عمر نشابة

حاصر التنين الآتي من الصحراء مار جرجس في مينائه التاريخي، حيث آمن البعض بأنه هزم يوماً تنين البحر. لم يعد مسموحاً أن تدخل القوارب واليخوت إلى فندق السان جورج إلا بإذن سوليدير، كأنه لم يعد مسموحاً أن تعود بيروت إلا خدمة لمصالح الشركة العقارية. هكذا استخدم الرئيس الشهيد رفيق الحريري مركزه وسلطته السياسية لتستولي تلك الشركة على ميناء يرمز إلى بيروت أيام العزّ.
ففي الثامن من كانون الثاني 1932 وفي 8 حزيران 1937 صدر مرسومان (8822 و784) أجازا لشركة الفنادق الكبرى في المشرق (SGHL) بناء فندق على العقارات 349 و377 و1243 واستثمار مساحة 2000 متر مربع على الواجهة البحرية. وفي شباط 1957 صدر المرسوم الرقم 14981 الذي أجاز للفندق إقامة ميناء للقوارب واليخوت السياحية وتشغيله، أُطلق عليه اسم نادي السان جورج لليخوت (The St George Yacht Motor Club). وفي عام 1959 صدر المرسوم الرقم 2660 الذي منح المشروع حق استثمار 2000 متر مربع إضافي على الواجهة البحرية. على هذه الواجهة أُقيم منتجع «إيليت» الشهير التابع للفندق الذي توافدت إليه مشاهير الغرب والشرق من أمراء وشيوخ وممثلاث وعارضات أزياء وراقصات وأدباء ومسؤولين سياسيين دوليين وعرب.
لكن في 21 كانون الأول 1995 تغيّر كلّ شيء، إذ صدر المرسوم الرقم 7692 الذي منح شركة سوليدير حق استثمار الميناء الشرقي والغربي للسان جورج. الشركة العقارية التي أسسها وأطلقها الرئيس الشهيد رفيق الحريري كانت قد استولت على أملاك الناس بحجة إعادة الإعمار بعدما تمكن الحريري مطلع تسعينيات القرن الماضي من إمرار قانون الشركة العقارية في البرلمان.
تحركت شركة SGHL خلال منتصف التسعينيات قضائياً بهدف إلغاء المرسوم 7692 فطلبت السوليدير تسوية الخلاف وسحبه من القضاء.
وفي 17 أيلول 1997 صدر عن مجلس الوزراء القرار الرقم 26 الذي منح شركة سوليدير حق استثمار الميناء لمدة 50 سنة.
أثار ذلك جدلاً واسعاً بشأن قانونية القرار الحكومي، غير أن الدولة سمحت لسوليدير بالقيام بأعمال ردم وتوسيع الميناء، تمهيداً لاستخدام سوليدير له. انتهت الأعمال عام 1999 وبدأ تشغيل المارينا. وخلال العام نفسه أنذرت المديرية العامة لوزارة الأشغال بضرورة كفّ يد السان جورج عن الميناء كلياً في محاولة للقضاء على المرسوم 14981 (1957)، واستندت الوزارة إلى القرار الحكومي الرقم 26.
صمد السان جورج بفضل تأليف رئيس الحكومة آنذاك سليم الحصّ لجنة تقصّي حقائق بهذا الشأن. صدر عن اللجنة خلاصة مفادها أن القرار الحكومي لا يلغي المراسيم الجمهورية. غير أن عودة الرئيس الحريري إلى رئاسة مجلس الوزراء سمحت لصدور القرار الرقم 40 عن الحكومة الذي تبعه صدور المراسيم الرقم 4837 و4838 و5714 (2001) التي قضت أخيراً على المرسوم 14981 (1957) بالكامل. وهكذا تمكن الحريري وشركته من حشر مار جرجس.
غير أن الآلاف ما زالوا يترددون إلى مسبح السان جورج اليوم. منهم من يتذكّر الأيام الحلوة، ومنهم من يُعجَب بالمباني الشاهقة المحيطة بالمسبح كأنياب تتهيأ لتحطيمه قبل ابتلاعه بالكامل.