القاهرة ــ محمود عزت

تناول جاري في الميكروباص الجنيه المعدني «الفضّة» الجديد من يد الولد التبّاع (محصّل الأجرة). نظر إليه بعمق ثم أعاده إلى الولد قائلاً: «مش عايز فضّة». امتعض التبّاع هو الآخر. ثم أجابه «معاييش غيره».
لم تنته القضية هنا. إذ أصر جاري على طلبه وقال له: «إديني جنيه ورق... مش عايز أنا فضّة». يجيبه التبّاع: «طيب ما أنا واخده من زبون زيك ومش معايا جنيهات ورق». جاري: «مش مشكلتي ... ماتبقاش تاخده ودوّر على جنيهات ورق». كان الولد حكيماً، لم يطلب من السائق أو القيادة العليا التدخل الفوري، كما أنّه لم يكرر المقولات المشهورة في موقف كهذا من أنّها «كلها فلوس» و«الحكومة هي اللي عاملاها»، لأنّه كان سيسمع إجابات مثل: «بتخرم جيبي» أو «ملعون أبو الحكومة». من جهتي لا أفهم في الحقيقة أسباب تبرّم الجميع، ركّاباً وسائقين وتبّاعاً، من الجنيه الفضّة. فحين أصدرت الحكومة المصرية الجنيه الفضي الجديد انتشرت نظريات كثيرة عن سهولة فقدانه وإتلافه للملابس وصعوبة تداوله وهو ما يراه أصحاب هذه النظريات متلازماً مع نوايا الحكومة الخبيثة عموماً تجاه الشعب.
صاح الولد: «حدّ معاه فكّة عشرة؟». فأخرج راكب عشرة جنيهات ورقية من جيبه إلى التبّاع الذي ناوله بخبث عشرة جنيهات فضيّة. على الفور صاح الراكب: «لااا... إنت هتديني أنا الفضة... أبداً». بدأ الجدال من جديد. هنا كان لا بد من تدخل على مستوى أعلى فالتفت السائق إلى الجلبة التي تحدث في نطاق سلطاته. الولد التبّاع كان قد بدأ يفقد حكمته ويشتبك كلامياً مع الركاب المتبرمين من الـ«فضّة». حاولت تهدئة الموقف بين جاري والتبّاع قبل أن يصل الأمر إلى اشتباك حقيقي، وخصوصاً أنّ السائق كان قد توقف ثم نزل وحين وصل إلينا صرخ في تابعه الصغير على نحو أسكت الجميع: «هات ياض الفضّة». ناوله الولد بيد مرتعشة كلّ الجنيهات الفضية، خطفها السائق من يده وألقى في وجهه حفنة مساوية من الجنيهات الورقية الرديئة. وقبل أن يلتفت إلينا الولد ليحلّ الموضوع كان السائق يلتفت ويطوّح الجنيهات الفضية بعنف في النيل.