وائل عبد الفتاح

رئيس مجلس الشعب المصري أرسل إلى الرئيس حسني مبارك تهنئة بقدوم سنة «رئاسية» جديدة... والطرفة ليست في اختراع تقويم يرتبط بالرئاسة في مصر... بل في أن التقويم واقعي جداً لمن يتابع خطوط السير المصرية تجاه قضايا من الإصلاح السياسي إلى صراع الشرق الأوسط.
«التقويم الرئاسي» يجمع الأمر ونقيضه، ويلغي المسافة بين أطراف متعارضة؛ الديموقراطية والقمع، المدنية والعسكرية، العلمنة والمحافظة، العقل والديماغوجية، النتيجة هي كل شيء ولا شيء في الوقت نفسه.
هكذا، وافق خالد مشعل على «المصالحة» بالطريقة المصرية مع الغريم الفلسطيني (فتح)، بينما تهدر ماكينات البروباغندا الحكومية ضد «مؤامرة» صهيونية لإسقاط المرشح المصري في اليونسكو.
لماذا لم يستخدم العقل في تفسير هزيمة المرشح المصري؟ ولماذا استخدم للوصول إلى شروط الحد الأدنى في المصالحة الفلسطينية؟
التناقض هنا ظاهري. لأن «التقويم الرئاسي» يسير بعيداً عن حسابات يمكن قياسها على مرجعيات كبيرة.
الصحف الهادرة بنظرية المؤامرة كانت ليبرالية وحكومية وناصرية... تحدثت كلها عن الدور الخفي والعلني لـ«الموساد» في إسقاط المرشح المصري الذي حرم من الفرصة بسبب مشروعه للدفاع عن عروبة القدس وفلتة لسان أحيت ذاكرة المحرقة عند اليهود.
هذا، بينما رئيس الموساد يزور مصر طبيعياً والخارجية الإسرائيلية قبلت الاعتذار عن «فلتة» اللسان... كذلك نتنياهو، أكد لمبارك أن إسرائيل لن تعرقل «حلم» اليونسكو.
إسرائيل صديق أقرب إلى حليف مع نظام مبارك... والخطوط موصولة... كيف إذاً انقلب الصديق الحليف على الأعراف؟ وإذا انقلب إلى درجة «الهزيمة الموجعة»، فلماذا لم تعترض مصر رسمياً؟
مصر ليس أنها لم تعترض على مؤامرة الموساد وحسب، لكنها أيضاً لم تعترض على اقتحام المسجد الأقصى، فهي القائدة العاقلة التي تستخدم قنوات الحكمة السرية لإيقاف التطرّف الإسرائيلي وتحجيمه...تستخدم العقل السياسي لا الموقف الزاعق.
هذه دروس ردّدها الخطاب الصحافي الشارح لتصورات مبارك السياسية...لكنه عند اللزوم ينساها ويعود إلى خطاب استخدم في عز العداوة المباشرة والصريحة مع إسرائيل.
والمسافة بين أميركا العدوّة والحليفة تكاد تكون ملغاة في هذا الخطاب... كأن التحالف مثل العداوة، فعل يرتبط بشيء خارج الإرادة والوعي... أو كأنّ هناك صورة مطلقة لأميركا وإسرائيل لا تتغيّر ولا تتبدّل... والسلام يمكن أن يدار بعقلية الكراهية نفسها.
إلى أين تقود هذه العقلية؟
غالباً إلى الركود... والدوران حول نقطة واحدة طيلة ٦٠ سنة من الصراع مع إسرائيل... لا الحرب اكتملت في انتصار حاسم (إذا كان هناك انتصار حاسم)، ولا السلام أدى إلى نزع فتيل الكراهية.
لم تكن هناك جرأة على الاعتراف بالهزيمة مرة... فتلاحقت الهزائم وتعاظمت المشاعر النرجسية لتبدو بديلاً من مواجهة الذات بحقيقة بسيطة (هزمنا لأننا لسنا جديرين بالانتصار) أو أن (الهزيمة لا تعني نهاية العالم) أو أن (المؤامرة ليست سبب الهزيمة).
هذه عيوب قديمة... تركّزت في نظام مبارك... ودفعته إلى قيادة الحركة في اتجاه وضع لا يمكن وصفه بسهولة.
فالمصالحة المصرية تبدو نجاحاً في إقناع حماس بالجنوح إلى السلم مع فتح... وإلى عقلانية وحكمة تنهي سنوات التطرّف.
لكنّ النظام الناجح في قيادة حماس إلى التحوّل... يحرّض جماهيره ضد مؤامرة الحلفاء (الأميركان والإسرائيليين) على طموحه في قيادة اليونسكو... إنها المعجزة المصرية التي تربك الجميع في الداخل والخارج.
كيف يمكن أن تكون دولة واحدة قائدة الاعتدال والتطرف معاً؟
هل هي حنكة الدول الخبيرة؟
الخبرة هنا في التخلّص من الأزمات لا في صناعة وضع سياسي مختلف... أو تحريك الصراع بشجاعة إلى مرحلة جديّة. خبرة التسكين التي لا يلفت انتباهها اللعب على الأوراق أو الحديث عن مبادئ... والأمران يحتاجان إلى عقلية مختلفة وتجهيز مغاير لما تعوّده «التقويم الرئاسي» في مصر... الاحتياج الحقيقي الآن ليس إلى مواقف شجاعة تجاه العدو أو الحليف، لكن تجاه الذات.
كيف يمكن الخروج من متاهة الركود؟
كيف تكون مصالحة القاهرة هي الأخيرة... وإسرائيل ليست شمّاعة العرب الدائمة؟
القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى مواقف إضافية... تحتاج إلى تفكير مبدع في أوضاع لا تجعل العرب يعترفون بأنهم يهزمون لأنهم لا يستحقون الانتصار.