حسن خليل

حرّض بطل فيلم «The Network» الذي ظهر في السبعينيات، الناس على الصراخ من الشبابيك عالياً «أنا أرفض الواقع ولا يمكنني التحمّل بعد الآن». وفي الفيلم يُتهّم البطل لاحقاً بأنه إمّا متآمر وإمّا مجنون.
لا أيها الطائفيون: أتباع طائفة اللاطائفيين ليسوا مجانين ولا متآمرين. فهم يرفضون هذا الواقع حتى التحدّي، ويقولون إنهم ليسوا منكم ولستم منهم ولن تكونوا واسطةً لعلاقاتهم مع أديانهم وخالقهم. وإذا كانت الدعوة لتعديل النظام «تآمراً»، فهم «متآمرون»! وليقودوهم إلى زنزانات إفرادية.
لا يا سادة: لن يؤمنوا بعد الآن بأن الأرزة هي رمز الوطن وخلوده، بل سيؤمنون بالزيتونة. وإن كان بعضكم يريد أن يدعي بأن «مجد لبنان» أُعطي له، فهنيئاً له «مجداً» كهذا. لم ولن يصدقوا أنكم قدّمتم شهداء من أجل «لبنان الواحد»، لأن بعضكم ضلّل خيرة شبابه في محاولة لكانتون هنا أو إقليم هناك لمذاهبكم. تقاتلتم من أجلها في ما بينكم ومع شباب المذاهب الأخرى. كفاهم أكذوبة أن «لبنان رسالة»، وكفاكم خطابات عن الإصلاح وإلغاء الطائفية وكأنكم «ملائكة الله في الأرض» في مواجهة المفسدين.
لبنان كيان جغرافي ولد معوّقاً ومشوّهاً من أبويه، الاستعمار والطائفية، وهو إن لم يكن حتى الآن مقسّماً جغرافياً، لكنه كذلك أخلاقياً ومذهبياً واجتماعياً وطبقياً وإدارياً وهيكلياً. ما يمنع تقسيمه فعلياً هو عدم جرأة أي طرف تبنّي الإعلان توجّساً من لصق التهمة به، وما يمنع توحيده هو تربّص الطوائف بعضها لبعض هلعاً من سيطرة طائفة ما على الأخرى.
ماذا يُقال للطوائف الكبرى في لبنان:
ـــ الموارنة، أو أُمّ الصبي، كما تدّعون: ألم تقتنعوا بعد بأنكم بصراعاتكم في ما بينكم، وصراعكم مع الآخرين تسيرون من حيث لا تدرون (وبعضكم يدري ولا يبالي) إلى مصير المسيحيين في العراق وفلسطين، وأن نظرية «لبنان لا يقوم من دون مسيحييه» قد تصبح وهماً؟ لبنان لا يقوم إلا من دون «مسيحييه ومسلميه الطوائفيين». إذاً، اخرجوا من خوفكم الدائم كأقليّة في هذا الشرق وكونوا مواطنين من دون طائفة إلا في بيوتكم وكنائسكم.
ــــ السنّة، الركيزة الثانية التي قام عليها هذا الكيان الجغرافي المشوّه: ألا ترون أنكم تقعون بالخطأ الاستراتيجي نفسه الذي ارتكبه الموارنة وأدى إلى ما أدى إليه؟ لقد رُكّب هذا الكيان في الطائف ليجعلكم في مركز الرئاسة الأولى فعلياً. هنيئاً لكم، ولكن انظروا بتواضع إلى ما حلّ بالموارنة قبلكم وهم الذين كانوا، دستورياً، في المركز الأول. هذا الكيان لا يُحكَم من طائفة تطغى على الطوائف الأخرى، فلا البُعد المصري ولا العمق الخليجي ولا استنفار أهل السنّة في الجزائر والمغرب ضمانات لكم. ضمانكم الوحيد أن تكون بيروت وطرابلس وصيدا، كما صور وجبيل وجونيه وبعلبك، مدناً لبنانية لجميع المواطنين، ولا تدفعوا الآخرين إلى الانزواء أو إلى العدديّة.
أما الشيعة، «ذائقو الحرمان» و«الثائرون دوماً على الاستكبار حتى إحقاق الحق»: لا يمكنكم بعد الآن، تحت شعار المقاومة ضد إسرائيل، أن تبقوا في الضاحية والجنوب والبقاع بؤراً سكانية منغلقة. المقاومة مقدّسة بدون شك، وعسى أن يأتي يوم يحمل البندقية معكم باقي اللبنانيين بعد أن يقتنعوا فعلاً لا قولاً بأن إسرائيل خطر على الجميع، ولكن هذا لا يعفيكم من ظاهرة الانغلاق الاجتماعي نتيجة توجّسكم من الآخرين، فالمقاومة ليست نقيض الانفتاح الاجتماعي والاقتصادي مع النسيج اللبناني. وكما أن شعب المقاومة كان حاضناً لها، على المقاومة أن تعطي شعبها. الشراسة ضد إسرائيل يجب أن تكون أيضاً مصحوبة بالتفاؤل والمرح والنظام الاجتماعي في الحياة اليومية، لا أن تكون فقط مصحوبة بالحزن والأسى. وإلا كيف يمكن تفسير ظاهرة العنف والفوضى في بعض الأزقّة من جهة، ونجاح ظاهرة صلاح عز الدين لسنوات عدة قبل كشف فساده؟ ما كان لذلك أن يحصل في مجتمع منفتح ومتطور في الحياة العامة.
الدروز: لقد عاصرتم الحركة الوطنية وياسر عرفات وسوريا. رفعتم علم الخمسة ألوان في الإقليم والجبل. تحالفتم تحت الكنف الأميركي لفترة. هل بات واضحاً أن لا خيار لكم ولغيركم إلا نسيج لبنان واحد؟
للجميع: ركيزتان لا يمكن القيام بدونهما:
ــــ في الشق الاجتماعي المعيشي، ومع كل إيجابيات الأموال التي تُصرَف على كل البؤر الاجتماعية في عكار وطرابلس وبيروت والضاحية والجنوب والبقاع، لا يتوهّمَنَّ أحد منكم أن الترويض على منظومات توزيعية عطائية يمكن أن يكون بديلاً من تقديمات الدولة في المدى البعيد.
ــــ وفي الشق السياسي، لا حرج بعد الآن. يجب إعادة النظر في تكوين النظام. لا يمكن المزج بين نظام ديموقراطي برلماني، ومفهوم التوافقية بين الطوائف.
خياران لا ثالث لهما: إمّا أن يُثبّت النظام الطائفي بالكامل في الدستور، فتصدح طائفة من هنا تطالب بالحفاظ على وجودها في هذا المشرق المتخبّط، وأخرى تستنهض إخوانها في الدين من الحجاز أو من المغرب، وتلك ترفع الصوت لعكس التمثيل العددي، وإمّا اقتلاع سرطان الطائفية والمذهبية نهائياً.
هذه هي رسالة أفراد الطائفة الكبرى التي لم يُؤتَ على ذكرها ضمن الطوائف الكبرى، طائفة اللاطائفيين، «المتآمرين» لتعديل النظام، مع الإشارة إلى أنه إذا لم يقم أفراد طائفة اللاطائفيين بحراك جدي مدني، فتسبقى رسالتهم كالصدى في الوادي. فليحزموا أمرهم و«يتآمروا» على صيغة النظام القائم، وإلا لا قيامة للبنان الوطن.