمنع التعامل مع آل تاج الدين. لبنانيون مهدّدون دوماً في العواصم الأفريقية التي أصبحت أقرب إليهم وأحبّ وأوفى من بلدهم الأصلي. أولادهم يتفاخرون بجنسياتهم الأفريقية، وأصبحوا من أشرس المتربّصين ضد التفرقة العنصرية، ولكن في لحظة ما يشعرون بما يهدّد جذورهم.
أبو ظبي تبعد 35 لبنانياً، بعضهم أمضى أكثر من 25 عاماً يعتاش في هذا البلد الكريم ويخدم فيه.
هل القصة مرتبطة بجنسية أم بمذهب؟
الحوثيون ما زالوا في قتال شرس مع السلطات اليمنية. العراق في أزمة عميقة مع جارته سوريا، قد تتفاقم لتعيد محاولة حصار النظام السوري بعد فشل المحاولة الأولى المتعلّقة بالملف اللبناني. غزة ما زالت محاصرة بعد القصف المتوحش الذي تعرضت له، وأصبح جلياً أن المطلوب من الجميع نسيانها ونسيان مأساتها، وحتى نسيان فلسطين كلها.
ولكن الأهم هو عودة الملف الإيراني إلى واجهة الأحداث والتجاذبات الدولية ضمن موازين القوى العالمية. تهديد بعقوبات قاسية، منها وقف تصدير المشتقات النفطية إلى إيران، وحصار مالي قاسٍ وحظر التعاملات التجارية والاستثمارية.
هل من ترابط بين كل هذه الأمور والتطوّرات؟ وهل أصبحت تركيا «أكبر دولة عربية» تستهيب المخاطر الآتية، محاولةً استنباط ما تستطيع من وساطات من جهة، ونصائح بالتواضع في المواقف والتصرفات من جهة أخرى.
من الواضح جداً أن العرب، المعنيّين الأوائل بالصراع مع الكيان، الذي زُرع في المنطقة، والذي قال عنه ديسموند توتو إنه الثمن الذي يدفعونه بدون ذنب لتغطية ذنب أوروبا في الاضطهاد ضد اليهود، هؤلاء العرب أصبحوا فريقين لا ثالث لهما: فريق يريد أية تسوية مع إسرائيل والغرب، ولو وصلت إلى حد إعلان هزيمة تاريخية لهم غير مُعلنة. لم يقتنع هذا الفريق بعد بأن أية تسوية سلمية مع إسرائيل غير ممكنة حتى الآن لأسباب رئيسية، أهمها أن الفكر الصهيوني قائم على العنف لا العكس، وأن هذا الفكر قائم أيضاً على الفوقية واللاإنسانية. أي إن أية تسوية ستبقي إسرائيل صاحبة اليد الطولى في المنطقة، وستبقي مأساة الشعب الفلسطيني مستمرة في الضفة وغزة وتستمر معها مآسي أهل المخيمات. وصمة عار لا يتحملها أحد بصورة مستمرة. إذاً لم يقتنع هذا الفريق بعد بأن المشكلة ليست في إيديولوجية طرف «يريد إبادة إسرائيل». هو يعرف أنه يمكن تجاوز هذه الإيديولوجية في المدى المنظور. ولكن المأزق هو في غياب طرف تقيم السلام معه. هل تتوهّم مثلاً بعض الأطراف اللبنانية التي تطالب بإخراج لبنان من دائرة الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي أن المشكلة هي فعلاً في المقاومة، وكأن ليس لإسرائيل مطامع في الأرض والمياه والثروات النفطية، فضلاً عن هدفها ضرب النموذج اللبناني (الذي لا يُفتخَر به أصلاً). هل منهم مَن يتوهم أن إسرائيل كيان مسالم يحب الحوار ولكن «العرب الأشرار» هم المعتدون عليه؟
في المقلب الآخر، فريق ممانع يتمثّل ببعض الدول وحركات المقاومة. يعلم هذا الفريق أنه لا يمكنه خوض صراع عسكري وحده، وخصوصاً بعد ظهور دلائل إلى إمكان اصطفاف غير مسبوق لبعض الدول العربية إلى جانب الغرب وإسرائيل في حال حصول صراع كهذا، وبالتالي اختار خط الممانعة والتصدي في لعبة إنهاك مستمرة منذ سنوات.
القصة إذاً ليست شيعةً وسنّة. فغزّة ليست شيعية ولا حماس كذلك، وإيران وسوريا نظامان في صراع إيديولوجي مع إسرائيل، وليسا نظامين قائمين على مبادئ مذهبية في التعامل الدولي.
إذاً لماذا تاريخياً يدفع بعض اللبنانيين في أفريقيا، والآن في بعض الدول العربية، الثمن عن صراع هم في وسطه لا مَن اصطنعه؟ اغتربوا من أجل لقمة العيش لا لكي يكونوا ضحية صراع تاريخي. وإذا كان البعض منهم من بيئة رفضت الرضوخ والانصياع للجبروت الإسرائيلي، تماماً كما هي حال غزة وبعض الضفة الغربية، فلا يمكن القبول أن يكونوا كبش محرقة لمَن يريدهم «فشّة خلق» في مكان ما. ومَن كان متفائلاً بدور للدولة في حمايتهم فهو متوهّم. الخارجية تتحرك فقط عند مأزق ما، ولكن حتى الآن لا استراتيجية لحصانة الاغتراب اللبناني. كيف ذلك إذا كان حتى الاغتراب مفروزاًَ مذهبياً؟
أما برنارد مادوف الضاحية، الأخ صلاح عز الدين، وفي ضوء ما يحلّ باللبنانيين في الخارج، فله «شكر خاص» على ما فعله. لا حول ولا قوّة إلّا بالله، وللحديث تتمّة في المستقبل القريب.