زينب صالح

أحببت بيروت وعشقتها قبل أن أراها وأراك. كنت أتجول في شوارعها من خلال أغاني فيروز وأثور لحرمة قداستها في أغاني ماجدة الرومي. كنت في قرية بعيدة عن الأحلام، أتسوّل التصريح كي أغادر حدودها قبل التحرير. كان بيني وبينك أسلاك شائكة زرعها محتل، وبعدها صار بيننا أفكار بالية زرعها من استعمر عقولنا.
أنت لم تعرف عن الجنوب شيئاً سوى أنّه حضن ذلك البيت الصامد في صوت وديع الصافي. لم تعرف أهله إلا من حكايات الأجداد والأغاني رغم صغر حجم الوطن الذي تستطيع اكتشافه كلّه في يوم واحد.

أنا فتاة شرقية وعند اللزوم يسهل ذبحي
أتذكر أول أيام الجامعة. لم أكن أعرف أحداً. جلست بجانبي وبدأت الأحاديث. تحدثنا لساعات قبل أن تسألني عن اسمي الذي أرشدك إلى أنّ الدرب سيكون شائكاً بيننا. أما أنا فكلام والدتي كان عالقاً في ذهني: «ما تحبي خارج طائفتك أو مذهبك». بين بيروت والجنوب نمت المذهبية في نفوس أهلنا. «شو بدك بهالجازة»، قالت أمك. أما أخي فأحضر السكين وصاح: «بقتلك». فأنا فتاة شرقية وعند اللزوم يسهل ذبحي.
لم أعرف أي ذنب اقترفت حتى غضب أبي علي وكدت أكون مصدر عاره. ربما من العار أن أختارك شريك حياتي لكن ليس معيباً أن ينصاع لمسؤوله كما تنصاع النعجة لذابحها، كما أنّه من العار أن يتصاهر مع من لا يصلي معه في مسجده وليس أن يرتجل الشعر في حضرة زعيمه!
وكان من المخزي أن تحبني بعد خوف والدك من ولاء أهلي لإيران ومشروع الدولة الإسلامية.
في بلد الطوائف صار مشروع زواجنا فكرة حرب!
أخبرتك أنّ أخي استشهد في تموز فشاركتني ألمي، لكنّي بكيت وحدي عندما قضى ابن عمي في أيار 2008. صديقك قضى أيضاً. ربما قتل أحدهما الآخر! كدنا تختلف على مفهوم الشهادة قبل أن ندرك أن حبنا شهادة لفكرة العيش المشترك. أيار قضى على آخر حبات الأمل في التوافق بين أهلي وأهلك، مع أنّ أحداً من زعمائنا لم يستشرهم. زعماؤنا تصافحوا وأهلنا تخاصموا.
كنت عالمي لكنّ الكلام من حولنا هدم جدرانه. لكنّه لم يغيّر أمرين، أنّك وحدك أخذتني للنجوم وأني أستطيع أن أحلم.