أمّنت مفوضية الأمم المتحدة وتعميم وزارة التربية اللبنانية لأولاد اللاجئين العراقيين دخول مدارس لبنان، لكن من يضمن بقاء هؤلاء الذين تعرضوا لزلزلة حرب العراق في صفوفهم، وخصوصاً أن بعضهم لم ينجح بتخطي الصدمات


فاتن الحاج
انتظر حسين (17 سنة) ست سنوات للعودة إلى المدرسة فهل يغادرها ثانيةً؟ كان عمر الفتى العراقي 10 سنوات حين أتى به والداه قسراً إلى لبنان. لكن الابن البكر لم يكن يتوقع يوماً أن تأخذه الظروف المستجدة للأسرة إلى حيث لا يريد. فجأة، وجد نفسه «عم بشتغل كل شي». لم يكن الفتى يكترث لنوع العمل الذي كان يقوم به، فالمهم «أن أساعد أبي الذي كان يدفعني إلى الشارع كلما عجز عن إعالتنا بسبب وضعنا غير الشرعي». ماذا حلّ بالأب بعد ذلك؟ ماذا عن الأم؟ عبثاً تحاول أن تسحب الإجابة من الفتى الكتوم فكل ما قاله في هذا الخصوص: «الأب مش موجود والأم شو بدِّك فيها، وفي رقبتي أربعة إخوة في عمر المدرسة». لكن الهمّ الذي يعلو وجه حسين يخفي وراءه ممانعة ظهرت أولى علاماتها مع قرار عودة الفتى إلى المدرسة في العام الدراسي الماضي. نسأل: «هل هو هرب من الواقع إلى الدرس؟». «لم أترك الدرس لأهرب إليه»، يجيب حسين، في إشارة إلى أنّه كان يطالع ويقرأ الجريدة كي لا يبتعد عن الجو، ولما سنحت له الفرصة عاد وواظب كي ينجح. حصل ذلك من دون أن يتغيّر شيء في الواقع، كما يقول، بل إنّ الأمر يزداد سوءاً مع ارتفاع الأسعار وازدياد الإيجارات. وإذا كان حسين قد تخلى عن عمله في الشتاء، ما عدا يوم السبت، والتحق بعد الظهر بصفوف التقوية لمؤسسة عامل، يبدو الأمر صعباً هذا العام بعد عثوره على عمل دائم بداوم يراوح بين الثامنة صباحاً والحادية عشرة ليلاً. هل يعني ذلك أنك ستنقطع عن الدراسة مجدداً؟ «معقولي والله مش عارف»، يقول بحسرة. ثم يفاجئك بكلام أخير عن تقاعس الهيئات المهتمة بشؤون اللاجئين العراقيين عن مساعدة أسرته «فش ولا منظمة قالت حرام هيدي العيلة تعوا لنساعدها، إلاّ مؤسسة عامل».

البيئة المدرسية اللبنانية غير مستعدة لقبول التلميذ العراقي
يقودك هذا الكلام إلى السؤال عما إذا كانت هناك كوتا معينة تفرضها المنظمات غير الحكومية لتوزيع المساعدات المدرسية. لكن ديالا دعبول، المسؤولة التربوية في مجلس كنائس الشرق الأوسط، وهي الجهة المعنية، إلى جانب كاريتاس، بتقديم هذه المساعدات، تنفي أن تكون هناك شروط سوى حصول الأسرة على بطاقة لجوء من المفوضية العامة لشؤون اللاجئين، على أن يجري التنسيق مع كاريتاس كي لا تستفيد الأسرة من المساعدة مرتين، أي أنّ الهيئتين تقدمان المبالغ نفسها، وهي عبارة عن 600 ألف ليرة لبنانية لتلامذة صفوف الروضة الأولى حتى السادس الأساسي، و825 ألفاً لصفوف المرحلتين المتوسطة والثانوية. ومع أنّ مفوضية اللاجئين والهيئات الشريكة تنصح الأهل بإرسال أولادهم إلى المدارس الرسمية بما أنّ المبلغ الذي يعطى للأهل هو نفسه في المدارس الرسمية والخاصة، فإنّ إحصاءات المفوضية تشير، بحسب المسؤولة الإعلامية لور شدراوي، إلى أنّ ثلثي الطلاب يلتحقون بالمدارس الخاصة والثلث بالمدرسة الرسمية! أما السبب فهو، كما تقول، تفضيل اللاجئين العراقيين المدارس الخاصة ظناً منهم أنّها تمنح أولادهم تعليماً أفضل. وقد شجعهم على ذلك إصدار وزارة التربية والتعليم العالي تعميماً عام 2008 طلب فيه المدير العام للتربية فادي يرق من المدارس الرسمية والخاصة «استقبال التلامذة الحاملين بطاقة لاجئ موقعة من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي تأخذ على عاتقها استكمال لوائح اللاجئين مع سائر الجمعيات ثم تودع وزارة التربية والتعليم العالي هذه اللوائح لتعتمدها في تبرير أسماء هؤلاء التلامذة وتسوية أوضاعهم».
جاء ذلك بعد قرار صادر عام 1999 فتح الباب «لقبول تلامذة غير لبنانيين في المدارس الرسمية الابتدائية والمتوسطة في الحالات الاستثنائية التي تبقى فيها مراكز شاغرة. وتستقبل الإدارات جميع طلبات التلامذة بمن فيهم أولاد لاجئي المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان الذين يرغبون في الالتحاق بها دون النظر إلى جنسياتهم، إذا كانوا يستوفون شروط الانتساب إلى هذه المدارس».
هكذا، ساهم التعميم الوزاري من جهة والمنح التعليمية التي طالت في العام الدراسي الأخير 1525 طفلاً عراقياً من جهة ثانية، في التحاق الأطفال اللاجئين الذين تراوح أعمارهم بين 4 و17 سنة في المدارس.
لكن ماذا عن تسرّب الباقين؟
مع أنّ مفوضية الأمم المتحدة ترسم سياسات تربوية لاحتضان جميع الأطفال، كما تقول شدراوي، لكن هناك أشخاصاً بعمر 13 أو 14 سنة خسروا سنوات كبيرة من التعليم، يصبح معها التعويض أمر صعباً، إن لم يكن مستحيلاً. ومن الأطفال اللاجئين في عمر المدرسة من هم موجودون خارجها بسبب الوضع غير الشرعي للعائلة أو الوضع الاقتصادي والمعيشي الصعب، ما يضطرهم للعمل لمساعدة أهاليهم، على خلفية أنّ الحماية تتوافر للصغار على نحو أكبر.
وأكثر من ذلك، يبدو أنّ السبب الرئيسي للصعوبات التعلمية هو الاختلاف بين المنهجين الدراسيين اللبناني والعراقي، إذ تغيب اللغة الأجنبية في السنوات الدراسية الأولى، فيما يستمر تدريس المواد العلمية باللغة العربية في كل مراحل التعليم العام ما قبل الجامعي. لكن مراقبة التسرب المدرسي باتت الآن من أولويات المفوضية والمنظمات الشريكة، على حد تعبير شدراوي، إذ «ننظم زيارات ميدانية إلى المدارس والمنازل لنتأكد من حضور التلميذ إلى المدرسة، فنتدخل لمعالجة المشاكل مع الإدارات والأهالي».
سبب آخر يعوق الانخراط في التعليم تتحدث عنه سوزان جبور، مديرة مركز «ريستارت» الذي يتابع الأوضاع النفسية والاجتماعية للاجئين العراقيين، هو مدى جهوزية البيئة المدرسية اللبنانية لقبول الطفل العراقي. تسأل: «هل أطفالنا متحسسون للقضية العراقية؟». ليس بعد، تقول، فتجربة اللجوء سيئة باللاوعي اللبناني، واللاجئ إشكالية بالنظر إلى اللاجئين الفلسطينيين! تضيف: «كثيراً ما ينبع التمييز من محاكمة الطفل العراقي على لهجته الغريبة عن الثقافة اللبنانية».
يضاف هذا الواقع إلى المشاكل والاضطرابات النفسية والسلوكية لدى الأطفال الذين تعرضوا مباشرة للخطف والتعذيب خلال الحرب العراقية. هؤلاء يعانون صعوبات تعلمية ونقصاً في الانتباه والتركيز مع الحركة الزائدة. ولا تخفي جبور أنّ الصدمات تستطيع أن تسبب المشاكل نفسها التي سببتها العوامل الوراثية. هنا يكون تدخل المركز فردياً أي معالجة كل حالة على حدة، عبر فريق متعدد الاختصاصات النفسية والاجتماعية.
في كل الأحوال، يصبح عامل التدخل من أجل تحسين الأهالي لأوضاع أبنائهم على المستوى النفسي والتربوي ثانوياً أمام هاجس اللااستقرار وتأمين لقمة العيش. لكن، يبقى لكل فرد تركيبته النفسية، كما تقول جبور، فالبعض يعيش تحدياً مع الذات، فيتحول الإحباط إلى نوع من الثورة ويكون التعويض بالتفوق، بينما يعيش البعض الآخر أوضاعه بدراماتيكية تدمره، فلا يستخلص الدروس من المعاناة.


العلاج بالمسرح

عندما يطلب من لميا (12 سنة)، التلميذة العراقية في إحدى المدارس الرسمية، استخدام المسرح كوسيلة للتعبير عن مكنوناتها، تختار الأدوار «القوية» مثل الساحرة الشريرة أو الأب أو الأم العنيفين. تلعب الدور بواقعية تظهر في تعابير الوجه وحركات اليد والجسد. هي تتنفس بهذه الأدوار، كما تقول نيبال صياد، المسؤولة عن صفوف التقوية في مركز المرحوم مسلم عقيل والشهيد بشار مهنا في مؤسسة عامل. «ربما لتعوّض عن كونها شخصاً مستضعفاً في المنزل والمدرسة».
تخبرنا لميا كيف تعاني التمييز «المعلمة تصدق الأكاذيب التي ينقلها رفاقي عني وهؤلاء يضايقونني لأنني عراقية ولهجتي تختلف عن لهجتهم». ما يعزيها أنّها لم تعد تعاني مشكلة في اللغة الإنكليزية التي لم تكن تعرفها. فبعد خضوعها لصفوف مكثفة يومية في مركز عامل باتت قادرة على القراءة والكتابة واستطاعت اجتياز المادة بنجاح. هنا تثير صياد مسألة سوء فهم بعض الأهالي لدور صفوف التقوية: «نحن نعلّم الأولاد كيف يعالجون المسائل ولا نكتب لهم فروضهم».