عكار هي خزان لبنان البشري. خزان المؤسسات العسكرية وخزان اليد العاملة النازحة إلى بيروت، وخزان الأراضي الزراعية المتراجعة الإنتاج دوماً، و«خزان المدرسة الرسمية»، كما اعتبرتها بالأمس وزيرة التربية. أخيراً، علت الأصوات محدّثة بأزمة مستشفى عكار الحكومي لجهة تلف معداته وقلة أسرّته واختصاصاته الطبية. أما إذا استفحل فيها الوباء، فهل سيُفتخر بأنها «خزان أنفلونزا الخنازير»؟


عكار ــ روبير عبدالله
قلقاً، انتظر خالد محمد علي من بلدة أكروم، عودة ابنه من مدرسته في يومه التعليمي الأول، ليروي له ما يطمئنه إلى الإجراءات المتخذة ضمن حرم المدرسة. لدى عودته أعطى الولد أباه ورقات ثلاثاً: على الأولى أن القسط الأول أصبح 500 ألف ليرة لبنانية، والثانية فيها كلفة الأوتوكار، والثالثة عليها رسم التسجيل وبدل القرطاسية! لم يستلم أبو محمد الورقة التي انتظر أن يقرأ فيها الإجراءات المفترض أن تتخذها المدرسة تحسباً لمخاطر انتشار فيروس أنفلونزا الخنازير الذي يلهج العالم به. وتالياً، لم يستلم التوصيات التي يفترض أن تبلغها المدرسة للأهالي. أبو محمد لم يكن شديد القلق على الكبار من أبنائه، فمعلوماته أن مخاطر الإصابة بأنفلونزا الخنازير أشد ما تكون لدى الأطفال، ومن حسن الحظ أن المدرسة تستقبل الأولاد على دفعتين: الأولى للكبار، والثانية تخص صفوف الروضة. غير أن لامبالاة المدرسة تجاه الدفعة الأولى جعلت القلق يساوره بالنسبة لابنه الأصغر المسجل في صف الروضة.
ريما نعمان معلمة في مدرسة كفرتون الرسمية القريبة من أكروم، لكن ابنتيها في ثانوية النهضة الخاصة. الوالدة، بوصفها معلمة تبلغت بتوصيات وزراتي الصحة والتربية، لكنها لم تطعّم ابنتيها باللقاحات المتداولة، فمعلوماتها أن اللقاحات التقليدية التي يتناولها الأطفال بطبيعة الحال وافية كاحتياط أولي للوقاية من أنفلونزا الخنازير. هذه اللقاحات، يقول صاحب صيدلية القبيات بشار سعود، إنها كانت متوافرة حتى أول من أمس، لكن مع اقتراب افتتاح المدارس اشتد الطلب عليها، فتعذر عليه تلبية كل الطلبات، لكنه موعود بالحصول على الكمية التي طلبها. بشار سعود يقول إن معظم زبائنه، وبخاصة من أبناء القبيات، تناولوا لقاحاتهم، واللقاح كما وصفه سعود يشبه الذي كان يبيعه كل سنة مع بداية الخريف، للوقاية من الأنفلونزا العادية، لكن هذه المرة أضيف إليه 15 ميكروغراماً من فيروس (H1N1)، لكن من «نسخة» أستراليا عام 2008 (الساري اليوم هو فيروس كاليفورنيا 2009)، وكذلك 15 ميكروغراماً من (H3N3)، كما هو مبيّن في تركيب الوصفة.
هذا في بلدة القبيات حيث يعتبر المستوى المعيشي مقبولاً إلى حد ما، ما يجعل التجاوب مع التوجيهات الصحية ممكناً. من هنا تأتي مدارس تلك البلدة على المستوى ذاته من التفاعل، فيدخل التلامذة إليها بشيء من الثقة بالقدرة على تجاوز استحقاق عام «أنفلونزا الخنازير» الدارسي. وتتوقف أم جورج سعد التي يدرس ابنها في مدرسة الآباء الكرمليين، عند الإجراءات المعتمدة في تلك المدرسة وارتياحها لتناول ابنها اللقاح المطلوب، كباقي زملائه، فلا داعي للقلق «لأنه إذا أصيب أحدهم بعدوى فلن يكون لها تأثير قوي». وهنا، ليست قليلة مدارس المنطقة ذات المستوى. فمنها أيضاً على سبيل المثال ليسيه عبد الله الراسي في حلبا حيث تقول منى حنا، السكرتيرة العامة في المدرسة، إن الإدارة اتخذت كل الإجراءات اللازمة بالتنسيق المباشر مع السفارة الفرنسية في لبنان، فللمدرسة طبيبها الذي يشرف، بمعزل عن موضوع أنفلونزا الخنازير، دورياً ومباشرة على الوضع الصحي في الليسيه. وتقول حنا إن اجتماعاً عقد مع الأهالي في بداية العام الدراسي، وتبلغوا في خلاله ضرورة عدم إرسال أبنائهم إلى المدرسة في حال اشتباههم بأي من عوارض الرشح أو غيره، وبالتالي ضرورة الاتصال بطبيب العائلة للوقوف على تفاصيل الحالة الصحية الطارئة، وأن الكادر التعليمي جاهز للتعويض على التلاميذ المتغيبين.
بعيداً من الوضع النموذجي في هذه المدرسة، والمدارس الحديثة والعصرية المنتشرة في بعض البلدات الغنية، كبينو ومنيارة، ثمة في عكار وفي القرى الفقيرة خاصة، عشرات الآلاف من التلاميذ العكاريين في مئات من المدارس الرسمية والخاصة، تحوم حولهم وحول مدارسهم شكوك وتكهنات عن إمكان تحولها إلى «عش» أو حاضنة للفيروس لاكتظاظها ولعدم توافر مقومات النظافة والعناية الشخصية المطلوبة فيها.
ففي إحدى المدارس الخاصة الفقيرة، التي نمتنع عن ذكر اسمها ومثلها كثير، لم يحدث أي اجتماع للأساتذة: لا قبل افتتاح المدرسة ولا مع بدء العمل. أعلن بدء التدريس مطلع الأسبوع الجاري. تسأل مدير المدرسة فيجيبك: «الأمر عادي، نحن نعلن عن بدء الدروس لنحرّك عملية تسجيل التلاميذ». يضيف أنه في اليوم التالي «تبدأ الدروس جزئياً في بعض الصفوف، ويستأنف تسجيل باقي التلاميذ» وهكذا رويداً رويداً يُتابع التعليم لحث الباقين على التسجيل، وتبقى المدرسة على هذه الحال من المراوحة زهاء أسبوعين. أما عن رفض تلميذ تبدو عليه بعض علائم المرض، فذلك «يضر بالمصلحة»، كما يقول، إذ «ما منصدق كيف بيجينا تلميذ جديد». وفي نوع من المصالحة مع الذات يقرر المدير أن أنفلونزا الخنازير كذبة «ابتكرها تجار الدواء». ولا غرابة بعد ذلك أن يصارحك حاجب في مدرسة من هذا النوع بقوله «والله مضت عليّ أيام عدة وأنا أشعر بارتفاع في الحرارة وبإنهاك شديد»، ومع ذلك فإن كانت أنفلونزا الخنازير فـ«على الله، ويصيبنا ما يصيب الناس».
في إحدى المدارس في قرية الدوسة مثلاً، ما زال القضيب وسيلة «إقناع» الطلاب. وفي مدرسة أخرى في تلمعيان يدبر عجوز مدرسة يستعمل فيها كتباً بمناهج تدريس تعود لأيام والديه (ألف همزة فتحة أَ). وفي دنبو تقسم المدرسة الرسمية دوامها بين قبل الظهر وبعده، وثمة مدرسة خاصة تجري من أمامها مياه العين المجاورة، ولكن ملوثة بمياه المجارير. هي غيض من فيض أزمات المناطق العكارية ومدارسها في زمن العزّ، فكيف بزمن أنفلونزا الخنازير؟ فهل تنجح إجراءات وزارتي الصحة والتربية في منع تحول عكار إلى حاضنة للفيروس ينطلق منها إلى كل البلاد؟



الفقراء خائفون