ناهض حتر *

يكاد مشهد العقبة، الميناء الأردني على البحر الأحمر، الخميس 30 آب 2009، يلخّص المشهد الأردني كلّه عشيّة الآتي الصعب: قوات الدرك (منظمة أمنية جديدة شبه عسكرية تابعة لوزارة الداخلية) تفضّ بالقوة المفرطة اعتصاماً لعمال الميناء، لكن من دون أن تتمكن من استعادة تشغيله. العمال، وأغلبيتهم من أبناء العشائر الكادحين، قاوموا الدرك (المعدّ لكي يكون مرعباً لا يقاوَم) بأيديهم وصدورهم العارية. ووقع اشتباك بين الطرفين أسفر عن إصابات فادحة بين العمال. أحدهم (عاهد العلاونة) اعتُقل من بين خمسين آخرين، وعُذّب بالضرب على رأسه، ما أدى إلى كسر جمجمته، وتُرك على قارعة الطريق. وبينما كان في وقت لاحق يعاني سكرات الموت في مستشفى الأميرة هيا العسكري، حاصرت قوات الدرك المستشفى لمنع مئات العمال الذين جاؤوا للتضامن مع رفاقهم الجرحى من الخروج من المستشفى، محضرين لمجزرة أخرى. وفي الوقت المناسب، تلافى الجيش مأساة جديدة حين تدخّل لفك الحصار وإنقاذ المحاصرين. أعرب آمر المنطقة العسكرية للجنوب عن شجاعة، واستجاب لاستغاثة العمال بسرعة، فأمر الدركيين بمغادرة المستشفى والمدينة.
ليلة الخميس: التوتر يسود مناطق عشائرية عدّة في البلاد، والحافلات تنقل أبناءها إلى المدينة الطبية، حيث الجرحى المخطرون الذين نُقلوا بالمروحيات، وإلى العقبة حيث العمال المعتقلون والمطارَدون. كيف سيتطوّر الأمر لاحقاً؟ إلى تسوية أم إلى المزيد من التوتر والمواجهة؟ لا نستطيع الآن، ونحن نكتب هذه السطور أن نقرر الإجابة. لكننا نستطيع القول إن المشهد اكتمل لجهة دلالاته الأساسية.
ميناء العقبة هو واحد من الاستثمارات الحكومية الكبرى. وهو ميناء حديث مجهز، حسبما أفادنا خبراء، لخدمة الأردن والعراق معاً لمدة ثلاثين عاماً مقبلة على الأقل. وعلى رغم أن الميناء لا يعمل بكل طاقته حالياً ولن يستغلها كاملة في المدى المنظور، فقد قرر المخططون الاقتصاديون الليبراليون، عام 2008، لا خصخصته، بل «شطبه» وبيع أراضيه كعقار لشركة إماراتية، تم تمليكها أراضي أخرى لكي تنشئ ميناءً جديداً على نظام «البوت»، أي البناء والتشغيل والاستثمار لفترة 25 سنة على الأقل، لاسترداد التكاليف وتحقيق الأرباح.
بيع الميناء بنحو نصف مليار دينار استُخدمت لأغراض عدة، بعضها غامض، لكن، بالدرجة الأولى، لتأمين شراء جزء من الدين الخارجي بخصم زهيد (11 في المئة) في صفقة مثيرة للتساؤلات هي الأخرى، وخصوصاً أن الشراء الجزئي لذلك الدين، الذي استهلك تمويله حصيلة الخصخصة حتى تاريخه، حصل قبل ثلاثة أشهر فقط من وقوع الأزمة المالية العالمية، حين أصبح بالإمكان شراء الديون بخصميات عالية جداً. وبالمحصلة، بُدّد ثمن الميناء الذي لم يُحتسَب من قيمته سوى الأرض لا غير، ولم تتقلص المديونية، بل تزايدت، بينما ستخسر الخزينة عائدات الميناء لفترة طويلة.
اقترب موعد تسليم العقارات، ما عدا الميناء نفسه، للإماراتيين، وأصبح من الضروري إخلاء عمال الميناء من منازلهم الوظيفية. وعندما رفضت مؤسسة الموانئ منح هؤلاء تعويضات كافية تمكنهم من اكتراء مساكن جديدة، لم يكن أمامهم سوى الاعتصام.
وعمال الميناء، هم بالأساس، عمال في القطاع العام. كانوا يحظون بقدر معقول من الرعاية الاجتماعية قبل شيوع وباء أنفلونزا الليبرالية الجديدة. أبناء عشائر من مختلف أنحاء البلاد، موالون من الناحية السياسية، لكنهم جزء من الحركة العمالية الناشطة في البلاد دفاعاً عن حقوق ومكتسبات أصبحت من الماضي.
لم يدر في خلد عمال الميناء المعتصمين، أبداً، أنهم سيتلقون ضربة بكل هذا العنف على أيدي الأجهزة الأمنية. فالتحركات العمالية الاجتماعية غير المسيّسة تُعامل في الأردن، عادة، باللين. وكان ذلك أيضاً حتى في ظل الأحكام العرفية قبل 1989.
وما ينبغي الاعتراف به، أقلّه من أجل أن نفهم الجديد في المشهد الأردني، أن العقيدة الأمنية المتحكمة في الأجهزة والهيئات الأمنية، ظلت تقوم على مبدأ استخدام الحد الأدنى من العنف برفقة الحد الأعلى من مساعي التسوية. إلا أن هنالك (ربما «الحليف» الأميركي تحديداً) مَن قرّر، لأسباب تتعلق بالتحسب لتمرّد العشائر ضد سياسات التوطين، تغيير تلك العقيدة الأمنية جذرياً، باعتماد الحد الأعلى من العنف المفرط والعقاب الجماعي. ومن أجل وضع هذه العقيدة موضع التنفيذ، استُحدثت قوات الدرك التي جرى تدريبها وتثقيفها على أسس جديدة لا تراعي الالتزامات التقليدية في المجتمع الأردني.
وإبان العدوان على غزة، كان الدرك حاضرين. لكن لم يجر تحريكهم لأسباب سياسية. وكان حضورهم يخيف حتى ضباط الأمن العام. أحد هؤلاء الضباط قال لمتظاهرين أمام السفارة الإسرائيلية في عمان: «إذا اقتربتم أكثر فلن يوفر الدرك أحداً. لا أنتم ولا نحن!».
في الشهر الماضي، اعتصم عشرات من النقابيين والمثقفين والزراعيين، عشرات لا غير، وقفوا أمام وزارة الزراعة للاحتجاج على إدخال سلع زراعية منتجة في المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية. هذه السلع ممنوع استيرادها في الاتحاد الأوروبي نفسه، لكنها تُباع في عمان.
كان وقت الاعتصام المقرر 30 دقيقة فقط. أي أنه كان يمكن أن يمر من دون أية مشكلات. لكن كان هنالك قرار بإرسال الدرك لفض الاعتصام بالقوة، بل بالقوة المفرطة. ثمّة مَن كان يريد إرسال رسالة واضحة للنشطاء السياسيين: إن فترة التساهل قد انتهت. لدينا الاستعداد لممارسة القمع في أقسى صوره في مقابل أصغر احتجاج.
في العقبة، كانت الرسالة أقوى. لم يكن فض الاعتصام بالقوة ليفيد شيئاً. فالميناء سيظل مشلولاً على كل حال، والمطالب العمالية لا يمكن تجاوزها، وأكثر الحلول عقلانية للأزمة هو الحوار والتسوية. لكن القرار كان بكسر الاعتصام وكسر الرؤوس والاعتقالات الجماعية والمطاردات ومحاصرة الجرحى.
ثقافة جديدة لجهاز أمني جديد عشية التحوّلات الآتية: لا تسامح ولا تسويات، لا نقابات ولا عشائر، بل العنف بلا حدود في مواجهة أدنى تمرّد مهما كان نوعه ومهما كان حجمه وكائناً مَن كان القائمون به.
أما الجيش العربي، فهو الاسم الرسمي للجيش الأردني الذي يعتبره الأردنيون ليس فقط مؤسسة وطنية، بل أيضاً مؤسستهم الوطنية التي تضم أبناءهم وتمثل، بالنسبة للعشائر، المؤسسة والمستشفى والمدرسة والجامعة والتكنولوجيا والمصنع والتأمينات الاجتماعية والنفوذ والشعور بالأمان والاعتزاز.
ولأنّ الجيش ليس مجرد مؤسسة من الهياكل والأفراد، بل لحمة اجتماعية وثقافية وعقيدة عسكرية لا تتشكل، ولا يمكن إعادة تشكيلها، بين عشية وضحاها، فإنه من المستحيل تفكيك تلك اللحمة، وتغيير العقيدة العسكرية القائمة على معاداة إسرائيل والدفاع عن الدولة الأردنية ومصالح العصبية الأردنية، إلى سوى ذلك، من دون تفكيك الجيش نفسه. وعلى هذه الخلفية، تنصبّ الهجمات التوطينية والليبرالية الجديدة على تركيبة الجيش العربي، ومحتوى المؤسسة العسكرية الاجتماعي. ومع ذلك، فإن الجيش الذي يحظى بتأييد الإجماع الوطني، يظل عصياً على الهجمات والضغوط، ويظل موضع رعاية واهتمام القصر والمجتمع، الموالاة والمعارضة معاً.
وفي العقبة، سلك الجيش العربي كما هو متوقع منه أن يسلك.
لطالما شهد تاريخ المجتمعات أياماً طويلة تختصر عقداً أو أكثر من السنين، تكشف الحاضر وعناصره الفاعلة، وتشير إلى المستقبل، وتضيء التعقيدات بأنوار ساطعة.
هكذا كان يوم الخميس، 30 تموز، الطويل في العقبة، يقدّم الحقائق الأردنية شفافة لمَن يريد أن يقرأها، وهي:
1ــــ النتائج الاجتماعية المريرة للسياسات الليبرالية الجديدة لم تظهر بكامل قسوتها بعد. وهي مرشحة لمزيد من التفاعلات والتسييس. والاتجاه العام لتلك التفاعلات يسير نحو تحوّلات اجتماعية عميقة في بنية العشائر الأردنية تقودها، موضوعياً، إلى مواقع طبقية صريحة من الفئات الوسطى المتدهورة وجماهير المفقرين العاملين بأجر، والذين لم يبقَ لديهم ما يخسرونه، ولم يعد أمامهم من طريق سوى المجابهة الاجتماعية الضارية.
2ــــ إن هذه اللحظة الاجتماعية تتعانق مع لحظة وطنية تتمثل في تزايد التهديد الصهيوني للكيان الأردني. وهو ما من شأنه أن يخلق نمطاً كلاسيكياً من الحراك الاجتماعي ــــ الوطني من تضافر القضيتين معاً.
3ــــ إنّ تجربة قوات الدرك، كاحتياطي قمعي، فشلت سياسياً وعملانياً، أولاً، بسبب التصدي الشجاع لها من عمال لم يرهبوها، وثانياً، بسبب تدخل الجيش لنصرة العمال، وثالثاً، بسبب تحرك العشائر في سياق اجتماعي مضاد. وهكذا، يمكننا أن نستنتج أنه لا يمكن تعديل البنية الأردنية جزئياً، أو ليّها أو تدوير زواياها لاستيعاب المشروع الأميركي الإسرائيلي بشأن الأردن. والأسلوب الوحيد الممكن لتمرير ذلك المشروع هو كسر هذه البنية بالعنف الشامل. وهو مآل سيُغرق الجميع، المجتمع والدولة والنظام، في مستنقع بلا قرار.
* كاتب وصحافي أردني



بالطبع أنا أساجل الشهيد مهدي عامل

شاكراً للسيد خليل عيسى اهتمامه، أود أن أسجل الملاحظات التالية على رده (الأخبار، 31 تموز 2009) على مقالي «مشرق العصبيات»:
أولاً، بالطبع أنا أساجل الشهيد مهدي عامل. ومَن سواه تصدى للإشكالية المطروحة بمسعى نظري أصيل؟ مهدي لم يتبع البنيوية الألتوسيرية على سبيل «الموضة»، كما يقول عيسى، بل سعياً لتنظير واقع غير مطابق للتحليل الماركسي التقليدي. ففي الحرب الأهلية في لبنان، كانت، ولا تزال، جماهير طائفية تخوض صراعاً وطنياً. حلّ مهدي هذا التناقض من خلال الوظيفية البنيوية. إن تلك الجماهير تلعب، في ظروف إقليمية ودولية معقدة، دور الطبقة العاملة وحلفائها في البنية اللبنانية. وعلى هذا، وجد للحزب الشيوعي اللبناني دوراً في قيادة هذه الجماهير نحو الاشتراكية. في رأيي، ثبت بطلان هذا الحل. لكن ذلك لا يقلل من أهمية المساهمة العاملية. بالعكس، فقد فتحت حقلاً للتفكير ما زال بكراً.
ثانياً، أنا أحاول استكشاف هذا الحقل وممكناته النظرية والسياسية. وهو ما قادني نحو أولوية علم الاجتماع السياسي، ونحو ابن خلدون بما يتيحه من مساحات للتفكير المادي في العصبيات التي أرى أنها لا تزال تتحكم بالسياسة، بمعناها الشامل، في بلادنا.
ثالثاً، قولي في الاعتراف بالعصبيات، والسعي إلى استكشافها في حفريات ثقافية، وقراءة آليات عملها السياسي، لا يذهب إلى تأبيدها، بل إلى محاولة التوصل إلى اقتراح لتجاوزها في منطقتها الإقليمية الخاصة أي في الهلال الخصيب.
رابعاً، واقتراحي هو الآتي: الاعتراف بالعصبيات ودراستها وتحديد آليات اشتغالها ومصالحها وهواجسها، بدلاً من مجرد تكرار إدانتها، كأساس لا غنى عنه لتجاوزها.
على المستوى السياسي، أرى أن الطابع الرث الحالي لعصبيات الهلال الخصيب راجع إلى تقسيمها هي نفسها بين الدول القائمة. ففي إطار هذا التقسيم، يصبح مثلاً السنّة الأكثريون في بلاد الشام، أقلية في العراق، محكومة بالتناقض مع أغلبية شيعية. وهو وضع سيسقط تلقائياً في صيغة وحدوية بين الشام والعراق. سنّة الهلال الخصيب أكثر وأقوى وأكثر تحضراً من أن يتبعوا السعودية. في المقابل، لن يغدو شيعة لبنان أقلية، بل جزءاً من كتلة وازنة لن تكون مضطرة إلى الاندراج في النفوذ الإيراني وتعقيداته. وهو ما ينطبق على المسيحيين الذين هم، على مستوى الهلال الخصيب كله، ليسوا في وضع أقلية مهددة، بل مكوّن أساسي مستقر. حتى الدروز اللبنانيون سيغدون طائفة أقل تماسكاً وأكثر حيوية إذا ما اندمجوا مع جبل العرب في سوريا. والعصبية الأردنية (القائمة على أساس اجتماعي ــــ ثقافي لأنصاف البدو ــــ أنصاف الفلاحين)، سيتغيّر دورها السياسي جذرياً إذا انفتحت على امتدادها الطبيعي في القسم السوري من حوران. أمّا العصبية الفلسطينية، فإنها لن تخرج من ضيق أفقها وانقساماتها وتستعيد طابعها الوطني النضالي إذا لم تلتحم بمداها الهلاليّ.
في المرحلة التالية، سينشأ حراك نحو المواطنة في اتحاد هلالي قادر على حل مشكلة التنمية والتشغيل والإنتاجية، عدا مواجهة إسرائيل وتفكيكها.