نهلة الشهال



لإرسال رسالة الى المحرر، انقر هنا

لمؤتمر فتح السادس استثناءات يصلح تسجيلها في موسوعة عالمية مختصة بالغرائب: هذا أول مؤتمر يبلغ عدد المعيّنين فيه ضعفَيْ عدد المنتخبين، بل ثلاثة أضعافهم بعدما تقررت زيادة عدد «المندوبين» في اللحظة الأخيرة. وهذا أول مؤتمر لحركة تحرُّر يجري في ظل الاحتلال وبرعايته. ثم هذا أول مؤتمر ينعقد رغم غياب أحد أهم أجنحته، بل مقاطعته: التنظيم في غزة. ولكنه ينعقد رغم كل ذلك. وهو ينعقد بعد 20 عاماً من آخر مؤتمر. وليس ذلك مجرد وقت كبير مرّ، يحمل ما يحمله الزمن عادة من متغيرات. ففي الأثناء، حصلت أوسلو وكل ما تبعها. وفي الأثناء، رحل «أبو عمار» الذي كان يجيد ملء الثغرات والتستّر على العيوب بطريقته الفريدة، وهي مزيج من الشرعية العليا والأبوية والذكاء المفرط... رغم أن حجم الثغرات وطبيعة العيوب اليوم يدفعان للشك في فعالية عرفات نفسه لو كان موجوداً. وفي الأثناء، طال انتظار تفاعلات كان لا بد أن تولد داخل فتح للجواب على سوء الحال. الكوادر الشابة، الكوادر الجدد، الأسرى الحاليون وعلى رأسهم مروان البرغوثي، الأسرى السابقون... لا شيء! لا عند فتح، ولا عند سواها من تنظيمات منظمة التحرير، ولا خارجها: يا يسار! يا جديد! يا إسلاميون! لا حياة لمن تنادي!
أما «كوادر فتح الشابة» (التي شابت في الأثناء، ولكن هذا تفصيل)، فهي في أحسن أحوالها تصون نفسها من تهمة العمالة لإسرائيل، وتعمل على ملفات مصيرية، كالقدس مثلاً، بطريقة تقنية، ولا تجرؤ على ممارسة نقد علني، ولا سرّي، ما عدا بعض الهمهمة، لما آلت إليه الحال، وتفوّت مناسبة كالعدوان الأخير على غزة لتطرح المعضلة السياسية التي يقف أمامها الوضع الفلسطيني برمته، وتفضل على ذلك النجاة بواسطة ممارسة التماسك العصبوي المخجل. وأما اليسار، فمن لم يعرض خدماته في المزايدة على فاسدي فتح بحكم تفوق قدراته الفكرية المكتسبة، بدا مفوتاً تماماً. وأما «حماس»، فهي مشغولة بما تسميه أسلمة غزة، وبعفة الناس فيها. وفي السياسة هي وجه فتح الآخر كما في المرايا، تمتلك شبقها نفسه إلى السلطة، ومقدار قحطها السياسي نفسه، فأسئلة ماذا وكيف غير مهمة لديها، وهي تعتمد على لفظية ثورية مبتذلة وشبكة خدمات لتعويض السياسة. وأما تنظيم «الجهاد الإسلامي»، فلم يبلور بديلاً، وصار أشبه بشرطة مرور تطلق صفارات لا يلتفت إليها أحد من المسرعين إلى... حتفه.
وفي الأثناء، تقدّم المشروع الإسرائيلي، ولن نكرّر ما هو معروف. وهو يتهيّأ لتثبيت ما حقّقه، وللقفز نحو الملفّات الحاسمة: القدس وفلسطينيّو 1948 واللاجئون. والعنوان العام للمرحلة المقبلة هو الاعتراف (والمقصود اعتراف الفلسطينيّين) بـ«يهودية» الدولة الإسرائيلية، أي انتزاع موافقة المحكوم بالإعدام على موته.
وفي الأثناء، وكلما ازداد الوضع السياسي سوءاً، كانت السلطة الفلسطينية تنحطّ، وتجرّ فتح المتماهية معها، فتتحوّل إلى كائن هجين، ما زال يذكر أنه كان يوماً حركة تحرّر وطني (على علّاتها البنيوية القاتلة)، وهو اليوم يتصرّف كدولة بلا سيادة ولا أرض، وكسلطة لا تملك من أمر نفسها شيئاً. أما الفساد الفظيع الذي ينخرها، فلم تعد له علاقة بالفساد الأصلي الأول، لأنه اليوم متوافر، مغدق بقوة، ومستقبل برضى ذاتي، بديلاً لكل ما يُفترض أنه مبرر وجود الحركة: إذا كانت أوسلو قد أنجزت مكسباً تاريخياً لا يقبل الإنكار، وهو تجسيد الحق الفلسطيني بفلسطين، فإن ما عملت له إسرائيل بعد ذلك تمحور على كيفية استخدام هذه اللحظة للقضاء على الموضوع برمّته. وهو يتجاوز من بعيد ما يسمّونه في السياسة الالتفاف على موقف صعب لإبطاله، إلى ما يسمّونه في الرياضات القتالية استخدام قوة الخصم نفسه، وكل حركة يقدم عليها، للقضاء عليه.
اليوم ينعقد مؤتمر فتح، تتقدّمه وثيقة سياسية تصلح للصدور عن الأمم المتحدة! فيها كل المبادئ، فتبدو ظاهراً وكأنّها تقول اللازم. ولكنّ ثمّة جملاً صغيرة خبيثة لا تمرّ: «حل عادل لقضية اللاجئين»، وتكمل الجملة «على أساس القرار الدولي 194»، فتظن أنها حصنت نفسها من الشبهة. والتمسك بالعملية السلمية على أساس «المبادرة العربية»: يا سلام! يعني ليس على أساس الحقوق الأصلية المقرة دولياً، بل على أساس مقترح تسوية بات هو نفسه ملتبساً.
وكل ذلك «معليش»! ولكن، لا كلمة في الوثيقة عما جرى «في الأثناء»، منذ عام 1989. لا تقييم للماضي، ولا تقدير موقف للحاضر والمستقبل، ولا أدوات ووسائل وخطط (التأكيد على «مشروعية كل الوسائل بما فيها الكفاح المسلح» ليس وضعاً لاستراتيجيا). مؤتمر فتح السادس يجري وكأنه لا أزمة مصيرية تواجه القضية الفلسطينية، وأهم ما يدور فيه من صراع هو على عضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري. مبروك للفائزين!