مصطفى بسيوني *

كانت الآمال التي انعقدت على باراك أوباما قبيل دخوله البيت الأبيض سبباً في الإحباط الذي حل بعد روح التسامح التي أبدتها الإدارة الأميركية الجديدة مع نظم الاستبداد في الشرق الأوسط، وأولها مصر. ربما ظهرت تلك الآمال بوضوح في الرسالة التي وجهها من سجنه، أيمن نور، مرشح الرئاسة السابق، إلى أوباما، وكان ساعتها لا يزال مرشحاً لرئاسة أميركا، والتطلعات التي صاحبت صعود نجم الرئيس الأسمر، وخطابه الحماسي الذي أوحى بتغيرات في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط. استشف البعض أن إدارة أوباما ستكون أقل حرصاً على بقاء أنظمة الاستبداد في الشرق، وبالتالي أقل دعماً لها وأكثر ضغطاً عليها من أجل الديموقراطية. ربما كان هذا التفكير منطقياً إذا وضعنا في الاعتبار أن الإدارة السابقة قد اتخذت إجراءات متطرفة تحت شعار «محاربة الإرهاب»، وصلت إلى أساليب لا تختلف عن تلك التي تتخذها الأنظمة الاستبدادية، وتجعلها تشبهها، مثل تشريعات تتيح التعذيب أو بتعبير ألطف «استخدام القسوة في التحقيق»، والمراقبة وتوسيع دائرة الاشتباه.
ولكن ما قام به أوباما ناقض التوقعات التي صاحبت وصوله إلى الرئاسة. فقد بدأ بزيارة تاريخية للقاهرة أذابت الجليد الذي شاب العلاقات المصرية الأميركية، ثم استؤنفت الزيارات السنوية للرئيس المصري لواشنطن. وبدا أوباما أقل تعرضاً للأوضاع الداخلية وأكثر استعداداً لتجاوز الممارسات الاستبدادية. وربما كان خطابه أخيراً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي لمّح فيه إلى تحول السياسة الأميركية عن تصدير الديموقراطية، تأكيداً جديداً لتغيير في نهج تلك السياسة.
ولكن سؤالاً بديهياً يستدعي إجابة، قبل التباكي على الضغط الأميركي على الأنظمة المستبدة وتوجيهها في المسار الديموقراطي: ما الذي أنجزه ذلك الضغط عندما كان يسود توجه الإدارة لتصدير الديموقراطية؟

صعود حركات الاحتجاج في السنوات الماضية دفع ثمنه نشطاء الحركات السياسية المختلفة ومناضلوها
تمثل سنوات ما بين 2001 و2008 الفترة التي شهدت ــــ كما يفترض ــــ أعلى درجات الضغط الأميركي على أنظمة العالم الثالث، ومنها مصر، بهدف الإصلاح الديموقراطي. وكذلك هي الفترة الأكثر فتوراً في العلاقات المصرية الأميركية، إذ توقفت الزيارات الدورية بين البلدين على مستوى الرؤساء، ووصل التهديد بخفض المعونة الأميركية لمصر درجة الإهانة، كما لم تخف الإدارة الأميركية دعمها وتأييدها لخصوم النظام، مثل سعد الدين إبراهيم وأيمن نور وغيرهما. ووصل الأمر حد التلاسن بين بوش الابن ومبارك الأب في مؤتمر دافوس بشرم الشيخ في 2007، وتجاوز أبسط قواعد البروتوكول. هذا هو الضغط، فماذا تحقق على مسار الإصلاح الديموقراطي في مصر في هذه الفترة؟ العكس تماماً هو ما حدث، فقد استثمر النظام الحاكم في مصر العقد الأول من الألفية في تدعيم وجوده وإعداد ملف توريث الحكم. ما حدث في تلك الفترة هو ترتيب أوضاع النظام لتسليم مبارك الابن الحكم، بدءاً من ترتيب الحزب الحاكم داخلياً، ووضع جمال مبارك على رأس لجنة السياسات به، وتعديل الدستور بحيث يسمح له بترشيح نفسه للرئاسة لاحقاً.
الفترة نفسها شهدت اضطهاداً استثنائياً للمعارضين، وخاصة الذين حظوا بدعم أميركي مثل سعد الدين إبراهيم وأيمن نور، وقد سجن الاثنان. وعموماً، فمن يراقب أحداث الفترة التي كان عنوانها «الضغوط الأميركية من أجل الإصلاح الديموقراطي»، والتي كانت تبررها الإدارة الأميركية بأن ترك الاستبداد يتوغّل في العالم الثالث هو ما أدى إلى الإرهاب القادم من الشرق، لا يمكنه أن يكتشف أي أثر لتلك الضغوط في مصر. فقد جرى خلالها اختطاف عبد الحليم قنديل، الصحافي الذي هاجم التوريث، وضربه وإلقاؤه عارياً في الطريق الصحراوي، في ما يشبه ممارسة العصابات الإجرامية. وأُحرق مقرّا حزبي الغد والوفد المعارضين، اللذين شاركا بمرشحين في انتخابات رئاسة الجمهورية... لم يبدُ أن النظام الحاكم في مصر خلال تلك الفترة يتحرك تحت أي ضغط، فالمحاكمات العسكرية، والاعتقالات الإدارية، والتعذيب في المعتقلات وأقسام الشرطة، وتزوير الانتخابات الرئاسية والتشريعية والنقابية، بل حتى المحلية، لم تتأثر بما سُمّي الضغط من أجل الإصلاح الديموقراطي. استطاع النظام إذاً أن يسير بثقة وثبات في الاتجاه الذي حدده لنفسه، ابتداءً من تدعيم هيمنته والسيطرة على المعارضة بأنواعها، وحتى توريث
الحكم.
وما اعتبر انفراجاً في الحياة السياسية المصرية في تلك الفترة، والذي تمثل بصعود الاحتجاجات، كتظاهرات دعم الانتفاضة في أيلول/ سبتمبر 2000 وظهور حركة «كفاية» وشباب «6 أبريل»، وما تخلل ذلك من اتساع لهامش الحركات المعارضة غير الحزبية، وحصول جماعة الإخوان المسلمين على أكثر من 80 مقعداً في البرلمان، لا يمكن ربطها بحال من الأحوال بما يسمى بالضغط الأميركي.
بل سيكون ذلك تشويهاً مخلّاً بما جرى في مصر. فصعود حركات النضال السياسي والاجتماعي في السنوات الماضية دفع ثمنه كاملاً نشطاء الحركات السياسية المختلفة ومناضلوها، وحتى المواطنون العاديون: انتخابات مجلس الشعب التي فاز فيها الإخوان المسلمون بثمانين مقعداً لقي خلالها 14 مواطناً مصرعهم نتيجة العنف الذي استخدمته السلطة وحزبها الحاكم. والتظاهرات التي خرجت للتضامن مع فلسطين والعراق واجهت قمعا وحشيا من قوات الأمن، بل إن السلطة استحدثت طريقة جديدة لمواجهة المتظاهرين في عام 2003، عبر جمع المجرمين والمسجلين «خطر» من أقسام الشرطة، وإطلاقهم على المتظاهرين. ووصل الأمر لدرجة إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين في مدينة المحلة في نيسان/ أبريل 2008. فما تعرضت له حركة النضال السياسي والاجتماعي في مصر على مدى السنوات الماضية، من أشكال القمع والاضطهاد، وبغض النظر عن حجم ما أنجزته أو فوتته، يؤكد أنها لم تكن تحظى بأي شكل من أشكال الدعم أو الحماية تحت مسمى الضغط الأميركي.
ثم إن حركات المعارضة المصرية تلك، اتسمت في أغلبها بعدائها للسياسات الأميركية والصهيونية. فقد كانت التظاهرات المناهضة لغزو العراق، التي احتلت ميدان التحرير وواجهها النظام بدرجة غير مسبوقة من القمع، وصلت لاقتحام قوات الأمن لأحزاب ونقابات وضرب نواب البرلمان والصحافيين والنقابيين في الشوارع بطريقة وحشية، أدت إلى إصابة بعضهم إصابات خطيرة، كانت تلك التظاهرات نقطة انطلاق للحركة، ليس فقط ضد الهيمنة الأميركية ولكن أيضاً ضد الاستبداد السياسي للنظام، وضد سياساته الاقتصادية أيضاً.
إن أوهام الضغط الأميركي من أجل الإصلاح السياسي في عهد بوش ليست سوى تجاهل مبتذل لنضال وتضحيات مسجلة وموثقة على مدار الأعوام الماضية. والتباكي على هذا الضغط في عهد أوباما ليس سوى إهدار للإمكانات الحقيقية التي ظهرت وتظهر في الواقع المصري، وتعقد آمالاً للتغيير لا تخضع لتوازنات المصالح الأميركية بالمنطقة. إن عمال المحلة، وموظفي الضرائب العقارية، ونشطاء حركات التغيير، وشباب 6 أبريل، مهما كان الخلاف بشأن حركتهم، لم يكونوا بالمرة نتاج ضغوط أميركية. ومهما قيل عن الضغوط الأميركية فإن نتاج ثماني سنوات عجاف من الضغط الأميركي كاف جداً لإزالة أي أوهام وتبديد أي آمال بشأنها.
والأكيد أنه من المفيد دائماً للمتطلعين للتغيير فهم مختلف العوامل الداخلية والخارجية التي تؤثر في واقعهم، وإدراك نقاط الضعف والقوة للنظام الذي يتصدون له، ولكن اختصار إمكان التغيير في عامل واحد خارجي وغير مضمون، إنما هو إهدار لأي إمكان حقيقية للتغيير.
* صحافي مصري