لم تعد تكاليف بدء العام الدراسي مصدر القلق الوحيد في حياة العائلات، أقلّه هذا الموسم. فهمّ تدبير أقساط المدارس وشراء الكتب والثياب قد يصبح أمراً ثانوياً أمام الخوف الذي يقبض على قلوب الأهالي الواجفة لاحتمال إصابة أطفالهم بفيروس «إي إتش1 إن1» في الصفوف من أحد التلامذة


راجانا حمية
يسكن الخوف فدوى خليفة. يرعب هذا الصباح هذه الأم بما يحمله من مفاجآت اليوم الدراسي الأوّل لطفليها. فهذا اليوم لم يعد مصدر ارتياح كما في الأعوام السابقة، فقد أصبح من الأيام التي تحمل لها منذ الآن وحتى نهاية العام الدراسي همّاً جديداً لم يكن في الحسبان: احتمال التقاط طفليها فيروس أنفلونزا الخنازير «إي إتش1 إن1» من أحد التلامذة الذين قد يكونون مصابين به، وخصوصاً أن كل التحذيرات من العدوى تشير بإصبع الاتهام إلى التجمعات.
كانت هموم هذه الوالدة في العام الماضي محصورة بتكاليف العام الدراسي من أقساط وشراء كتب وثياب ومصاريف أخرى معروفة. كان مجرد تصور المبلغ يثقل على قلبها، وخصوصاً في ظلّ الأزمة الاقتصادية الخانقة، ولكن الآن، بات المشهد مرعباً بكل معنى الكلمة: «فإلى العبء المادي الثقيل، هناك الخوف المستجد من وباء لم نحسب له حساباً»، تقول. أمام كلّ هذا، تجد خليفة نفسها ملزمة باتّباع سلسلة إجراءات لحماية طفليها من الإصابة بالفيروس، وخصوصا أن الأولاد هم من الفئات الهشة أمام الفيروس، إضافة إلى المسنين والحوامل. تبدأ الإجراءات بإعطاء الطفلين «لقاحاً مضاداً للكريب». أما من ناحية الوقاية فقد عمدت إلى شراء كمامات خاصة لطفليها، إضافة إلى أنها جمعتهما في سهرة «حميمة» لشرح الإجراءات الواجب اتباعها مع الرفاق. بدأت خليفة مع ابنتها البالغة من العمر 11 عاماً. زوّدتها بجملة من التعليمات ومنها «ممنوع التوشوش والحكي بالدينة (الأذن) أو القريب مع رفقاتك وكما ممنوع التبويس والتعبيط، وما تحملي شي مش إلك وغسلي إيديك دايماً». لا تكتفي خليفة بتلك التعليمات، إذ عمدت إلى الطلب «من مدير المدرسة بإصدار أمر يقضي بالتهوئة الدائمة للصفوف، كما أنني طلبت من ناظرة الملعب مراقبة حركات الأطفال».
لن تكون خليفة الأم الوحيدة الخائفة الوحيدة من الفيروس المترقب. ولن تكون بالتالي الوحيدة التي ستعمد إلى ابتكار إجراءات، ولو بسيطة، لحماية أطفالها، فالكثيرات من الأمّهات يتبعن الأسلوب نفسه من أجل تجنيب أطفالهنّ خطر الإصابة بفيروس لا يعرفن مدى خطورته حتى هذه اللحظة. أمّهات ضائعات بين إجراءاتهنّ الفردية، وبين السؤال عن الإجراءات التي من المفترض أن تتّخذها وزارتا التربية والصحّة وإدارات المدارس في هذا الصدد. وهي إجراءات، حسب الأهالي، لم تتوضّح كثيراً في الوزارتين المعنيتين، وتنحصر بلائحة الإرشادات التي عممتها «التربية» على إدارات المدارس والإعلانات التلفزيونية (تُعرض منذ أيام على تلفزيون لبنان) التي بدأتها هذه الأخيرة بالتعاون مع وزارة الصحّة، والمتعلقة بالوقاية من الفيروس.
كلّ هذا، يضع الأمّهات أمام اختبار لا يعرفن مدى نجاحه، وهو اختراع إجراءات قد يسمعنها «من التلفزيون أو عن الإنترنت» عن سبل الوقاية. وقد تكون فاتنة، والدة الأطفال الثلاثة، أفضل مثال لهذه الفئة. بدأت فاتنة تحضير لائحة الإرشادات الخاصّة بعائلتها الصغيرة منذ ما قبل العام الدراسي بأشهر. وضعت لائحة من عشرة بنود منها: وضع كمامات، الامتناع عن المصافحة والعناق، غسل اليدين بالماء والصابون، عدم تبادل الأطعمة أو الأغراض... عشرة بنود وضعتها فاتنة، وهي قابلة للزيادة إذا «وسّعت البحث أكثر وأكثر»، كما تقول. وهي تشبه الكثيرات من الأمهات اللواتي يعوّلن على إجراءاتهنّ الخاصّة لحماية أطفالهنّ، على أن القاسم المشترك بين الغالبيّة هو الامتناع عن إرسال أولادهنّ إلى المدرسة في حالتين: الأولى إذا ما أصيب الطفل بالزكام، ولو كان عادياً، وثانياً إذا أصيب أحد الرفاق بالفيروس، عندها «لا مفرّ من تعطيل العام الدراسي حفاظاً على صحّة أطفالي»، تقول هنا بو حيدر. تبدو هنا حتى هذه اللحظات أقرب إلى إبقاء أطفالها في المنزل على عيش لحظات مثقلة بالخوف من أن يصيب أطفالها هذا المرض، وخصوصاً «أن ابنتي سرعان ما تلتقط الميكروبات مهما يكن نوعها». لم تتّخذ هنا احتياطاتها، إذ أنها إلى الآن لم تتخّذ قرارها النهائي بإبقائهم إلى جانبها أو إرسالهم إلى المدرسة. ولكن، لو أخذت قرار إرسالهم، فأول إجراء ستتخذه هو إعطاؤهم اللقاح (ضد الكريب العادي لأن لقاح أنفلونزا الخنازير لن يصل قبل آذار إلى العالم الثالث) «بركي بيعطيهم مناعة» واستشارة الطبيب في ما يمكن فعله.
مقابل هذه الفئة من الأمهات، ثمّة فئة أخرى لا تعرف ما الذي يُفترض بها تلقينه لأطفالها من سبل الوقاية. والسبب؟ أنها تنتظر إجراءات المدارس في هذا الصدد، ففاطمة الخطيب مثلاً لا تعرف عن الإجراءات شيئاً، وما إن نسألها عنها تقول «يمكن المدرسة رح تجيب دكتور وممرضين للكشف على التلاميذ، أما أنا فما بعرف شو لازم أعمل». تحار فاطمة في أمرها. فهذه هي المرة الأولى التي تصادف فيها «حدثاً من هذا النوع»، لذلك تسلم أمرها «لله وللمدرسة».
كما فاطمة، كذلك الأمر بالنسبة لهدى الشريف، فهذه المرأة لا تجد أمامها سوى الالتزام بلائحة الإرشادات التي أرسلتها إدارة المدرسة للأهالي مع الأطفال. وتتضمّن هذه اللائحة بنوداً عدّة تتعلّق بكيفية الوقاية من الفيروس وكيفيّة التعامل معه في حال إصابة أحد أفراد العائلة به.
من جهة أخرى، تتّخذ غالبيّة لجان الأهالي في المدارس إجراءات تبدو متشابهة إلى حدٍّ ما، إذ يشير رئيس لجنة الأهل في «الليسيه فردان» محمود همدر إلى أن «غالبيّة اللجان توزّع لائحة الإرشادات التي سلّمتها وزارة التربية والتعليم العالي لإدارات المدارس، كما أنها تعيد هذا العام وظيفة كانت غائبة عن معظم المدارس وهي تأمين طبيب وممرض دائم لفحص الطلاب».



كتيّب إرشادات

بدأت وزارة التربية والتعليم العالي، بالتعاون مع وزارة الصحة العامة، منذ بضعة أيّام تقريباً توزيع كتيّب عن «كيفية الوقاية من فيروس إي إتش1 إن1»، على المدارس. ويتضمن الكتيّب 7 أسئلة هي: ما هو هذا المرض؟ كيف يُلتقط؟ متى يمكن التقاطه؟ ما هي العوارض؟ ما هي العوامل المساعدة في انتشاره؟ من هي الفئة الأكثر عرضة للإصابة به؟ ما العمل في حال إصابة أحد أفراد العائلة به؟ من جهة أخرى، تنظم مراكز الخدمات التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية في المناطق أجنحة خاصة في تلك المراكز لإرشادات الوقاية الواجب على الأهالي اتباعها.