قرابة الساعة الثانية من بعد ظهر أول من أمس ــ ثالث أيام عيد الفطر ــ وقع خلاف بين أطفال ما لبث أن تطور، متحوّلاً إلى خلاف بين الكبار وتبادل لإطلاق نار


طرابلس ـ عبد الكافي الصمد
وقع الحادث في شارع لطيفة، وهو عبارة عن زقاق صغير فقير وبائس يقع في محلة البقار في منطقة القبة ـــــ طرابلس، ويشكل الشارع خط تماس يفصل بين منطقتي القبة وجبل محسن. هناك وضع الجيش منذ أشهر دشماً وأسلاكاً شائكة للفصل بين المنطقتين بعد النزاع المسلح الذي دار قبل نحو عام تقريباً.
أمس تطورت «حرب» الألعاب النارية والبنادق البلاستيكية بين فتية من كلا المنطقتين إلى تلاسن وتعارك، قبل أن تصل إلى «حرب حقيقية» تبادل خلالها الطرفان إطلاق الرصاص من البنادق الحربية لفترة استمرت نحو نصف ساعة، وأدت إلى حصول توتر في المنطقة لم تتراجع وتيرته إلا بعد تدخل الجيش الذي فرض الأمن.
روى شهود عيان لـ«الأخبار» أن الإشكال تشعّب، فقد قام شبان من كل طرف بـ«تلطيش فتيات الطرف الآخر» في الشارع، تطور الأمر إلى تلاسن وتبادل للسّباب والعبارات النابية بين الشبان، وذلك قبل أن يستخدم أولياء الأمور وشبان اندفعوا وراءهم أسلحة حربية تبادلوا خلالها إطلاق النار بتقطع، ما دفع الجيش قرابة الساعة السابعة مساء إلى تسيير دوريات في الشوارع المتفرعة، وإغلاق المنطقة بالكامل أمام حركة السيارات، وصولاً إلى ساحة الأميركان ومحلة الشعراني، مانعاً العبور فيها ابتداءً من مفترق نادي الضباط، وصولاً إلى مفترق منزل رئيس الحزب العربي الديموقراطي النائب السابق علي عيد، وتم تحويل السير باتجاه طلعة العمري وطريق الجبل ـــــ القبة وغيرهما، لتشهد هاتان المنطقتان ازدحاماً كبيراً لبعض الوقت. ثم انخفضت حركة المارة والسيارات في الشوارع المحيطة في المنطقة انخفاضاً ملحوظاً خلال ساعات الليل.

لم تقع إصابات في الأرواح لأن المنطقة تخلو بشكل شبه كامل من المارة والسيارات في ساعات الليل
تطور الأمور على هذا النحو جعل أهالي شارع لطيفة وجواره يطلبون من الجيش اللبناني التدخل لـ«إيقاف التجاوزات التي باتت تبعث على القلق بشأن الاستقرار في المنطقة». هذا الرأي يكرره أهالي المنطقة، كما تحدث به مختار باب التبانة ـــــ جبل محسن عبد اللطيف صالح لـ«الأخبار»، وقد أشار إلى أن مسؤولي استخبارات الجيش في الشمال «وعدونا، بعد مراجعتنا لهم، بإيجاد حل سريع للمشكلة، وأن الجيش سيقيم نقطة ثابتة له في الشارع المذكور من أجل منع انفلات الأمور مجدداً، وإبقائها تحت السيطرة».
الخروق الأمنية الأخيرة في طرابلس لم تقف عند هذا الحد؛ فقرابة الساعة الواحدة إلا ربعاً من ليل الثلاثاء ـــــ الأربعاء، أُلقيت قنبلة يدوية بمحاذاة سيارة كانت موجودة قرب الجامع الناصري ومخمر قديم للموز في شارع سوريا، الذي يعتبر خط تماس تقليدياً يفصل بين منطقتي باب التبانة وجبل محسن، وانفجرت من غير أن تسفر عن وقوع إصابات في الأرواح لأن المنطقة كانت خالية تماماً من المارة في ذلك الوقت المتأخر.
وأوضح شهود عيان من المنطقة لـ«الأخبار» أن «دويّ انفجار القنبلة كان قوياً، ربما لأنه حصل ليلاً، لدرجة أنه التبس علينا الأمر إن كان ناجماً عن انفجار قنبلة يدوية أو انفجار قذيفة إنيرغا، ما أثار هلعاً كبيراً في صفوف الأهالي الذين هرع بعضهم إلى المكان لتفقد الأوضاع ومعرفة ما يحصل، كما أن مواطنين من مناطق أخرى في طرابلس، مثل أبي سمراء وباب الرمل وغيرهما، أجروا اتصالات بأصدقاء وأقرباء لهم يسكنون في باب التبانة للاطمئنان والاستفسار بعدما وصل دويّ الانفجار إلى أسماعهم.
وأضاف الشهود أن القنبلة «ألقيت خلف سيارة كانت مرصوفة إلى جانب الجامع، ولحقت بها جراء الانفجار بعض الأضرار التي أصابت صندوقها الخلفي وإشاراتها الضوئية، فضلاً عن تضرر جزئي أصاب سيارة أخرى كانت تقف إلى جانبها، وأبواب محال تجارية».
إزاء ذلك، رأى إمام مسجد حربا وأحد فاعليات باب التبانة الشيخ مازن المحمد أن «ظاهرة إلقاء القنابل ليلاً في المنطقة ليست طبيعية، كما هي الحال بالنسبة إلى إشكال محلة البقار الذي بدأ عادياً قبل أن يتم إلباسه لباساً أكبر منه، ومن ثم تضخيمه، بالتزامن مع انتشار شائعات يتضح أن من يبثها يحاول أن يستغل أي حادث يقع في المنطقة، ولو كان صغيراً، من أجل خدمة أهداف معينة».
وأشار المحمد لـ«الأخبار» إلى أن «من الواضح أن كل ما يجري في البلد يصب في نهاية الأمر في خانة الصراع السياسي الدائر بين مختلف القوى، وخصوصاً في هذه المرحلة التي يتم فيها تأليف الحكومة، وسندفع نحن في النهاية ثمن هذا الصراع».
لم تقع إصابات في الأرواح جراء الانفجار، لأن المنطقة تخلو بشكل شبه كامل من المارة والسيارات في ساعات الليل، وخصوصاً المتأخرة منها، فإن ذلك دفع المحمد إلى اعتبار «المسألة تبدو وكأن هناك من يريد أن يحرك الأمور في المنطقة مجدداً، وأن يحدث بلبلة تحيّد الأنظار عن الصراع السياسي والحكومي الدائر، والذي قدّر علينا على ما يبدو أن نكون نحن ساحته الرئيسية».
ومع اعتراف المحمد بأن «المشكلة عندنا مزمنة»، فقد أعرب عن قلقه من «تصعيد بدا ملحوظاً في الآونة الأخيرة، واندفاع وتزايد في عملية تحضير الأجواء والنفوس وشحنها غرائزياً، تحت غطاء سياسي أو مذهبي، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية والفعلية، لأن أي إشكال يقع ولو كان صغيراً ولا قيمة له، يتطوّر فوراً في اتجاه سلبي».
وقد اتهم المحمد بعض وسائل الإعلام قائلاً إنها «تسهم في هذه اللعبة، لأنه منذ أسابيع وقعت إشكالات كثيرة في المنطقة كان بعضها أخطر وأكبر مما يحصل اليوم، ولم يأت أحد على ذكرها، لكن حالياً أي إشكال صغير يتم تسليط الضوء عليه، بشكل يبدو مبرمجاً ومدروساً، ويطرح تساؤلات كثيرة عمّا إذا كان هناك مخطط ما يحضّر للمنطقة».


منطقة النزاع والفقر

باتت مدينة طرابلس تمثّل مادة للأخبار الأمنية. المناطق الفقيرة فيها تشهد بصورة متكررة حوادث مختلفة، كإلقاء قنابل، أو إشكالات بين شبّان أو غير ذلك. المهم أن القلق والخوف شعوران يسيطران على الأهالي. الكل يسأل “لماذا ندفع الثمن؟”، فرغم الاختلافات، وتصاعد التشنّج بين أهالي مناطق متجاورة منذ عقود، والسجالات بين سكان المناطق، فإن الأهالي في مختلف الأحياء الفقيرة يعتقدون أنهم يدفعون ثمن تعثّر تأليف الحكومة، أو خلافات السياسيّين.
في الفترة الأخيرة سُجّل عدد من الأحداث في جبل محسن، وباب التبانة، وفي القبة. بعض الأحداث أدّت إلى وقوع جرحى. في الأسبوع الأول من الشهر الجاري وقعت مشادّة بين سائق سيارة وآخر يقود دراجة في القبّة ـــــ طرابلس... تطوّر الأمر سريعاً فأوقع قتيلين وجرحى. الحادثة تكشف جانباً بسيطاً من تدهور الوضع الأمني والاجتماعي في المنطقة.
من جهة ثانية، يُذكر أن الدراسات التي أعدّتها منظمات دولية أو جمعيات أهلية، قد لفتت إلى أن بعض أهالي هذه الأحياء يعيشون تحت خط الفقر.