محمد شعير
يعيش بين باريس والقاهرة. هو حالة فريدة في الفكر المصري. مهّد الطريق للآخرين، وأطلق دائماً الرصاصة الأولى. صاحب «نهضة مصر» من أبرز الأساتذة الذين أفاد إدوارد سعيد من تجربتهم، وخصوصاً في نقد الاستشراق... نشر أنور عبد الملك عام 1963 مقالته الشهيرة «الاستشراق في أزمة»، في مجلّة Diogène. ألقت المقالة حجراً في بحيرة راكدة، وقوبلت بهجوم حادّ بعدما عدّها كثيرون «تصفية حساب مع الغرب». لكنّ عبد الملك التزم الصمت تجاه منتقديه... حتى جاء إدوارد سعيد وأخذ الفكرة إلى آفاق أوسع.
«عشت حياة بلا حدود». هكذا يلخِّص المفكر المصري البارز مسيرة حياته الطويلة سياسياً وثقافياً. سمّاه والده أنور، تيمّناً بمؤسس «حركة تركيا الفتاة» أنور باشا. هذا الوالد عمل قنصلاً لمصر في لندن، وقبل هذا، قاد منظمة «اليد السوداء» التي عُدّت التنظيم السري لـ«حزب الوفد» خلال ثورة 1919. أمّا الجَدّ فكان شهبندر تجار القاهرة نهاية القرن التاسع عشر... منذ بلغ أنور الثالثة من عمره، لم يتوقّف والده عن تعليمه «كلّ شيء: التاريخ والجغرافيا والمعارك الكبرى واللغات
و... حتّى قيادة السفن الملاحية الصغيرة». لكنَّه رحل قبل أن يبلغ ابنه الثامنة، ليحلّ محلّه عمُّه فؤاد، مؤسس «جمعية الفنون الجميلة» ويرافق أنور إلى المتاحف والمسارح والأوبرا. هكذا، شاهد الصغير نجيب الريحاني واستمع إلى أم كلثوم والموسيقى الكلاسيكية...
عندما تدخل بيت أنور عبد الملك اليوم، تستمع إلى الموسيقى الكلاسيكة في كل أنحائه، بعدما وزّع مكبّرات الصوت على كلِّ ركن فيه... وزَّع أيضاً على الجدران صور جمال عبد الناصر ومحمد علي باشا ورفاعة الطهطاوي وماو تسي تونغ وسون تزو وشهدي الشافعي. «هذه الشخصيات أدّت دوراً مهماً في تكويني. الطهطاوي ومحمد علي رائدا نهضة مصر، وجمال عبد الناصر بطل عظيم، لكنَّه دمَّر الطبقة السياسية في مصر» يقول.
أما Sun Tzu صاحب «فن الحرب» ــــ ذلك الكتاب الذي وحّد الإمبراطورية الصينية ــــ فلم يفارق عبد الملك منذ اكتشف أفكاره أواخر السبعينيات... قرأ مؤلَّفه مرّاراً، وأهدى إليه كتابه «الجدلية الاجتماعية». صاحب «المجتمع المصري والجيش (أو «مصر مجتمع يبنيه عسكريون»)»، يأخذ فلسفته من مقولة هذا الفيلسوف الصيني: «إنّ الانتصار مئة مرة في مئة معركة لا يمثّل المهارة... لكنّ قمّة المهارة أن تهزم العدو من دون محاربته». هو لا يردّ على منتقديه
ـــــ كان أبرزهم في مصر محمود العالم وفؤاد زكريا ـــــ لأنَّه يرى أنَّ «المحك في الرأي الفكري ليس النقاش بل إعمال الفكر في الحركة المجتمعية... التاريخ وحده يؤكِّد ثبات فكرك أو هشاشته».
ونسأله عن شهدي عطية الشافعي، أحد أبرز المفكرين الماركسيين المصريين، الذي اغتيل في سجون عبد الناصر في ستينيات القرن الماضي... فيجيب عبد الملك بأنّه بالنسبة إليه المعلم السياسي الأول. «كان لقائي به مثل لقاء ماو تسي تونغ وشوثيه قائد العصابات المسلحة، ثمّ شو إنلاي... لقاء من تجمّعوا لتحرير بلادهم والنفاذ إلى الغد». مع شهدي التحق بأحد التنظيمات الشيوعية وأُلقي القبض عليه عاماً كاملاً قبل أن يستطيع الهرب. مناطق غامضة في تلك المرحلة يرفض الحديث عنها، وخصوصاً عن كيفية هروبه أو اختبائه ـــــ كما قيل ـــــ في منزل الفنانة تحية كاريوكا، قبل أن يسافر إلى فرنسا ويواصل دراسته للفلسفة وعلم الاجتماع.
رحلة الهرب الصعبة إلى بلاد «الجن والملائكة» بدأت في مركب ضيّق، ألقاه عندما اقترب من الشاطئ الفرنسي ليكمل المسافة سباحة... «فور ملامستي للرمال وضعت الجاكيت على رأسي وبدأت أحبو بعيداً عن المصطافين الذين راحوا ينظرون إليّ مندهشين... ما إن ابتعدت قليلاً حتّى أطلقت ساقيَّ للريح حتّى وصلت إلى باريس...». «هربي كان واجباً، من أجل بلدي» كان عبد الملك يقول لسكرتيره حمزة قناوي الذي كتب عن تجربته معه في كتاب صدر منذ أيام بعنوان «المثقفون» (دار الثقافة الجديدة). كتابه «مصر مجتمع يبنيه العسكريون» أعجب عبد الناصر، فكتب له الرئيس المصري ثلاث عشرة ملاحظة خاصة عليه وأرسلها إلى باريس. عندما وقعت هزيمة حزيران (يونيو) 67 طلب العودة إلى مصر، لكنّ عبد الناصر نصحه بالبقاء في الخارج «إذ إنّ وجوده هو نفسه، وهو الرئيس، غير آمن في مصر».
في باريس كتب عن مصر والعرب، وكان مُتهماً من الجميع... في مصر أُقصي عن اليسار، وخصوصاً بعدما كتب إلى عبد الناصر مؤيداً المصالحة بين اليسار والثورة. وفي فرنسا، «كانوا يقولون عني عميل المخابرات العربية في قاعدة الأطلسي، والجاسوس المصري».
كتب عن النهضة العربية، مشروعه الأساسي لإنهاء حالة الغيبوبة العامّة، مركّزاً على الإيمان، بوصفه أحد الأسس المهمّة التي تقوم عليها... لكن هل تتوافق تلك الرؤية مع منهجه الماركسي؟ يضحك: «بقيت أجلس على حصيرة مساء كل خميس، لمدّة عام ونصف، في ميدان الحلمية أستمع إلى الشيخ حسن البنا وأتعلم منه». ليس غريباً إذاً أن يحرص، وهو القبطي، على أن يصوم ثلاثة أيام كلّ عام، اليوم الأول من رمضان وليلة القدر إضافةً إلى الجمعة الحزينة. يشير إلى أحد المقاعد في صالون منزله: «هنا جلس إدوارد سعيد... جاء إلى مصر ليزورني». على صفحات «الاستشراق» أكّد سعيد تأثّره بأفكار
عبد الملك، لكن لماذا لم تنتشر أعمال المفكر المصري كما حصل مع سعيد؟ يبدو السؤال مستفزاً... ربما لأنّ عبد الملك ينطلق دائماً من رؤية كلية مكتملة، بعكس سعيد الذي لا يعنيه تقديم حلول بقدر حثّ الناس على الوعي والإدراك. أفكار عبد الملك أثارت سجالات فكرية، إذ عدّته بعض التيارات مبرراً لديكتاتورية عبد الناصر، ومنظّراً للاتحاد الاشتراكي... واتهمه بعضهم بأنه أدى في الخارج الدور نفسه الذي كان يؤديه هيكل في الداخل. كل هذه الاتهامات تساقطت مع الزمن، وبقيت تلك القامة الفكريّة التي ندين لها بالكثير.



5 تواريخ

1924
ولد في القاهرة

1950
عمل صحافياً لتسع سنوات في مجلة «روز اليوسف»، وصحف عدة

1963
نشر دراسته عن «الاستشراق» استكملها إدوارد سعيد لاحقاً

1969
حاز الدكتوراه في علم الاجتماع من «السوربون»، وصدرت الدراسة بعنوان «نهضة مصر»

1996
حصل على جائزة الدولة التقديرية

2009
أصدر سكرتيره حمزة قناوي «المثقفون» (دار الثقافة الجديدة)، وفيه يسلّط الضوء على مرحلة أساسيّة في مسيرة عبد الملك