كامل جابر

منذ أربع سنوات ونيّف، قرَّر جوزف حرب التحرر من الوقت والاعتكاف في صومعة النَّظم. غادر بيروت وصخبها، وركَن داخل قصره الجنوبي، على أعلى تلّة مطلة على البحر والساحل القريب من صيدا، في بلدته المعمرية. هناك يقيم شاعرنا في الظلّ واللغة، يمارس طقوس «مقارعة الموت» بالقصيدة والكلمة. «أتصور أن أيّ وجود مع الآخرين اليوم، خارج مفهوم الوظيفة، هو نوع من تضييع الوقت»، يقول.
كان نصيب ابن العائلة المرتحلة دوماً خلف الوالد الدركي، أن يولد في الناقورة، هناك، على طرف الساحل اللبناني لجهة فلسطين. ويوم أقام في البترون عام 1951، سجّل الوالد جوزف في مدرسة داخلية عند «راهبات القلبين الأقدسين» في جبيل. وكان نصيبه أن يكون الصبيَّ الوحيد في المدرسة، فصار يخدم الخوري في قداس المساء، ويقرأ الرسائل. من هنا نمت علاقته مع اللغة والطقس الكنسي. من ذلك الدير، شاهد البحر للمرة الأولى، ارتعب منه، ثمّ أُغرم به. أمّا في صيف «الضيعة»، فـ«كانت الأحصنة قصباً، وكانت علب السردين سيارات ركّابها من تراب أو بحص... وكانت الدابّة نوعاً من الأحلام، كأنها سيارة «كاديلاك» أو «رولز رويس»؛ «نركب على الدابّة ونروح في كروم الزيتون، ونشعر أنَّ بقاءَنا على ظهرها هو أجمل ما قدَّمته لنا هذه الحياة». حطّت العائلة رحالها في برج البراجنة حيث أكمل حرب دراسته التكميلية والثانويّة في «المعهد الأنطوني» عام 1959. في بيروت، ارتبط بأرصفة ساحة البرج، ومنها اشترى كتباً جعلها نواة مكتبته الخاصة. هناك أيضاً، شاهد السينما للمرة الأولى وخاف أن تصيبه رصاصة أحد «الكاوبوي» في فيلم ويسترن.
بداياته في الكتابة سببت مواجهة بينه وبين والده. إذ كان يمزِّق له كل ما يكتب، فتجمع والدته نتف الورق في كيس وتخبئه في خزانتها. في العشرين من عمره، أعطى دروس لغة للراهبات الأنطونيات في الدكوانة، وفي السنة التالية، صار يعلّم الصفوف التكميلية في مدرستهم وفي مدرسة ثانية وثالثة وتسجّل في كليتي الحقوق والآداب، عام 1964.
التقى في بيروت أستاذه في البترون، ميشال سليمان، وكان الأخير على علاقة طيبة بالمفكر الشيخ عبد الله العلايلي وبالروائي والصحافي رئيف خوري، فعرّفه إليهما. استأجر مكتب محاماة إلى جانب مكتب خوري، «ودخلت في جو مجموعة من الأدباء، لأنّ خوري كان قطباً، يستقطب مجموعة كبيرة من المفكرين».
سُجِنَ والده ظلماً بعدما رفض تنفيذ قرار رؤسائه بمعاقبة قرية بأكملها على جريمة ارتكبها أحدهم. ومرضت أمه التي كانت تنتظر ساعات بوسطة تقلّها إلى البترون، بعد زيارة طبيبها في ساحة البرج... وهو مال إلى اليسار. «تعلقتُ بالماركسية بعدما قرأتها. أنا ماركسي، وبطبيعة الأمر، لا أحب الإنتماء إلى حزب، لأن الحزب لسان طويل، والشاعر جوانح طويلة، وهناك فرق شاسع بين الحالتين».
في الستينيات، طبع باكورته النثريّة «عذارى الهياكل» (1960)، ودخل لاحقاً «الإذاعة اللبنانية» حيث قدم بصوته برنامج «مع الغروب» (1966) وكتب قصائد كلاسيكية «عملية»، ألقتها ناهدة فضل الدجاني بصوتها في برنامج «مع الصباح». برأيه «الزمن الإبداعي غير الزمن العادي. في الزمن العادي تتعرف إلى امرأة الآن، لكنّ قصيدتها قد لا تخرج إلا بعد ثلاثين سنة... ليست العلاقة ما ينتج القصيدة. في الزمن الداخلي هناك اختمار في اللاوعي للأشياء، لا يمكنك أن تقرره بإرادتك. قد يكون تكتبه اليوم نصاً إبداعياً لزمن آخر... هناك أسئلة عن الفن والإبداع لم تتوافر أجوبة عليها، لدرجة أن غباء بعض النقاد أو المتطفلين على النقد، يحمّسهم ليضعوا نظريات، حسب تجاربهم هم».
مع اندلاع الحرب الأهليّة، ترك بيته في ضبيّة إثر محاولة اغتيال أدّت إلى إحراق مكتبته. في تلك المكتبة جمع آلاف الكتب والمجلدات ومخطوطات مثل «المجدلية» بخط سعيد عقل وقصائد بخط أحمد شوقي والأخطل الصغير وحافظ إبراهيم، ونحو 82 نصاً مشابهاً، فضلاً عن القسم الإسلامي والقسم اللاهوتي وقسم التراث... كان ذلك يوماً واحداً من أيام الحرب السوداء التي تعرّض خلالها جوزف حرب لأكثر من محاولة خطف وقتل واعتقال. «أهمّ محرّك لكلّ شيء هو هاجس الموت، عندي إحساس بأنه لم يبقَ لي وقت؛ منذ كنت طفلاً وهذا الإحساس يتملكني»، يقول.
التقى زياد الرحباني في «الإذاعة اللبنانية» عام 1976، وتعرَّف إلى فيروز من خلال ابنها. كان لقاؤه الغنائي الأول مع «الستّ» من خلال أغنية «حبيتك تَ نسيت النوم». حينها، كان «الأخوين رحباني» قد طلبا من زياد تلحين ستّ أغنيات لبرنامج يعرضانه في الأردن، فاشترط أن تكون كلُّها من شعر جوزف حرب، كانت هذه البداية، فغنَّت فيروز أكثر من ست عشرة أغنية من كلماته منها: «زعلي طوّل»، «أسوارة العروس»، «لبيروت»، «لما ع الباب»، «يا ريت منن»، «فيكن تنسوا»، «طلعلي البكي»، «أسامينا»... يقول: «مرّ وقت طويل من دون أن ألتقي زياد، وأنا مشتاق إليه فعلاً... زياد ساهم في إنقاذ أرواحنا كلّنا، بالمسرح والموسيقى. أعطانا شيئاً من التوازن والقدرة على الاحتمال».
طبع ديوانه الأول «شجرة الأكاسيا» بتشجيع من «دار الفارابي» عام 1986، وكتب لاحقاً للتلفزيون مسلسلات منها «رماد وملح» لهيثم حقّي و«أوراق الزمن المرّ» لنجدة إسماعيل أنزور... «زرتك قصب، فلّيت ناي» عنوان ديوانه المحكيّ الأخير الذي يصدر قريباً عن «دار الريّس».
الشاعر الذي انتخب بين 1998 و2004 رئيساً لـ«اتحاد الكتّاب اللبنانيين»، يرى في الكتابة «حالة صَلب... لا تعرف كيف ينزلونك عن هذا الصليب ومتى، وكيف ستكون ساعتئذ؛ مرّات كثيرة تدخل إلى السرير وتقول هذه آخر ليلة، خلص؛ لن أعي ثانية».



5 تواريخ

1944
الولادة في المعمرية (جنوب لبنان)

1984
غنت فيروز «أسوارة العروس» تحية إلى الجنوب المحاصر بالنار الإسرائيلية

1986
صدر ديوانه الشعري الأول «شجرة الأكاسيا» عن «دار الفارابي»

2006
صدر له «المحبرة» أكبر ديوان في التراث العربي من 1750 صفحة عن «دار الريّس»

2009
يطبع ديوانين، واحد بالفصحى «أجمل ما في الأرض أن أبقى عليها»؛ وآخر بالمحكية «زرتك قصب فلّيت ناي»؛ يصدران قريباً عن «دار الريّس»