باريس ــ ضحى شمس

وحدهم، من دون أي تأثير «ثقافي» لبناني، اكتشف سكان باريس، العاصمة الفرنسية، السرفيس. كيف؟ ولمَ السرفيس، وهو ينتمي إلى القطاع الخاص في أكثر المدن العالمية فخراً بمواصلاتها العامة؟ المدينة التي تمسك بالباص والمترو ملك يديها، فأي تاج أعزّ من تاجيها هذين للنقل المشترك العام، لا بل تيجانها المتعددة، إذا ما أضفنا إلى ما تقدم سكة الحديد أو «التران»، ومترو الأنفاق السريع وأخيراً الترامواي؟ لمَ تحتاج باريس إلى السرفيس، صيغة القطاع الخاص لبنانياً للنقل المشترك؟
في القطاع الخاص، لا يتوافر من أنواع المواصلات هنا ـــــ إضافة إلى سيارات الناس ـــــ إلا التاكسي، وهو غير محبوب بين الفرنسيين. لا بل يمكن القول إنه يُعامَل كما لو كان شراً لا بد منه، وخصوصاً في أيام الأعياد أو المهرجانات، حيث تقفل المواصلات العامة أبوابها هنا، بُعيد الواحدة بعد منتصف الليل. لذا يضطر من يطيل السهر في عاصمة السهر أن يستقلّ سيارة تاكسي، رغم أنها تُعَدّ هنا خدمة غير عملية، ذلك أنه يتعذّر وجود تاكسي فارغ إلا بطلوع الروح، فضلاً عن مدة الانتظار الطويلة، وقلة تهذيب معظم سائقي التاكسي الباريسيين وجلافتهم (منهم من يطلب البقشيش حقاً مكتسباً له!). فتعرفة التاكسي في فرنسا غالية جداً، فكيف إن كان المكان الذي تقصده بعيداً، مثل المطار؟ لذا، استحدثت وزارة النقل الفرنسية، انطلاقاً من مبدأ واجب الدولة بتوفير الخدمة الأساسية للمواطن، وحتى لا يكون لجوؤه إلى القطاع الخاص إلا اختيارياً، محطة لقطار الأنفاق السريع (RER) داخل المطار الفرنسي البعيد، موصولة بخط المترو. فخفضت بذلك تكلفة الوصول إلى المطار حتى تسعة يورو، أي ما يعادل سعر الصرف الحالي، عشرين ألف ليرة أو أقل بقليل. إلا أن مشكلته هي أنك ستضطر لحمل حقائبك للنزول إلى رصيف القطار أو الصعود من المحطة إلى المطار على أدراج ليست كلها كهربائية، وهو أمر لا يُنصَح به كل من يعاني أوجاع الديسك. أما بالتاكسي، فيكلف الذهاب من باريس إلى مطار شارل ديغول مبلغاً يراوح بين ستين وخمسة وستين يورو، أي ما يعادل مئة دولار! ولتقريب الأمر إلى الأفهام، فإن بطاقة سفر بيروت ـــــ باريس بالطائرة طبعاً، كلفتني 600دولار، فكيف أدفع مئة دولار حتى المطار؟ وخصوصاً أن سعر صرف اليورو كان يرتفع في الأيام الأخيرة بأسرع مما كان عداد التاكسي الذي أقلني إلى المدينة يسجل اليوروات المستحق
دفعها؟
هكذا، أثّر وصل المطار بشبكة الأنفاق السريعة على التاكسيات التي كانت تسترزق بجزء كبير من المطار. وهنا بالتحديد، اكتشف الباريسيون السرفيس. لا بل إن الاكتشاف جاء من أصحاب التاكسي. فالاتجاه إلى المطار مشترك بين زبائن عدة، والمسافة، وأجرها بالتالي، معروفان، لم يبق إلا إيجاد ركاب يريدون الوصول في وقت متقارب. واشتغل التليفون العربي، فتوافر الزبائن، لا بل أصبحت هناك شركات تنقل الطلبات إلى المطار على نحو مشترك، أي إنك تحجز قبل ليلة على الأقل مكاناً في واحد من هذه السرفيسات، فيمر بك مثل «أوتوكار» المدرسة، يأخذك وحقائبك، ثم يطوف بزبائن آخرين حجزوا أمكنتهم مثلك، مقابل 25 يورو (38 دولاراً). لا بل إن أجرة «الشاتل» حسب اسم السرفيس الباريسي، نظراً للمنافسة التي أخذت تشتد أخيراً، تدنت في بعض العروض حتى 17 يورو (25دولاراً)، وهو أجر يبدو مناسباً للكثير من الميزانيات.
وللأمانة، هذا الاختراع ليس حكراً على فرنسا. ففي البلدان التي يبعد فيها المطار عادة عن المناطق السكنية، (لضمان السلامة العامة في حال وقوع طائرة مثلاً، ولإبعاد الضجيج عن سكن المواطنين) بدأ سرفيس المطار يعمل في عواصم عدة، منها قبرص على سبيل المثال.
لكن، هل لكل تلك التغييرات أية دلالات؟ الجواب: في السوق نعم. فالعرض والطلب ميزان، ولا شك في أن تزايد الطلب على الأرخص مرتبط بهبوط المستوى المعيشي للناس في أوروبا. أما في لبنان، فإن هذا الهبوط حوّل جماهير السرفيس، الطبقة المتوسطة الدنيا القديمة، إلى الفانات، أي إن هناك ـــــ إن صحّ التعبير ـــــ نوعاً من «هبوط طبقي» في العالم: من كان ينتمي إلى الطبقة المتوسطة العليا أصبح في المتوسطة الدنيا، ومن كان في الدنيا أصبح في الشعبية. ولا شك في أن تحوّل جمهور السرفيس، الطبقة المتوسطة الدنيا في لبنان، إلى الفانات، دليل على ذلك. تماماً كاكتشاف الباريسيين للسرفيس، خدمة التاكسي المشترك الأرخص من التاكسي الكلاسيكي.
الجميع يبحثون اليوم في فرنسا عن الأوفر. إن لم يكن لحاجة ملحّة آنية، فللتوفير من أجل غدٍ لم يعد مضموناً في بلاد يسبب فيها تخصيص جزئي لمصلحة الهاتف (فرانس تيليكوم) وما تفرضه إعادة هيكلة المؤسسة من ضغط على الموظفين، تزايد حالات الانتحار بين هؤلاء، حتى وصل المجموع منذ أسبوعين إلى 24 حالة انتحار في أقل من سنة ونصف سنة!
أما في لبنان، فالتفكير بالغد لا يجعلك للمفارقة تنظر بعيداً إلى «الأفق»، بل يبعث بنظرك على القلق إلى أسفل، إلى الأرض المهتزة تحت أقدامنا جميعاً.