طرابلس ــ عبد الكافي الصمد

لم يتردد محمود قرحاني، سائق التاكسي الذي يعمل على خط التل ـــــ القبة في طرابلس، في اتخاذ قرار عدم سلوك طريق «بوليفار» نهر أبو علي، نزولاً أو صعوداً، إلا بعد انتهاء شهر رمضان، لأنّ «المشوار» الذي لا يحتاج عادة إلى أكثر من 5 دقائق لاجتيازه بين المنطقتين، «صار بدّو أكتر من ساعة، وهيدي شغلة ما بتوفّي معنا»، كما يقول.
الزحمة الخانقة التي تشهدها الطريق المذكورة، للسيارات والمارة، دفعت قرحاني وأمثاله إلى الابتعاد عن عبورها، مع أنها الأوفر والأقصر بين المنطقتين، لكنّ «أهالي الضيع الذين بدأوا بالنزول إلى البلد في العيد سبّبوا زحمة كبيرة»، على حد تعبير حسام العلي.
لا تعود أسباب الازدحام إلى كون المنطقة مكاناً لتجمّع الأسواق التقليدية (سوق الأحد، سوق البازركان، سوق النحاسين، خان الخياطين وسوق المفروشات في التربيعة) فحسب. والزحمة ليست فقط بسبب المحال التجارية الشعبية التي تستقطب أكبر عدد من الزبائن الذين يأتون إليها من داخل طرابلس وخارجها للتزوّد بحاجاتهم في رمضان وعيد الفطر، بل لأن أشغال تأهيل سقف نهر أبو علي وضفتيه، ضمن مشروع الإرث الثقافي، التي وصلت إلى مراحلها الأخيرة، لم تنته بعد، ما جعل أسباب الازدحام فيها مضاعفة.

أشغال تأهيل سقف نهر أبو علي هي السبب الرئيسي في الزحمة
لكن هذا المشهد لم يقتصر على هذه المنطقة وحدها. فشارع التل وساحته الرئيسية، وسط طرابلس، تحوّلا إلى «كاراج» كبير للسيارات، قبل أن تتسع مساحة هذا «الكاراج» لتشمل منطقة الزاهرية وشارع عزمي (أشهر شارع في طرابلس لبيع الملابس والأحذية)، وشارعي المئتين والجميزات وطريق الميناء (حيث تباع الحلويات الطرابلسية الشهيرة)، وصولاً إلى شارع نديم الجسر، الذي توجد فيه محال «حديثة» لبيع أحذية وملابس وأدوات تجميل تحمل ماركات محلية وأجنبية مشهورة.
«ركنت سيارتي بعيداً وقمت بجولتي سيراً على الأقدام أكثر من 8 كلم حتى أنهي أشغالي»، يقول محمد صيادي وهو يشير إلى «معاناته» في التجوال بسيارته في شوارع «ما عاد فينا نحط إجرنا فيها، وخصوصاً في ساعات بعد الظهر وصولاً إلى ساعات الفطور وما بعده».
وإذا كانت فترة الفطور البسيطة (قرابة نصف ساعة) هي الوحيدة التي تكون فيها شوارع طرابلس شبه خالية من السيارات والمارة، فإن الساعات التالية، وصولاً إلى ساعات الفجر الأولى، «تحوّل طرابلس إلى مكان لا ينام أحد فيه، إن في الأسواق والساحات أو المقاهي والمطاعم، وهي التي تعوّدت في غير شهر رمضان أن ينام أهلها مع الدجاج»، يقول محمد السوسي معلّقاً قبل أن يضيف: «تخيّل أن طرابلس استيقظت أمس الساعة الثالثة فجراً على عجقة السير فيها!».