حسان الزين



لإرسال رسالة الى المحرر، انقر هنا

هل يمكن الحزب الشيوعي اللبناني، الذي أطلق المقاومة الوطنية اللبنانية رداً على الاجتياح الإسرائيلي وتحت الاحتلال في أيلول 1982، أن يُنتج حالة مثلها، كي لا نقول تتجاوزها، الآن؟
السؤال لا يتوسّل بداهة القدرة على تكرار التجربة العسكرية أو استمرارها. قصد السؤال واقتصاده هل يمكن هذا الحزب، الذي يحتفل بعد شهر من الآن بعيده الخامس والثمانين، أن يولّد حالة من هذا النوع البديهي سياسياً.
الجواب، في حالة الحزب الشيوعي واليسار عموماً، سلبي. فهذا الحزب الذي، كما يبدو من مناسباته، يجذب العشرات وربما المئات من الشباب، عاجز عن اختراق المشهد السياسي المعتم مذهبياً، على الرغم من كونه تنظيماً سياسياً عابراً للطوائف والمناطق وتقسيماتهما الآسرة والقاتلة. هو، في الوقت الحالي وإلى أجل غير مسمى، يجذب الشباب ويدخلهم في طاحونته القديمة، من دون أي فاعلية أو أفق. وبعدما كان، مع منظمة العمل الشيوعي مع اختلاف سوسيولوجي وفكري وسياسي كبير بينهما، مصنعاً ولوداً وثرياً للكادرات السياسية والثقافية والاجتماعية، بالكاد الآن يوفّر بيئة عقائدية تعلك عتيقها وتلبس منه. ولا تسكن أرض سجالاته وعناوينها التنظيمية وحتى السياسية بذرةٌ تُنبت تجربة فكرية وسياسية وشخصية أيضاً. الحزب الشيوعي اليوم بهوية قديمة عقيمة. بل إن هذا النادي الإيديولوجي، الذي بقي فيه المحافظون والمكتفون بالشعارات والقشور، نسي أو تناسى أدبيّات كثيرة اقترحها في العقود الماضية، لا سيما بعد مؤتمره الثاني في 1968، ومهدت لتجربته «الوطنية الديموقراطية» الساعية إلى جمع المدني والريفي، العقائدي والسياسي، الثوري والإصلاحي، في مصالحة فكرية وسياسية متنوّعة، عشية الحرب وإبانها خصوصاً... وعندها أنتجت المقاومة الوطنية.
الغريب اليوم، وهو يحتفل بالذكرى السابعة والعشرين لإطلاقه المقاومة الوطنية (مع منظمة العمل الشيوعي ذات المصادر والبيان والعلاقات المختلفة) أنه يطل على مسرح القيم الوطنية متغنّياً بماضٍ لم يقرأه جيداً، كإنسان فَقَدَ الذاكرة يقف أمام صورة قديمة له ولعله يحسبها مرآة. من دون أن يلغي ذلك أن الماضي ماضيه حقاً.
هذا حقه. لا جدال. لكن الأحزاب، ولا سيما من فئة الشيوعي الذي انهارت تجربته الأم في العالم، لا تقوم بالاجترار وتكتفي بلحظة من تاريخها. حتى ولو كانت توازي مقاومة الاحتلال ومصادر الخطر وكَهْرَبة البلاد.
ليس الحق كله على الطليان، كما يحلو للحزب الشيوعي أن يبرر لنفسه انحساره وتراجعه وهامشيته. هذه أقسى درجات السذاجة والكذب على الذات أولاً. وهي، في الوقت ذاته، آفة قبول العجز مغلّفاً بزعم الامتياز الأخلاقي وربما العنصري. فأن لا يقدّم الشيوعيون خطاباً مقنعاً ومعه عمل سياسي لازم للزمن والواقع، وفي الوقت عينه يتكبّرون على العباد تحت شعار أنهم الأفضل (بما في ذلك أنهم غير طائفيين)، فهذه قمّة الادعاء الفارغ من أي مضمون. وهذا الآن من مظاهر الحزب الشيوعي، الذي تتغنى قيادته بأنها لا ترفض أن يبقى في الحزب بضع مئات وعشرات. ففي ادعائها أن هذا دليل نقاء وصفاء. وكأننا إزاء حالة نبوية وربما إلهية. فيما القول إننا مع حالة فكرية مادية تاريخية. وفي الحقيقة مع حزب مأزوم وفكر موروث.
فليتكرّم الشيوعيون ببعض التواضع والنظر إلى خوائهم الفكري والسياسي وبؤسهم الحزبي والتنظيمي. لا باب يُفتح أمامهم قبل ذلك. حتى ولا كتاب بين أيديهم يُقرأ قبل ذلك.
صحيح أن الحزب هذا تعرّض لمأساة تراجيدية تمثّلت أوّلاً بتكالب آلات القتل عليه وهو يقاوم الاحتلال الإسرائيلي ويصرّ على أن الرد على الاغتيال والظلامية هو بالمقاومة، وثانياً بانهيار الاتحاد السوفياتي واستمرار أيديولوجيته في الجمود والستالينية والبريجينيفية، وثالثاً بنزيف القسم الأكبر والأثرى من أعضائه وقياداته الوسطية خصوصاً وهي تقوّم التجربة في بعديها الأيديولوجي والسياسي الحربي، إلا أنه نفسه الحزب ــــ الفكر الذي أنتج المقاومة تحت ضربات الاحتلال وتفكّك تنظيمه وهزيمة حليفه، الثورة الفلسطينية في قاموس تلك الأيام.
لا مبرر حالياً لفقر الدم. وحتى مرض الأيدز الذي ترافق انتشاره مع انهيار الشيوعي، انحسر وما عاد كابوس البشرية. إلا إذا كان بين السطور وخلف الصورة إحساسٌ يُخفي بموت فكري وسياسي، وما النادي الشيوعي اليوم إلا للإكرام.
لست شيوعياً، لكني كمواطن وفرد مستقل أحبّذ وأشجّع وربما أنتخب حزباً يسارياً ديموقراطياً عصرياً ومفكّراً وحوارياً ولا طائفياً يقترح ويعمل ونشعر به... ونثق به.