تكثر ظاهرة اعتماد مستند “رفع المسؤولية” عند بيع السيارات، وتنتشر هذه الظاهرة خصوصاً في البقاع. المستند قانوني، لكن بعض الباعة لا يعرفون المعطيات القانونية المتعلقة به، وبعض القضاة يرفضون تسلّمه


نقولا أبو رجيلي
يوم باع فادي (اسم مستعار) سيارته من نوع “تويوتا” لهشام (اسم مستعار)، لم يكن يتوقّع أن تلاحقه مشاكل سبّبها المالك الجديد. توجّه فادي إلى أحد الكتّاب بالعدل في البقاع الأوسط طالباً الاستشارة، فقال له الأخير إنه يمكنه أن يحرر مستند “رفع المسؤولية”، وروى له أن هذا الإجراء “على الموضة”، ويتّبعه عدد كبير من اللبنانيين.
قصة هذا المستند رواها فادي لـ“الأخبار”، قال إن الكاتب بالعدل كان قد أقنعه بتنظيم المستند لقاء مبلغ 35 ألف ليرة لبنانية، وأكد له أنه بذلك يرفع عنه كل المسؤوليات التي قد تترتّب على السيارة بعد تاريخ بيعها لهشام، بموجب وكالة عامة، وأضاف الكاتب بالعدل “إن هذا المستند يعتمده جميع الكتّاب بالعدل في لبنان، حيث يمكن إبرازه أمام المراجع القانونية والقضائية عند اللزوم”. بناءً على هذه النصيحة أُصدر المستند، وقد وقّعه هشام، ودُوّن بين مندرجاته ما حرفيته “أصرّح على مسؤوليتي بأن كل الحوادث والمخالفات وأحوال القوة القاهرة والأضرار اللاحقة بالغير مهما كان نوعها، ومهما بلغت قيمتها، والناتجة من حيازتي واستعمالي للسيارة المذكورة بعد التاريخ أعلاه، هي على مسؤوليتي التامة، وأتحمّل تبعاتها وحدي، كما أتحمل جميع التعويضات التي قد تترتّب للغير من جرّاء ذلك من مالي الخاص دون الرجوع إليكم بشيء من ذلك إطلاقاً، كما أتعهد تسديد جميع الرسوم المستحقّة على السيارة، وخاصةً رسوم الميكانيك ومخالفات السير اعتباراً من تاريخ بيعها فصاعداً”، موقّعة وممهورة بخاتم الكاتب بالعدل، الذي أدرج كامل هوية الشاري وصدّق على توقيعه.

عشرات الشكاوى وردت في البقاع ضد مشترين لم ينقلوا ملكيّات السيارات
مر وقت طويل قبل أن يضطر فادي إلى المثول أمام محكمة في قضية تتعلق بالسيارة التي باعها. فقد حرّر أحد رجال قوى الأمن محضر مخالفة في حق صاحب السيارة.
قدّم فادي مستند “رفع المسؤولية” الذي وقّعه هشام إلى قلم محكمة جزاء زحلة، لكن أحد القضاة رفض تسلّمه. وكان فادي يتوقّع أن إبراز هذا المستند القانوني سيعفيه من تنفيذ القرار الجزائي الذي صدر بحقه، والذي قضى بتغريمه مبلغ 75 ألف ليرة، استناداً إلى محضر ضبط.
قضية فادي ليست حالة استثنائية، الشاب لم يعد يدرك مدى قانونية المستند، ويتساءل أيضاً لماذا لا تصدر قرارات تمنع الكتّاب بالعدل على جميع الأراضي اللبنانية، من تنظيم مثل هذا المستند.
مستند “رفع المسؤولية” يُلجأ إليه عندما لا يرغب المشتري في تسجيل السيارة الجديدة بعد شرائها فوراً، ويكون ذلك أحياناً تهرّباً من دفع رسوم التسجيل، وفي أحيانٍ كثيرة يكون المشتري عاجزاً عن دفع هذه الرسوم.
مستشارون قانونيون يؤكّدون أن مستند “رفع المسؤولية” “قانوني مئة في المئة”، لكنهم يلفتون إلى أن النصوص القانونية تجبر الشاري على تسجيل سيارته في مصلحة تسجيل السيارات بعد مرور شهرين ـــــ حداً أقصى ـــــ من تاريخ شرائها، وفي هذه الحالة على البائع أن يتأكد من أن عملية نقل الملكية قد جرت. ويضيف المستشارون القانونيون إنه إذا تخلّف المالك الجديد عن تسجيل السيارة خلال المدة المحددة قانوناً، فإن ذلك سيرتّب عليه غرامات إضافية، وإذا سُجّلت مخالفة ضد السيارة، فسيجري البحث عن مالكها حسب السجلات الرسمية، وفي هذه الحالة سيكون البائع هو من يتحمّل المسؤولية. ويلفت المستشارون القانونيون إلى أن مسؤولية البائع تبقى قائمة حتى يصدر حكم يثبت عدم ملكية البائع للسيارة.
يُذكر أن مصلحة تسجيل السيارات والآليات كانت قد عمّمت قراراً يقضي بعدم تسجيل أية مركبة إلّا بعد مراجعة الملفات المدوّنة في الحاسوب الإلكتروني، للتأكد من أن طالب التسجيل لا يملك مركبة أخرى، لا تزال مسجّله باسمه، وتترتّب عليها رسوم ميكانيك غير مدفوعة سابقاً، أو أن تكون قد صدر باسم مالكها أية أحكام قضائية لأي سبب كان. ولكن جرى أخيراً التراجع عن هذا القرار.
الفترة التي سبقت التراجع عن القرار تسمح بالإضاءة على مدى انتشار ظاهرة التأخر في نقل ملكية السيارات، فقد ضجت أروقة مباني مصلحة تسجيل السيارات بحركة احتجاج من جانب مواطنين، كثيرون بدأوا يبرزون محاضر قضائية منظّمة حسب الأصول، تثبت تعرّض سياراتهم إما للسرقة، أو للحريق والتحطيم كليّاً من جراء حوادث أمنية، وفي حال عدم حيازة هذه المستندات جرى اللجوء إلى القضاء، إذ تقدّم كثيرون بدعاوى ضد أشخاص كانوا قد اشتروا سياراتهم بموجب وكالات عامة. “الباعة” كانوا يهدفون من هذا الإجراء إلى إلزام مشتري السيارات بالإسراع بنقل ملكيتها، هذا ما أكّده مسؤول أمني في البقاع لـ“الأخبار”، موضحاً أن عشرات الشكاوى وردت إلى قطعته الإقليمية، مصدرها النيابة العامة الاستئنافية في البقاع.


لقطة

يلخّص البعض المشكلة بأنها تكمن في “الجهل”، عدد من الباعة والمشترين الذين يوقّعون ورقة “رفع المسؤولية” ليسوا على علم بالمهلة القانونية التي يمكن خلالها اعتماد هذا المستند. كثيرون يستغربون الكلام عن المهلة، يروون أن عدداً كبيراً من الكتّاب بالعدل لا يلفتون المراجعين إلى هذه النقطة. وهنا يشدّد مستشارون قانونيون على ضرورة أن يسأل المُراجع الكاتب بالعدل أن يفيده بكل المعطيات القانونية التي تتعلّق بأي مستند، أو إجراء قانوني قبل توقيع الأوراق. أحد المستشارين القانونيّين علّق على الموضوع قائلاً إن “نسبة الأميّة لم تعد مرتفعة في لبنان، وعلى المواطن أن يستفسر قبل اللجوء إلى أي إجراء... فالقانون لا يحمي الأغبياء”.


تأخير نقل الملكية: أسباب مادية أو تجارية؟

المتابعون لقضية التأخّر في نقل الملكية يلفتون أوّلاً إلى أن المالك الجديّ لأية سيارة قد يضطر إلى دفع رسوم إضافية إذا تأخّر في تسجيل سيارته باسم الشاري في مصلحة تسجيل السيارات، وقد يزيد المبلغ الإضافي بعد عدة شهور (أو سنة) على مليون ليرة. يدرك المتابعون أن البعض يتأخر في نقل ملكية السيارة حتى يتأكد من أنها تناسبه، وثمة من يعمد إلى بيعها بسرعة، ومن المعروف أن تدني المداخيل مثّل عائقاً بالنسبة إلى البعض، فهؤلاء قد يجدون صعوبة في تأمين المبلغ الواجب دفعه عند نقل ملكية سيارة. إذاً يمكن اختصار أسباب هذه المشكلة بعاملين، الأول اقتصادي، أي ضيق ذات اليد، والثاني تجاري، حيث يكون الشاري نفسه تاجراً لا يريد امتلاك السيارة، بل تحقيق أرباح من خلال عملية بيعها لمشترٍ جديد.