قاسم عز الدين *

أشهر معدودة تفصلنا عن موعد الانتخابات البلدية، من دون حسّ أو خبر. فالعائلات المحلية تنسج بهدوء خيوط التحالفات، بعضها بمواجهة بعض، سعياً للوجاهة المعهودة والنفوذ البلدي. ولعلّ وزير الداخلية المطلع على تجارب الانتخابات المحلية في بلاد الفرنجة، أكثر المهتمّين السياسيين في إصلاح قانون الانتخابات، فيما تنشغل قوى السلطة ومعارضاتها باهتمامات كبرى لا تشمل أماكن عيش الناس وعملهم. وبالمقارنة مع الانتخابات النيابية حيث كان الزحف العظيم نحو خدمة «القضايا الوطنية»، لا تحظى الانتخابات البلدية باهتمام القلقين على المصلحة العامة، على اعتبار أنها شأن قروي صغير على قول البعض، أو لأنها، كما يبدو، شأن عام صعب يتطلب إدراكاً أوسع من تركيب الجمل المألوفة في شؤون الدول والمجتمعات. ويتطلب كذلك معرفة معمقة في قراءة الجغرافيا البشرية حين يكون خراب الدولة والسلطة انعكاساً منمّقاً لخراب مكان العمل والحياة.
والحقيقة أنّ رؤى بناء الدول وممارساتها من فوق عبر المؤسسات المركزية، لم تكن يوماً رؤى وممارسات حدّية فاصلة، بل شملت الجغرافيا البشرية بصفتها وعاء المجتمع في دولة هو أساسها. لذا ينتدب هذا المجتمع الدولة المركزية لتمثيل مصالحه المشتركة في علاقات عادلة مع باقي الدول، وإنشاء مؤسسات داخلية حيادية ترعى التوافق الاجتماعي والسياسي بين مصالح الفئات الاجتماعية المختلفة وتطلعاتها. فالثابت في بناء الدول هو الجغرافيا البشرية (الأرض والشعب) والباقي كله متحوّل (النظام السياسي وشكل الحكم والسلطة والسياسات والمؤسسات والإدارات...). ولم تنجح محاولات بناء الدول إثر إزالة الاستعمار بغير طموح الدولة لتوسيع مصالح مجمل فئاتها الوطنية في علاقاتها مع الدول الأخرى، وتوسيع تشابك مصالح الفئات الداخلية وحقوقها في ما بينها. فالنموذج الياباني الذي أحدث معجزة النمور الآسيوية، وجّه استخدام مؤسسات الدولة والإدارة والتأهيل والتعليم والصحة... في خدمة الدواخل حيث هي. وقد انتقلت الدولة المركزية إليها وعبرَت منها إلى تبادل المصالح مع الدول الصناعية الأخرى، على عكس النموذج الأوروبي الذي نقل الدواخل إلى المركز وخاض بها معركة التصنيع ومحرقة حروب فتح الأسواق. ولم ينجح تقليد هذا النموذج الصناعي القديم في أي بلد إثر الاستقلال


لا تحظى الانتخابات البلدية باهتمام القلقين على المصلحة العامة، على اعتبار أنها «شأن قروي صغير»

السياسي للدول المستعمَرة بل نجح في تخريب الدواخل التي لم يصلها الاستعمار سابقاً، على ما تدل حالة البلدان العربية وباقي بلدان «العالم الثالث» منذ الاستقلال إلى اليوم.
وفي أي حال، قضت التحولات النيوليبرالية المعولَمة على الاستقلال السياسي للدول الضعيفة ولم يعد يمكنها أن تقرر سياساتها الداخلية والخارجية، بينما أوكلت الدول القوية تقرير هذه السياسات إلى هيئات ومؤسسات فوق الدولة، لا تخضع للمحاسبة الديموقراطية في صناديق الاقتراع. وبتنا نعيش في عالم غير مسبوق من التداخل والتشابك في مسار مشترك، تحرص كل السلطات الحاكمة على استمرار ديمومته بقطع النظر عن نظامها السياسي (الصين أوضح تعبير). فهذا العالم الجديد الذي يبدو من دون دول، يخضع إلى حكم عالمي يقوده «المجتمع الدولي» ومؤسساته وهيئاته. وهي بدورها تخضع لمصالح اللوبيات والشركات العملاقة ورجال السلطة وكبار مجالس الإدارة ونفوذهم... في نظام كوني جديد فلسفته: اقتصاد المال والسوق الدولية الحرة، إلغاء كل الحقوق الوطنية والطبيعية والمكتسبة وتحويلها إلى سلع في السوق، واحتكار العنف واستخدامه من دون رد، وإلغاء التعدد الثقافي والديني، وتقديس حروب إبادة «البرابرة».. وقد نتج من هذا النظام الكوني الجديد شرخ عمودي في كل بلد بين السلطة والطبقة المالية ــــ التجارية ــــ الاقتصادية من جهة، وبين الدواخل والهوامش المتضررة من النظام الكوني الجديد من جهة أخرى. فالبلدان القارية الثلاثة (الصين والهند والبرازيل) تعيش شرخاً داخلياً على الرغم من نموّها الاقتصادي الكبير في السوق الدولية، بل بسببه. وهذا الشرخ تعبّر عنه انتفاضات القوميات والإثنيات المضطهدة في الصين، وحرب العصابات في ست ولايات في الهند، وحكم المافيات ليلاً في البرازيل. لأن زحف «المجتمع الدولي» على دور الدولة من فوق، يجرّ تلقائياً زحفاً عليها من تحت، أوضحه وأشده مأساوية حالة العراق. وهي ظاهرة تنتشر ببطء وبشكل حلول إيجابية وبدائل في البلدان الأوروبية والولايات المتحدة حيث السلطة مقفلة ولا يمكن إيقاف سياساتها في التخريب بغير تطوير البدائل في المحليات والدواخل.
في هذا السياق لم تختر «دول الممانعة» الانشقاق عن هذا النظام الكوني، بل فُرضت عليها الممانعة فرضاً بوصفها دواخل هامشية «للمجتمع الدولي». لكنها رفضت ما أُوكل إليها من مهمات أمنية في المحافظة على الستاتيكو السياسي و«الاستقرار الإقليمي»، في مقابل دمج السلطة في «الشرعية الدولية». ولم تستطع هذه الدول مواصلة الممانعة من دون استنادها إلى دواخلها ومحلياتها المتضررة من التبعية إلى «المجتمع الدولي» وسوقه الدولية الحرة: لقد حمت الدواخل السورية «المتخلفة»، سوريا من الاحتلال الأميركي وما زالت تؤمن لها الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في ظل ضعف نفوذ الطبقة التجارية المرتبطة في السوق الدولية. وحمت الدواخل الإيرانية المحافظة، إلى اليوم، إيران من انقلاب السلطة وجنوح شرائحها المنفتحة على التبعية إلى «المجتمع الدولي». وفي فنزويلا، لم يفعل شافيز أكثر من إدخال دواخل السكان الأصليين إلى الحياة العامة، في مواجهة سلطة البيض واقتصاد اليانكي. ومثله يحاول موراليس وتحاول الإكوادور... ولا تصمد هذه الدواخل إلى أبد الآبدين كجزر صغيرة في بحر عواصف التخريب، لكنها تحافظ على أساس نظيف يمكن البناء عليه. وهو لن يكون بأي حال على مستوى الدولة المركزية بمعزل عن اندماج الحقل الإقليمي، وبمعزل عن تشابك دواخل ومحليات الحقل الإقليمي وتضامنها في ما بينها وأبعد.
فضلاً عن أثر هذه التحولات الكبرى المباشرة على الشرق الأوسط وعلى خط النار في لبنان، فإن لبنان «الفريد» يعاني من دواع إضافية تحتّم على غيارى الشأن العام إعادة قراءة الجغرافيا البشرية وقراءة الدولة والسلطة من تحت، منها: غرَقه في ديون لا يمكن التعايش معها ما لم يحقنه «المجتمع الدولي» بمسكنات، في مقابل اندماج سلطته في أمن «الاستقرار الإقليمي». وجود مقاومة قوية لا يمكن أن يتعايش معها «المجتمع الدولي» ما لم تتعطل عجلات جرّافة إلغاء الحقوق الوطنية والحقوق الأخرى. الفرز الجغرافي الطائفي نتيجة الحروب الأهلية الدائمة وتقطيع الامتداد المجتمعي المباشر كما المصالح المشتركة في الدولة. صدأ نظام السلطة واهتراؤه من دون وجود قوى اجتماعية قادرة على تنظيف براغيه. انسداد أفق تحسين أحوال العمل والعمران، ما يقطع الأمل من جدوى الحراك المطلبي ويؤدي إلى الانطواء العصبي الضيق. وأخيراً وجود فرص ما زالت متوافرة في الدواخل لإعادة تنظيم أماكن العمل والحياة فوق تخريب سياسات السلطة، سواء في تشابك المحليات وتضامنها في ما بينها أو في توسيع إنتاجها وتطوير قطاعاتها في توأمة بلديات لبنانيْ الانتشار على الأقل. فالتجارب البديلة في العديد من البلدان على هذا الصعيد مضيئة وواعدة، فيما تصطدم نصائح الناصحين بإصلاح السلطة بحائط مسدود في كل مكان لأن السلطات في كل مكان تضع أذناً من طين وأذناً من عجين ولم تعد حالها كما كانت قبل تغيّر أحوال الكون. ولا تبني هذه البدائل نظاماً بديلاً من نظام الخراب لكنها توقف زحف الخراب وتعزّز مقاومته وتعلّم القوى السياسية ــــ الاجتماعية معرفة فكرية وعملية أعمق من توجيه النصائح ودعاوى الحراك المطلبي والسياسي. فعندما يقع هيكل الدولة على الأرض، قد تكون من الحكمة إعادة البناء من تحت لا من السطح.
* كاتب لبناني