علاء اللامي *

قبضة أخبار وردت خلال الأيام الماضية من بغداد وأشارت إلى خطورة العطب الذي أصاب سفينة العملية السياسية الاحتلالية القائمة على المحاصصة الطائفية في العراق، هنا بعض الأمثلة:
ــــ التيار الصدري حسم تردده الطويل، وقرر الدخول في التحالف الشيعي بنسخته الجديدة واسمه الجديد الذي أضيفت له كلمة «الوطني»! والواضح أن عدم وجود أطراف أخرى متحمسة للتحالف مع التيار بعد الانكماش الشعبي الذي أصابه، بسبب الانشقاقات الداخلية والممارسات السلفية التكفيرية، سهل عليه هذا القرار. وهكذا اتخذ التيار الصدري مكانه إلى جانب السادة عمار الحكيم وأحمد الجلبي وإبراهيم الجعفري وعبد الكريم العنزي المطرود من حزبه قبل أيام، إضافة إلى شخصيتين أو ثلاث من المكون العربي السني، سارعت أطراف سنية أخرى إلى تخوينها بلهجة لا تخلو من نزوع طائفي واضح. وبهذا يكون التيار الصدري بحسب بعض المراقبين قد عاد إلى مياهه المجتمعية والسياسية التي نشأ منها أصلاً، والتي قامت على مشروع «البيت السياسي الشيعي» الذي أطلقه أحمد الجلبي بعد الاحتلال بقليل، فيما اعتبر مراقبون آخرون أن هذا التيار انتحر سياسياً، وفرَّط بقاعدته الجماهيرية من سكان أحزمة الفقر، وبامتداداته المقاوِمة بالسلاح للاحتلال.
ــــ صحيفة «الصباح» الحكومية أعلنت أن السيد عدنان الدليمي رئيس «مؤتمر أهل العراق» سيعتزل السياسة قبل الانتخابات التشريعية المقبلة. ولكن المعني نفى ذلك وقال إنه غيّر اسم حزبه فقط إلى «التجمع الوطني العراقي» وسيشارك في الانتخابات القائمة ضمن أحد الائتلافات.
ــــ صحيفة أخرى غير حكومية تقول إن السيد الطالباني يفكر باعتزال السياسة، ولكن السيد مسعود برزاني «حذّره» (كذا بالحرف!) من فعل ذلك لأن خصمه اللدود نوشيروان مصطفى سيقفز إلى موقعه ويتفكك الموقف الكردي بكامله، وخصوصاً حول كركوك.
ــــ مصادر عديدة ذكرت أن الشيخ جلال الصغير، القيادي في حزب المجلس الأعلى والائتلاف الشيعي، سيخرج من الملعب السياسي بعدما «بالغ» كثيراً بحسب البعض، في مواقفه وتهديداته المليشياوية الطائفية وبعد «الدوش» السياسي والإعلامي البارد الذي وجهه إليه نائب الرئيس عادل عبد المهدي عندما استقبل صحافياً عراقياً انتقده الصغير بشدة بلغت درجة اعتبرها البعض تهديداً بالتصفية الجسدية.
ــــ فضائية عراقية التقت رئيس البرلمان والقيادي في جبهة التوافق السيد أياد السامرائي، فأعلن هذا الأخير عبرها أن النائب الثاني لرئيس الدولة، السيد طارق الهاشمي، انشق على الجبهة، أو للدقة، انسحب منها ومن الحزب الإسلامي، وهو يضع اللمسات الأخيرة على قائمته الانتخابية الشخصية. وقد أكد الخبر النائب عن الجبهة المذكورة والقيادي السابق والمنشق عن حزب الهاشمي، السيد نور الدين الحيالي، وقال إن جبهة التوافق والحزب الإسلامي لا علاقة لهما بقائمة الهاشمي الجديدة والشخصية.

الممثليات السياسية للمكونات الطائفية والإثنية قد انشطرت أو تشرذمت
ــــ في مقابل هؤلاء المتقافزين، والمنشقين، والمنسحبين، ثمة من يحنّون ويحلمون بالعودة إلى المناصب السياسية الكبيرة التي وصلوها ذات يوم. هؤلاء مستعدون للتحالف أو الانشقاق أو الانسحاب أو القفز من الطابق العاشر إذا لزم الأمر، لتحقيق أحلامهم في استعادة الكرسي المفقود. أحد هؤلاء، وهو السيد إبراهيم الجعفري، وقد تقدم ذكره، اصطف في الواجهة «الجديدة ــــ القديمة» للائتلاف الشيعي، جنباً إلى جنب مع طامحين وحالمين آخرين بكرسي رئاسة الوزراء، ومن بينهم أحمد الجلبي، رغم أن هذا الأخير فشل حتى بالاحتفاظ بمقعده الشخصي في الانتخابات التشريعية السابقة، ولكن الأحلام في العراق لا تؤخذ عليها ضرائب. وثمة أيضاً طامح آخر إلى استعادة ذلك الكرسي وهو السيد أياد علاوي، رئيس وزراء مجلس الحكم الاحتلالي السيئ الصيت، والذي شكله الغزاة بعد احتلال العراق وانهيار دكتاتورية صدام حسين. حاول علاوي تمثيل العلمانيين المؤيدين لخيار الحرب والاحتلال، وقد تمردت عليه قوى وشخصيات عديدة في كتلته البرلمانية، من بينها الحزب الشيوعي العراقي بقيادة السيد حميد مجيد (وله مقعدان في البرلمان الحالي) وكان ممثلاً في مجلس الحكم الاحتلالي على حصة الشيعة، ويا للعجب! السيد علاوي إذاً، جرب عدة تكتيكات سياسية محاولاً الخروج من عنق الزجاجة. من ذلك أنه، وهو الذي يوصف بزعيم العلمانيين في العملية السياسية، نافس الأحزاب الطائفية على كسب ود مرجعية السيد السيستاني، وقام بزيارة المرجع، وأصدر تصريحات مضطربة عدة ما لبث أن سحب بعضها وترك البعض الآخر في حجرة الكراكيب كنوع من الاحتياطي لوقت الشدة! وحتى الآن، لا يبدو أن علاوي وكتلته على وشك حسم خيارات سياسية، فهو ما زال يفاوض الجميع ويعد الجميع، ولكن قراره الأخير غامض وبابه السياسي مفتوح.
ــــ رئيس البرلمان السابق، الذي انشق على جبهة التوافق، السيد محمود المشهداني، نقل ميدان عملياته إلى العاصمة الأردنية عمان، وبدأ سعيه هناك لإقامة ما سمي ائتلافاً وطنياً يقوده تياره المسمى «التيار الوطني المستقل». وللمشهداني أسباب وجيهة كثيرة، وأخرى تثير قلقه، حدت به لاتخاذ هذا القرار: فهو سيعمل في ساحة تعج بالشخصيات والقوى العشائرية والحزبية المعارضة للحكم الحالي، والمحسوبة بهذا الشكل أو ذاك على النظام السابق، وهو استثنى من سوق مفاوضاته من أسماهم «الإرهابيين» فقط، مما يوحي بأنه سيسعى إلى التفاوض مع أطراف معينة من المقاومة العراقية الوطنية والإسلامية وعموم قوى مناهضة الاحتلال العراقية. أما المقلق، فهو أن الكلام على الورق لا ينطبق على الفعل في الميدان، حيث إن الجميع يشتمون الطائفية كعدو لدود، ويعلنون الوطنيةَ ولاءً أولَ وأخيراً في كلامهم، ولكنهم على الأرض لا يتحركون ولا يتفاوضون ولا يلتقون إلا بمادة بشرية وسياسية من طائفة واحدة، مزينة أحياناً ببعض قطع الديكور الرمزية من الطائفة الأخرى، ربما كنوع من جالب الحظ والبركة!
ــــ حزب الدعوة جناح المالكي، حتى وإن بدا للوهلة الأولى بمثابة «جوكر طايف» كما يقال باللهجة العراقية، لأنه يحاول استثمار مكتسباته الثمينة في الانتخابات المحلية الأخيرة، التي خرج منها منتصراً، (هل قلنا منتصراً؟)، هذا الحزب لم يحسم أمره بعد، فما زال يساوم ويفاوض الجميع علناً، ويطلق قياديوه تصريحات متناقضة، ويخوضون مفاوضات صعبة، حتى مع أطراف لم يكشف عن أسماء وهويات بعضها. هذا الحزب حائر تماماً، ويدرك حجم الأثمان التي سيكون عليه تسديدها إن أخطأ في حساباته. فلن يكون مقنعاً لأحد إنْ عاد إلى الائتلاف الشيعي بقيادة الحكيم بعد كل الهجاء الذي قاله بحق العملية السياسية الطائفية، وهو لا يريد التفريط بحجم التعاطف الجماهيري الذي تولد عن رفض العراقيين العفوي والعميق للطائفية وإفرازاتها، ولكنه بالمقابل لا يريد خسارة أو كسر الضلع الطائفي الذي أنتجه وأوصله إلى السلطة الأولى في الحكم العراقي القائم اليوم. السيد المالكي وحزبه اليوم ينطبق عليهما المثل العراقي الذي يصف المتورط بين خيارين أحلاهما علقم. فهو كبالع الموسى، يجرحه إذا أخرجه ويقتله إذا ابتلعه! يبدو واضحاً أن الخريطة السياسية العراقية القديمة قد اهترأت تماماً. غير أن بديلها لم يولد بعد، وقد لا يولد حتى يوم الانتخابات التشريعية المقبلة. غير أن الاستنتاج الأكثر أهمية هو أن الممثليات السياسية للمكونات الطائفية والإثنية الرئيسية قد انشطرت أو تشرذمت. فالمكون الكردي انشطر إلى قوتين: التحالف الكردستاني والمعارضة الجديدة بقيادة المنشقين على الطالباني، والذين أبلوا بلاءً حسناً في الانتخابات الكردية المحلية الأخيرة. والمكون الشيعي انشق هو الآخر بين الائتلاف بصيغته «القديمة ــــ الجديدة» وبين أطراف أخرى تبحث عن صيغ تحالفية أخرى، قد تتبلور عن تحالف جديد بقيادة حزب المالكي الذي تدل الإشارات على أنه ابتعد كثيراً عن احتمال العودة إلى الائتلاف الشيعي، مع أن هذا الاحتمال لم ينطفئ تماماً. أما المكوّن العربي السني فهو في حيص بيص سياسي تام، ولكن الأكيد هو أنه لن يتمخض عن قوة واحدة أو قوتين رئيسيتين، وربما يتشظى إلى مجموعة من القوى التي تلتحق بهذا التكتل أو ذاك.
* كاتب عراقي