جوان فرشخ بجالي

بعيداً عن الأسباب السياسية والمالية والأمنية التي تدفع الحكومة إلى تأخير الإعمار، يبدو من الضروري توضيح أمور عدّة تتعلق بموضوع مدينة أرتوزيا. هذه المدينة التي بات يعتبرها البعض لعنة أو كذبة، أو حتى خدعة مفتعلة لعدم بناء مخيم البارد، فيما هي مدينة رومانية ـــــ بيزنطية مطمورة تحت أرض المخيم، ومن حق أي شعب لبناني أو فلسطيني أن يطالب ويعمل للمحافظة عليها لأن التاريخ مشترك، وخصوصاً أننا لسنا بحاجة إلى فقدان المزيد من الآثار والمواقع.
صحيح أن عملية الإعمار لم تكن بحاجة إلى الاكتشاف الأثري لتصبح أكثر تعقيداً، ولكن الاكتشاف حصل. وهذا واقع لا يمكن التغاضي عنه واعتبار أن شيئاً لم يحدث، لكن لا يمكن تحميل الاكتشاف عملية إيقاف الإعمار بأكملها أو تأخرها اللامتناهي. الجيش لم يدمّر المخيّم ولم يجرف بيوته بحثاً عن أرتوزيا! الهدف من المعارك لم يكن يوماً التنقيب عن المدينة الضائعة. أرتوزيا التي كشفت نفسها تحت الجرافات لم تكن السبب في التهجير وليست السبب الاول لعدم العودة. ولا يمكن تحميلها ذنب وضع اللاجئين غير الإنساني رغم أن الحديث عن الاكتشاف بات يشبه مبدأ الافلام الاميركية: فإما أنت شخص متعاطف مع القضية وحق المهجرين، فترفض حينها الاكتشاف الاثري أو حتى اعتبار الموضوع مهماً، وإما أنت شخص عنصري ضد القضية لمجرد التساؤل عن مستقبل الآثار والحق في المحافظة عليها.
مخيم البارد ملف شائك ومعقد وله وجوه عدة، لا يمكن ولا يجوز أن يختصر بوجه واحد. والدفاع عن حقوق المهجرين بحياة كريمة واجب وحق، كذلك الامر بالنسبة الى الدفاع عن المكتشفات الاثرية. وليس ذلك من مبدأ أنها أهم من البشر، فالحجر لم يكن يوماً اهم من البشر، لكنه يفسر تاريخهم ويعطي وجودهم هوية وواقعاً وبعداً زمنياً مغايرينلذا، يجب البحث عن عقدة الموضوع الحقيقية بعيداً عن التضليل الذي يمارس. فما يعطي ملف آثار البارد بعده الحقيقي هو المخالفات القانونية، إذ لم يتأخر قرار رئاسة مجلس الوزراء في خرق قانونَي الآثار والإدارات العامة (قانون الآثار مادة 2، 14، 18 والقانون الإداري صفحة 333) للتسريع في عملية الطمر، فيما بعض الوزراء كانوا قد تقدموا باقتراح لتغيير مكان المخيم وتفادي موضوع الآثار. لكن هذه الاقتراحات جوبهت بالرفض. فالحكومة لم تقبل بشراء الاراضي الزراعية المجاورة للتل والتي تقع في منطقة المخيم الجديد والخالية تماماً من الآثار. والسؤال الذي يطرح: هل الرفض ناجم عن الخوف من تغير واقع اللاجئين بمجرد تغير مكان الاقامة، إذ قد يتغير وضعهم القانوني دولياً لكونهم لم يعودوا سكان المخيم الاصلي؟ ام هو خوف من أن يُعدّ خطوة أولى نحو التوطين؟ علماً بأن مبدأ التوطين يأتي مع استملاك الاراضي، والحكومة كانت قد أصدرت في آب 2008 قراراً يحمل الرقم 2285 يقضي بشراء الاراضي في المخيم القديم، أي الموقع الاثري! وقد صرفت مبلغ 11 مليون دولار ثمناً له! فلماذا لا يعد ذلك توطيناً؟ ولماذا تصر رئاسة مجلس الوزراء على مضاعفة مصاريفها في إبقاء المخيم على الموقع الاثري الذي قررت ردمه فصرفت مبلغ 5 ملايين دولار لتلك الغاية، فهذا الإجراء سيكلف عملية الإعمار أكثر من ذلك لأنه يتطلب تغيراً كاملاً في خرائط البناء؟

أرتوزيا كبش المحرقة. هي الذريعة التي صدق الناس أنها السبب في عدم إعمار مخيم البارد
أما السؤال الاهم فهو: لماذا لم يرَ رئيس مجلس الوزراء أن لشعبه وللاجئين الفلسطينيين الحق في فهم ما حصل ويحصل في هذا الملف عوض الموافقة على إصدار قرار غير قانوني؟ لماذا لم تحاول الدولة مرة واحدة أن تعقد مؤتمراً تشرح فيه ملابسات هذه القضية الشائكة؟ لماذا تغيب الشفافية في التعامل مع هذا الملف ويترك الباب مشرّعاً أمام التكهنات والتفسيرات؟ إذا كانت الدولة ترى أن قرار الطمر يحفظ الآثار الدفينة وهو «يتم حسب المعاير العالمية» ويحل معضلة الإعمار؟ فلماذا لا تشرحه عوض الاختباء خلف حجة «المصلحة الوطنية العليا»؟
هذا التوضيح مطلوب من الدولة اللبنانية، وخصوصاً أن المعايير العالمية لطمر الآثار لا تنطبق ابداً على مبدأ ردم موقع اثري بالكامل. وقرار الطمر، إذا حصل، سيكون سابقة لا مثيل لها في لبنان والعالم. ويبقى الخوف أن يتكرر قرار الطمر كلما رأت القوى السياسية أن «المصلحة الوطنية العليا» تقضي بذلك. تجربة وسط بيروت كانت ولا تزال واضحة للعيان، النمو الاقتصادي والإعمار كانا العذر لجرف الآثار وتدميرها آنذاك (وحتى الآن)، وها نحن اليوم نقف أمام عذر جديد: المصلحة العليا، فما هي الضمانات التي تعطى بأن مبدأ الطمر الذي سيتبع في نهر البارد هو حادثة لن تتكرر.
أرتوزيا كبش المحرقة. هي الذريعة التي صدق الناس أنها السبب في عدم إعمار مخيم البارد. فهل نسوا أن المعارك انتهت في المخيم في 10 أيلول 2007، وها نحن الآن في 18 أيلول 2009 والاعمار لم يتم بعد؟ هذا مع العلم بأن موضوع الآثار طرح للمرة الاولى في شباط 2009، ولم يتوقف الإعمار حتى آب 2009. فلماذا يصدق الناس أن ملف البارد يتوقف على أساس أنه موقع أثري. يبدو أنها آخر حجة توصلت إليها الدولة لتأخير عملية الإعمارالمشكلة ليست بتاتاً رفض بناء مخيم للاجئين حرموا أرضهم وبلادهم وهويتهم وتاريخهم. حقهم في حياة كريمة واجب على كل مواطن في هذا البلد، لكن سياسة الدولة حيال موضوع الآثار توسّع الشرخ القائم بين اللبنانيين واللاجئين الفلسطينين. فالأول سيضيف إلى مآخذه على الفلسطينيين، تدميرهم لتاريخه، فيما الثاني يرى أن اللبناني لا يتعامل معه كإنسان.
موضوع أدخل في نطاق الحلقة المفرغة لأن الدولة ترفض وضع الآثار والتاريخ في أولوياتها، وترى أن القوانين وضعت لتخالف، وأن القرارات والوعود التي يقوم بها السياسيون في جلساتهم الخاصة هي «كلام لاعودة عنه» مهما كلف الامر!
إنها قصة أيام قبل أن تبدأ عملية طمر أرتوزيا التي لم يسمح لها حتى بأن ترى النور... هل من يضمن الآن إعادة إعمار المخيم؟ فلننتظر حجة جديدة.