أسعد شرارة

إلى من فاضت أنوثتها حتى أسكرت المكان والزمان. إلى من وهج حضورها الطاغي يلفح وجوه الفاتنات، فتأكلهنّ الغيرة، ويتوارين حسداً وخجلاً. إلى السمراء التي تعلّم الليل كيف ينتشي على ضوء القمر، والنجوم كيف تتقن معنى الضوء والتوهج، وتمنح الأبجدية معنى الكلام، وتلهم الشعراء كي يبدعوا قصائد الحب المؤنثة. اسمكِ: أحرف يهمس بها الحقل ليُرفع أذان الجمال، فينحني الزهر خشوعاً وتردده الأشجار ترنيمة عطر وصلاة.
ها هو الربيع ينحني ويناجيك متضرّعاً: هلا منحتِ الجوريّ حمرة خدّيك حتى يتورّد. هلا بُحتِ للحقل بسرّ أنوثتك حتى يخضرّ ويخصب. هلا همست للحمام ببحة صوتك حتى يهدل. هلا أسمعت الكنار رنة أقراطك حتى يطرب ويغني. هلا لمست السواقي العطشى حتى تتفجر حباً وماءً وخريرا. أرجوك، دعي الوردة تقبّل رجليك حتى تعرف معنى العطر. دعي الفراشة تحطّ على يديك حتى تدرك سر الحرير. وها أنا، بعد الربيع، أتلو صلاة شغفي وهيامي، سابحاً في بحر أنوثتك الساحر لأصطاد اللؤلؤ والمرجان وهاكِ رسالتي:
لعينيكِ اللتين أضاءتا ليل أحلامي.
لحرير يديكِ تنسجان ملاءة حب تدفئني من برد الأيام.
ألملم حروف الشوق، أشكّها حرفاً حرفاً، لأصنع منها عقداً من الحنان، أطوّق به عنقكِ المرمري، حارس نهديكِ المشتعلين. ترتسم صورتكِ طيفاً جميلاً، حاملة إليّ أماني وردية وباقات من الأحلام فأروح أمارس هواية التفكير فيك. يحملني خيالي على بساط من العبير إلى بحيرتي عينيكِ، فأستلقي على شاطئهما الدافئ، آخذ حماماً شمسياً، مستظلاً أهدابكِ السّمر. ثم أطلّ من نافذة الحلم، أعبُّ من شفتيكِ كؤوس القبل، لأحمَل بعد الكأس العاشرة مخموراً، فيُرمى بي تحت عرائش الياسمين عند سفح نهديكِ، فأستلقي هناك، أتناول فنجاناً من القهوة العربية بحبّ الهال فأصحو. أما نهداكِ فهما رمز الثورة والتمرد على كل أشكال القهر والعبودية، لذلك تُبقين قميصكِ مشقوقاً عند مجرى العبير بينهما، حتى يبقى مفتوحاً على كل الاحتمالات، وجاهزاً لأي ثورة. لذلك حذّرتني مرةً: إذا أردت أكل العنب فعليك أن تقتل الناطور. فماذا أفعل وقد استوى العنب زبيباً على حلمتيكِ؟!
ثمّ يتزحلق بي خيالي على ظهركِ العاري، لأستقر عند المنحدر الياسمينيّ، فأروح أرسم على إليتيكِ أجمل لوحة تشكيلية. بعدها أتلفّت من وراء الهضاب الوردية، فإذا بمرايا ركبتيكِ تلمع تحت الشمس، فتمنحني الدفء والطمأنينة، والسرّ الذي أبحث عنه: سر الحياة.
وبعد جولة بين عرائش العبير، يصرخ بي الأحمر العِنبيّ فوق أصابع قدميكِ الطفلتين. آه كم تغريني هذه الأصابع الناعمة كريش عصفور، وكم أتوق إلى مداعبتها.
أما حين تمشين فتتبعكِ السنونو لتتعلم الطيران وتبشر بالربيع، وعصافير الحجل لتتعلّم كيف تكرج على البيادر، وفراخ الدوري والحساسين لتتقن كيف تحطّ على الغصن الرفيع من دون أن تكسره.
فأرجوكِ! ظلّي فجّري بأنوثتكِ الطاغية جداول الحنين في روحي، فهي إكسير الحياة الوحيد الذي به أشعر بشبابي وإنسانيتي. واصرخي في برّية أيامي: أحبَّني، أحبَّني، لتظلّ وردة العمر مشرقة، وسوسنة الأحلام على بياضها.
متى سأعبر من برد الأحلام إلى ربيع حضنكِ الدافئ؟