على سطح في وسط المدينة، على أغلى شاطئ، في صالة تحت الأرض. السهر في بيروت موضة. كرّس الشباب عناوين حانات تخضع لطقوس معقّدة جعلتها عصيّة على الراغبين في ارتيادها... من الشعب العادي!


صباح أيوب
هنا، تجربة واقعية لشباب «خاضوا مغامرة» السهر في أشهر أربع حانات في بيروت.
- المشهد الأول:
تقرر مجموعة من الأصدقاء، من أصحاب الدخل المتوسط، السهر في أحد الأماكن المعروفة في وسط بيروت. قبل أسبوع، يتصلون برقم الحجز فيأتي الجواب «لا مجال... المكان Full حتى الشهر المقبل». لكن الشباب يصرّون على السهر في تلك الحانة التي يتكلم عنها الجميع. فيتصلون مجدداً وبثقة أكبر. يعرّفون عن أنفسهم هذه المرة بلقب «الدكتور فلان» أو «من مكتب النائب علّان» ويأتي الجواب «هناك طاولة متوافرة وهي للـVIP أي للشخصيات المهمة (وبالتالي هي أغلى طاولة)، ويجب أن تكونوا هنا منذ الساعة الثامنة والنصف وإلّا... بتروح الطاولة!». يتنفّس الشباب الصعداء، الطاولة حُجزت وقد صنّفوهم من «الشخصيات المهمة». ولكن، بعد يومين يتصل أحدهم من المرقص: «نودّ أن نعلمكم بأن أحد الأشخاص دفع 5 آلاف دولار لطاولتكم، فهل تدفعون أكثر لتحافظوا على الحجز؟» تنهار آمال الشباب ويحسون بقهر وحرمان وظلم كبير، أسبوع آخر وهم خارج دائرة عالم الليل والسهر إيّاه! لكنهم يستمرون في «النضال» وهذه المرّة سوف «يتذاكون» على مكتب الحجز. فيتصلون بعد أسبوع، وقد استعانوا بصديقهم الأجنبي الذي دفعوه للتكلم مع مكتب الحجز من رقمه الخارجي، وشدّدوا عليه استخدام لكنته الخليجية الصافية... فكان لهم ما أرادوه، وحجزت طاولة الـ VIP على الفور دون أي شروط مسبّقة. انفرجت أساريرهم، لقد حجزوا للتو مكاناً لهم في عالم... الآخرين.
مشهد الحجز في أماكن السهر الأشهر في بيروت بات يشبه ألعاب القمار والمراهنة. وأصبح من المتعارف عليه أنه يجب أن تكون على علاقة بصاحب المرقص أو الشخص المكلّف بالحجز لتتمكن من الحصول على طاولة بطريقة طبيعية دون اللجوء إلى الكذب أو دفع الأموال الطائلة. وقد تنبّه بعض اللبنانيين للأمر منذ سنوات، فحوّلوه إلى تجارة، وحجزوا منذ بداية العام طاولة لموسم الصيف بأكمله ثم بدأوا بتأجيرها مع بداية الصيف بمبالغ تصل إلى 2000 دولار في الليلة.
- المشهد الثاني:

بعضهم حجزوا طاولة للموسم يؤجّرونها
بـ 2000 دولار لليلة
تصل مجموعة الأصدقاء إلى المرقص عند الساعة العاشرة، أضواء عن بعد وصدى الموسيقى مسموع من على بعد أمتار. زحمة سيارات كما في وقت الظهيرة و«الفاليه باركينغ»، على كثرتهم، يعجزون عن تلبية جميع الواصلين. تولي سيارتك إلى الشاب المنهمك، الذي يختفي مع سرب السيارات المتوجهة لتركن في الشوارع المجاورة المكتظة أيضاً. تتوجّه إلى مدخل المبنى ـــــ الذي يقتصر على باب واحد ضيّق في أحد أكثر الأماكن ازدحاماً في العاصمة ـــــ تنتظر بين الجموع ليرفع عامل الاستقبال رأسه ويتوجّه بالإشارة إليك. الشاب عريض المنكبين صاحب العبسة الأرهب في البلد يرمقك بنظرة «من فوق لتحت» ويبادرك بالسؤال «في حجز؟». وهنا، تجدر الإشارة إلى أن إمكان المرور لا تتعلق بالرد بـ«نعم» على ذاك السؤال بل بشروط كثيرة غير ذلك: فإذا لم يعجب منظرك عامل الاستقبال، لجهة الثياب التي ترتديها أو الحذاء الذي تنتعل أو طول قامتك أو حدّة سمرتك أو ربما فقط لكونك «لم تدخل مزاجه»... فهو سيبادرك برفع الحاجبين مع عبارة «ما فيي فوّتكم!». وإذا كنتم مجموعة من الشباب (الذكور) فالإجابة تلقائية: «ممنوع الدخول»، حتى لو كان اسمك وارد في لائحة الحجز. «لدينا حجز، وصديقاتنا ينتظرننا فوق» أشار أحد الشبان والغصّة في حلقه، يجيب الموظف «ما بعرف، ما فيي طلّعكم». «طيّب، هل يمكننا الاتصال بهنّ فينزلن ويصطحبننا إلى فوق؟» لم يكمل الشاب توسّله بعد حتى شعر بضربة كوع على صدره أبعدته خطوات إلى الوراء: هي ذراع عامل «الاستقبال» الذي كان يرحّب بأحد /إحدى زبائن المحل المعتادين فاسحاً لهم المجال للدخول مباشرةً. لكن الشاب «المُبعَد» لم يستسلم بعد، وها هو يهتدي إلى الوسيلة التقليدية، فيمدّ يده للموظّف و«يناوله» 50 ألف ليرة. فإذا بحاجبي الموظّف ينفرجان، والابتسامة ترتسم والمنكبين ينفردان للترحيب بالشباب «تفضّلوا آخر طابق على اليمين».
مشهد اجتياز حاجز «الاستقبال» في تلك الأماكن يفوق إذلالاً ورعباً لحظات عبور حواجز الميليشيات في عزّ الحرب اللبنانية.
- المشهد الثالث:
... وصل الشباب إلى المرقص. المكان مكتظ بمعدّل 7 أشخاص في المتر المربّع الواحد! الواقفون أكثر من الجالسين. يصل الشباب إلى طاولتهم بعد عناء، ويهمّون بطلب المشروب، وهنا المفاجأة. يكتشفون أن، مجرّد وجودهم على هذا النوع من الطاولات (VIP) يجبرهم على طلب أغلى نوع من أنواع الفودكا الموجودة في المحلّ، كما يحدد لهم نوعاً واحداً مستورداً من عبوات المياه المسموح بشربها!! وهكذا تنتهي السهرة بفاتورة بآلاف الدولارات، وفوضى في الحساب في أغلب الأحيان. وبعد 3 ساعات يبدأ الساهرون بالمغادرة.
مشهد الساهرين المحشورين يدفعك إلى التساؤل «لماذا هم مسرورون وهم لا يستطيعون الرقص حتى!».
- المشهد الرابع:
يخرج الشباب من السهرة، ويضطرون إلى الانتظار نحو 30 دقيقة مع الحشود كي تصل السيارة المركونة بعيداً.
يبتسم أحد الشباب ويتذكر أنه كان في الولايات المتحدة منذ أسابيع، فيقول: «السهر في لبنان فعلياً أغلى من السهر في نيويورك!».


خدعة الشامبانيا: لزوم ما يلزم

موضة درجت في معظم أماكن السهر في الأعوام الماضية وتبلورت هذه السنة. وهي أن تفتح زجاجة «شمبانيا» بسعر باهظ (نحو 8 آلاف دولار)، فتأتيك الزجاجة إلى الطاولة مرفقة بموكب من الألعاب النارية في مشهد احتفالي يلفت الانظار. أخيراً، بات في إمكانك أن تستأجر تلك «البهرجة» فتدفع المبلغ المرقوم ويُحتفى بك وبالزجاجة، لكنك لن تتمكن من فتحها ولا من تذوّق نقطة واحدة منها لأنها... بالإيجار!