مرسل مرسل *

تعدّدت المواقف والآراء بشأن موضوع التعرفة الطبية التي أقرّها مجلس الوزراء، قبل أن يصبح مجلساً لتصريف الأعمال، والتي كان آخرها آنذاك تهديد نقيبي أطباء لبنان في بيروت وطرابلس بمضاعفة التعرفة الطبية للاختصاص والصحة العامة، وردّ المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على هذا التهديد. إن الصعوبات والمخاطر التي تهدد الضمان الاجتماعي قديمة ـــــ جديدة ومتعددة، وليس آخرها رفع التعرفة الطبية.
فالعجز في فرعي المرض والأمومة والتعويضات العائلية مستمر منذ خفض الاشتراكات سنة 2001 من 38.5 في المئة إلى 23.5 في المئة، ولا ندري كم هي المبالغ الحقيقية التي أُخذت من دون وجه حق من أموال فرع نهاية الخدمة، وهل تُعاد إليه سنوياً استناداً إلى الفذلكة القانونية التي اعتُمدت؟
وهنا نسأل هل التزم أصحاب العمل والحكومة بما تعهدوا به بتنفيذ طب الأسنان للمضمونين عندما خفضت الاشتراكات سنة 2001؟ وهل التزم أصحاب العمل بدفع الاشتراكات الواجبة عليهم للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي؟ أصلاً لا ندري حجم هذه المبالغ، أهي بمئات أم بآلاف المليارات من الليرات اللبنانية؟ وهل صرّحوا عن العمال المكتومين لديهم للضمان الاجتماعي وبالأجور الحقيقية لعمالهم المصرّح عنهم للضمان؟ والأنكى من كل ذلك تلكّؤ الحكومة في القيام بواجباتها ومسؤولياتها بدفع الاشتراكات الواجبة في أوقاتها عن الأجراء لديها البالغ عددهم نحو ثمانية عشر ألف أجير وأجيرة، ولا سيما مساهمتها بنسبة 25 في المئة من مجمل تقديمات هذا الفرع الواجبة عليها لفرع المرض والأمومة؟


لا أصحاب العمل التزموا بواجباتهم ولا الحكومة، سواء في فرع طب الأسنان أو في دفع الاشتراكات
وهنا نسأل أيضاً مَن هو المسؤول الذي أوصل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى هذه المخاطر التي تهدّده؟ أليست السياسات الاقتصادية والاجتماعية الخاطئة لهذه الحكومة والحكومات المتعاقبة بكل أطرافها، والتي كانت ولا تزال في خدمة مصالح الاحتكارات وأصحاب الرساميل الكبرى؟
إنّ المسؤولية تقع أيضاً على أصحاب العمل الذين لا يفون بالتزاماتهم، وكذلك على الحكومة التي لا تفي بدفع ما يجب عليها للضمان، ومسؤولية وزارة العمل لأنها وزارة الوصاية على الضمان، وكذلك مسؤولية إدارة الضمان، وخاصة ممثلي العمال في مجلس إدارته. إن هذا الواقع في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ينعكس على المضمونين يومياً، حيث الانتظار فترات طويلة لتقديم فواتير الأدوية والطبابة للأفراد، ومن ثم العودة لاستيفائها بعد أربعة أشهر، وانتظار ساعات طويلة أيضاً.
أما المضمونون من العمال في المؤسسات والمصانع والشركات التي لديها مندوب للضمان، فعليهم الانتظار من سنة ونصف إلى سنتين لاستيفاء ثمانين في المئة (80%) من المبالغ التي دفعوها للطبيب والصيدلية والمختبر ومراكز التصوير والأشعة، إذا لم يكن نقص بسبب الفترة الزمنية الطويلة وغيرها من الأسباب.
ولا بدّ من الإشارة إلى أن إقرار مرسوم الضمان الاختياري الذي جاء لأسباب سياسية قد أدى إلى صعوبات مالية ناتجة من خلل في التوازن المالي لهذا الفرع، ما أدى إلى ظلم ومعاناة لهذه الفئة من المضمونين، ويجب الإسراع في معالجتها.
لا شكّ في أن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي هو ثمرة نضالات طويلة وشاقة خاضتها الطبقة العاملة اللبنانية وحركتها النقابية لتحقيقه، يتعرض اليوم لمخاطر حقيقية في تقديماته واستمراره، ما يستدعي موقفاً جريئاً وجديّاً من الحركة النقابية بكل أطرافها وتلاوينها، لا فقط لحماية الضمان الاجتماعي من المخاطر التي يتعرض لها من الحكومة وغالبية أصحاب العمل والرساميل الكبرى، وخاصة في قطاعات التأمين والاستشفاء والدواء والصناعة والزراعة والسياحة، بل لتطوير الضمان الاجتماعي وتوسيع تقديماته وشموله عمال ورش البناء وفئات عمالية واجتماعية جديدة، والإسراع في إنشاء صندوق البطالة وإقرار قانون التقاعد والحماية الاجتماعية كما عدّلته الحركة النقابية، وتطبيق فرع طوارئ العمل والأمراض المهنية.
إنّني في أجواء المبادرات النقابية والدعوات والتحركات للوحدة، أدعو كل أطراف الحركة النقابية إلى إعادة النظر في مواقفهم والتخلص من التجاذبات السياسية والطائفية والمذهبية والابتعاد عنها، وإعادة لملمة الصفوف والتوحّد في إطار اتحاد عمالي عام ديموقراطي ومستقل حول القضايا التي تهم حياة ومعيشة الطبقة العاملة وسائر الفئات الشعبية، ووضع برنامج مطلبي اقتصادي اجتماعي تنظيمي يكون في مقدّمه حماية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتطويره وتوسيع تقديماته.
* رئيس اتحاد نقابات عمال البناء
والأخشاب في لبنان