يحتفل سكان العالم بإقصاء حكامهم وطغاتهم، وخصوصاً في العقود الماضية. مشهد إعدام تشاوشسكو (صديق أنور السادات الحميم والشيوعي المفضّل لدى الغرب) وزوجته لا يزال ماثلاً للعيان وراسخاً في الذاكرة. لكن حكام العرب يحتفلون بالتربّع على العروش الملكيّة والجمهوريّة المتلبّسة بالشعارات المختلفة


أسعد أبو خليل*
يزداد ثقل الحكام العرب على صدور شعوبهم، ويتربّع على عروش الطغيان ليس فقط الطغاة، بل الأولاد وأولاد العم والخال. وفي عصر البزنس، تصبح العائلة شركة مساهمة حصريّة لا مكان فيها إلا لروابط الدم والعشيرة إذا والت. وقد ينقلب الابن على الأب والأخ على الأخ والأب على الابن من أجل السلطة. إنها قصة الحكم في العالم العربي المنكوب.
وعند الحديث عن الجيل الثاني من الحكام العرب، يخال المرء أن هناك حنيناً إلى الجيل الأول، وليس هذا هو المبتغى إطلاقاً. لكن هناك فوارق تذكر بين الجيل الأول والجيل الثاني من الحكام العرب. طبعاً، لم يأتِ الجيل الأول من فراغ أو من تكريس إرادة شعبيّة عارمة لا تُقاوم. الاستعمار الغربي والحرب العربيّة الباردة هما اللذان كانا مسؤولين عن صعود الجيل الأول. والجيل الأول كان منقسماً في الخمسينيات عندما اندلعت الحرب بين معسكر جمال عبد الناصر ومعسكر حلف بغداد (المُعلن والمُستَتِر). لكن الجيل الأول كان محكوماً بحياة اجتماعيّة ـــــ اقتصاديّة مختلفة عن حياة الأبناء. عاش بعض أبناء الجيل الأول في الفقر: لم يكن ثراء آل سعود فاحشاً في الثلاثينيات والأربعينيات عندما كان الملك عبد العزيز المؤسّس يعرض بيع فلسطين مقابل جنيهات استرلينيّة، وكانت ثروة أبو ظبي محفوظة في مخدع الشيخ شخبوط بن سلطان، على ما يُروى. وكان الأمراء منهم والشيوخ يعيشون حياة البداوة في بعض جوانبها ومنهم من اقتات على التمور، وكانت العامة تختلط إلى حدّ لم يعد مألوفاً مع حكّامها. أما الجيل الأول من الحكام الجمهوريّين، فكان معظمهم من خلفيّات طبقيّة متوسّطة إلى فقيرة: لم تكن عائلة عبد الناصر معدومة ولكنها لم تكن ميسورة، كما أن زعماء البعث جاؤوا، كما قال حنا بطاطو، من خلفيّات متوسّطة ريفيّة. وقادة العسكر الذين أتوا إلى السلطة بدبّاباتهم لا ببرامجهم كانوا من خلفيّات فقيرة نسبيّاً (مثل القذافي). وهذا الفقر النسبي جعلهم أكثر معرفة بحياة الطبقات الشعبيّة، وقد يكون أثّر على سياسات الإصلاح الزراعي والتأميمات في الأنظمة الاشتراكيّة ـــــ على علاّتها.


شعار «حب الحياة» ستار شفّاف لممارسة الحب مع الصهيونيّة
وهناك العامل العاطفي عند الجيل الأول. كان هؤلاء من المرتبطين والمرتهنين للغرب (مثل الملوك والسلاطين والشيوخ) لكنهم عاصروا النكبة ورأوا بأم العين مشاهد التهجير الفلسطيني وسمعوا عن الهزيمة العربيّة الشنيعة (وإن كانوا مسؤولين عنها) والتي كستهم بالعار والخزي أمام شعوبهم وأمام المرآة. الشيخ زايد، مثلاً: كان صنيعة للاستعمار ونفّذ الأوامر وأطاع، لكنه كان عاطفيّاً يتأثّر لمشاهد أو روايات معاناة شعب فلسطين. الشيخ زايد طلب أن يلتقي يوماً في أوائل السبعينيات بليلى خالد، وأعطى تبرّعاً يوماً للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين (وقد انشقّ فريق عن الجبهة وأصدر كرّاس «الفضيحة» بسبب قبول الجبهة التي كانت تدعو لقلب الأنظمة الرجعيّة اللقاء مع زايد هذا). وليس هذا الحديث عن الرابط العاطفي من أجل الذهاب بعيداً في تحليل العوامل النفسيّة في صنع القرار السياسي عند هؤلاء الحكام. فالعاطفة شيء والقرار السياسي شيء آخر: كان زايد يعطي تبرّعاً للجبهة الشعبيّة بيد ويساهم بمليارات في حملات مناهضة الشيوعيّة حول العالم لدعم موقف أميركا في الحرب الباردة. وكان الموقف العاطفي الخالي من الموقف السياسي المبدئي مثل رونالد ريغان الذي كان يتأثّر لحكاية واحدة عن فقير معدم، ولا يتردّد في التوقيع على قرارات سياسة عامّة تؤدّي إلى إفقار الملايين من السكّان دون أن يرفّ له جفن. لكن الحديث عن العامل العاطفي هو للمقارنة مع الجيل الثاني فقط.
ويبرز الفارق بين الجيلين الأول والثاني في المقارنة بين رفيق الحريري (على علاّته وهي لا تُحصى) والحريري الصغير. الأول نشأ على القوميّة العربيّة وعلى شعارات الاشتراكيّة، والآخر نشأ على الـ«بلاي ستيشن» (والـ«إكس بوكس» في ما بعد). الأول كان منحازاً لعبد الناصر في الحرب العربيّة الباردة والآخر ينحاز إلى الأمير عزّوز في أي خلاف. طبعاً، فإن الأول والثاني في المُحصِّلة هما جزء من المشروع الأميركي نفسه ويلعبان الدور المرسوم بحذافيره، لكن الفارق هو في الأسلوب وفي نمط التعبير وفي القدرة على فهم عاطفة الناس، من أجل تغييرها خدمةً لخادم الحرميْن. قد يكون الجيل الثاني أفضل لنا لأنه أقلّ قدرة على خداع الناس بشعاراته من الجيل الأول. كان الملك فيصل يعدُ العرب بالصلاة في القدس وكان البعض يعتقد أنه يريد تحرير القدس، فيما كان يقصدُ الصلاة خانعاً في الجامع الأقصى على طريقة أنور السادات. والحريري الأب كان يماشي بوش في حروبه وغزواته فيما كان يبيع الناس شعارات عروبيّة وبعثيّة (هل يظن فريق «الأمير مقرن أولاً» أنه محا من الذاكرة ومن السجلاّت خطب الحريري في مديح النظام السوري وغازي كنعان ورستم غزالة وفي رفض فتح سفارات بين البلديْن؟). على من تزوِّر المزامير، يا هاني؟
العامل الآخر أن رادعاً قويّاً تحكّم في قدرة الحكّام الأوائل أو رغبتهم في المضي بالمشروع الغربي المُناصر لإسرائيل. فقد كان هؤلاء يعيشون في عصر كان فيه الرأي العام (يجب الإقلاع عن عبارة «الشارع العربي» الدارجة في الاستعمال الغربي وذلك إمعاناً في نسبة غرائز متوحّشة إلى العرب، وكأن الرأي العام الغربي لا يعبّر عن نفسه في الشوارع ويكتفي بالتصريح في الصالونات، كما أن مصطلح الجماهير فيه من الإطلاق القامِع ما جعل منه مُحبَّذاً في الأدبيّات البعثيّة والأنظمة الشيوعيّة) صارماً في الإيمان بثوابت في التعاطي مع القضيّة الفلسطينيّة. أنا أذكر حين كنت في السابعة كيف خرجت الناس في بيروت بأثواب النوم عشيّة استقالة عبد الناصر عام 1967 مُطالبةً بتحرير فلسطين، فيما يؤيّد بعض هؤلاء الناس اليوم وأبناؤهم نزع أي سلاح يهدِّد إسرائيل حفاظاً على حبّ الحياة وحب إسرائيل (وشعار حبّ الحياة هو ستار شفاف لممارسة الحب مع الصهيونيّة). كان الحكام الأوائل أقلّ قدرة على الحركة من أبنائهم، لأنهم كانوا يخشون غضبة الناس والانقلابات، وهذان العاملان لا يضغطان اليوم على مسلك الحكومات. الناس باتت مشغولة بـ300 محطة فضائيّة تنضح مسلسلات، ومشغولة أيضاً بالفتنة السنيّة ـــــ الشيعيّة وبملاحقة التحقيقات في مقتل الفنانة سوزان تميم.
وكان الغرب المهموم بشروط الحرب الباردة ومتطلباتها لا يطالب الأنظمة المرتبطة به بالكثير، وذلك حفاظاً على صحّتها وسلامتها وأمنها. وكان الجيل الأول قبل السبعينيات ذا قدرات ماليّة متواضعة نسبيّاً. المؤامرات كانت مكلفة ولم تكن في حجم المؤامرات في ما بعد حيث تستسهل السعوديّة، مثلاً، إنفاق المليارات في لبنان للتأثير على نتائج الانتخابات النيابيّة ولتأجيج الفتنة خدمةً لإسرائيل ومصالحها. كانت المؤامرات في حجم الملايين لا أكثر.
جمال مبارك نموذج من الجيل الثاني. والجيل الثاني يتصنّع الخفر في الحديث عن الخلافة. يريد الإعلام الرسمي في مصر (الذي بات يضم بعض الإعلام الخاص مثل «المصري اليوم» التي بدأت مستقلّة وتحوّلت إلى جهاز دعائي لـ«سي جمال») أن يقنعنا بأن صعود جمال مبارك لا علاقة له بصلته العائليّة بل يعود لمواهبه الفذّة. وجمال مبارك أتى من عالم البزنس ويبدأ التحوّل نحو الخلافة في تولّي شؤون حكوميّة قبل فراغ سدّة الرئاسة.
تحدّث الملك عبد الله الأردني (حامل العدد الهائل من النياشين والميداليّات العسكريّة على صدره وقد يكون كسبها بعرق بزّته العسكريّة في صولاته وجولاته في معارك ضد العدو الإسرائيلي) عن جيل أولاد الحكام العرب في مقابلة مع الـ«نيويورك تايمز» (لا يتحدّث هذا الملك اليوم عن تلك الصداقة الحميمة التي جمعته بعديّ صدّام حسين). قال إنهم يفهمون بعضهم بعضاً لأنهم يتحدّثون اللغة نفسها ويرتادون الفنادق والمطاعم نفسها في الغرب. كم كان كلامه صائباً ويصلح لتحليل طبقي عن حكام العرب. وحياة الأثرياء (عرباً وغرباً) مشتركة لأن كل الأثرياء يرتادون الأماكن المفضّلة للأثرياء، ويتزلّجون في غستاد أو في أسبن، الخ. لكن الأبناء يختلفون عن الآباء.
تربّى أبناء الحكام في عزلة طبقيّة صارمة. هؤلاء لا يعرفون عن طبقة الفقراء شيئاً لأنهم لا يحتكّون بهم. وخدمُ هؤلاء وجارياتهم من طبقة لا صلة لها بالفقراء. كما أن العامل العاطفي منعدم عندهم.
شبّ هؤلاء في زمن كان فيه النزاع بين المعسكر الناصري والمعكسر الرجعي على أشدّه. لهذا تجد عندهم نزعة للسخرية الفاقعة من كل شعارات تلك المرحلة: من تحرير فلسطين إلى قتال إسرائيل إلى مواجهة الإمبرياليّة إلى الوحدة العربيّة. هؤلاء من نتاج التربية البيتيّة الخاضعة للمستشارين المستوردين والمعاهد والجامعات الغربيّة. سألتُ واحدة من اللواتي درّسن ابن حاكم عربي في بريطانيا. وجَدَتْه بارداً في كل القضايا الساخنة. درس هؤلاء على أيدي صهاينة وإسرائيليّين في الغرب ونما لديهم حسّ تقليد الرجل الأبيض والسير على خطاه. كان يحيط بالآباء مثلاً في أنظمة الخليج مستشارون من بلاد الشام، فيما يحيط بالأبناء مستشارون من الغرب ومن معاهد ومصارف مرتبطة بالمصالح الإسرائيليّة. كان الآباء قد تلقّوا دروساً دينيّة ولغويّة على أيدي شيوخ ومدرّسين يعنون بقضايا الشعب العربي.
وتقليد الرجل الأبيض (الأميركي خصوصاً) يشغل بال الجيل الثاني. هؤلاء لا يتقنون اللغة العربيّة، على عكس بعض الآباء: كان الملك الحسن الثاني والملك حسين وأنور السادات يتقنون العربيّة، وكان الشيخ زايد يكتب الشعر. أما أبناء الحكام فهم يتكلّمون العربيّة بصعوبة ويزهون بلكنتهم في التحدّث بالإنكليزيّة (تلقّى الملك عبد الله الأردني دروساً في العربيّة الفصحى بعد تولّيه العرش، كما تلقّى سعد الحريري دروساً في الفصحى وفي اللهجة البيروتيّة بعد وراثته زعامة «أهل السنّة» في لبنان). طبعاً، هناك من الآباء (مثل الملك عبد الله السعودي أو الملك سعود) مَن كان أمّيّاً. الأمير بندر كان لشدّة محاكاته الرجل الأبيض في أميركا يواظب على حضور المباريات الرياضيّة الأميركيّة ويتصنّع الحماسة لهذا الفريق أو ذاك، بناءً على أهواء الرئيس المقيم في البيت الأبيض. ويتمتّع الأبناء بثروات هائلة تسمح لهم بالإعداد لتولّيهم الحكم عبر التنسيق المُبكّر مع الإمبراطوريّة الأميركية من أجل تبييض الصفحة وإظهار الولاء المبكّر. تسمع عن مؤسّسة القذافي مثلاً: وهي تنعم بالمليارات وتقوم بأعمال سريّة وعلنيّة، وما من قدرة على محاسبة التصرّف بأموال الشعب الليبي الذي لا تظهر عليه مظاهر النعمة النفطيّة. وفضيحة الرشى التي التصقت ببندر بن سلطان لُفلِفت على عجل بأمر من الحكومة، لكنها أدّت إلى نشر أرقام شبه خياليّة عن مبالغ بمئات الملايين من الدولارات. لهذا، فإن لكل أمير من آل سعود اليوم حكومة خاصّة به وجهازاً استخباراتياً خاصاً به وسياسة خارجيّة خاصّة به. ويتنافسون فقط في المدى الذي يريدون به إسعاد «الراعي الأميركي». الأمير بندر حظي برعاية أميركيّة (استمرّت حتى تفجيرات 11 أيلول) لأنه أشرف (بأمر من فهد) على وضع الثروات السعوديّة في خدمة الأعمال القذرة للحكومة الأميركيّة في عهد ريغان. ولكل أمير وابن رئيس مؤسّسة أو جيش (كما في حالة أحمد علي عبد الله صالح في اليمن أو الملك الأردني قبل الجلوس على العرش أو الملك السعودي قبل الجلوس على العرش أو باسل الأسد قبل وفاته) وضع مشابه.
وحريّة الحركة أمام أبناء الحكام في الحكم وفي خارجه أكبر من هامش الحركة عند الآباء. لا يكترث الأبناء للرأي العام لأنهم لا يحملونه على محمل الجدّ: ولّى الزمن الذي كان فيه الناس في العالم العربي يخرجون إلى الشارع طوعاً وعفوياً من أجل فلسطين وضد التسوية السلمية مع إسرائيل. يخرج أحياناً الناس ربما لاستقبال ريتشارد نيكسون في شوارع القاهرة في عهد السادات أو لاستقبال شيراك في الجزائر أو لاستنكار الرسوم الكرتونيّة في الدنمارك. أما في لبنان، فتخرج الناس لاصطناع التفجّع على رفيق الحريري طمعاً بحصّة طائفيّة أكبر، أو للهتاف بحياة زعيم الطائفة الأوحد. إن هذا التجاهل (المُحق بسبب عقود من الاستكانة والخنوع والانطواء القطري المحلّي بالإضافة إلى العزلة السياسيّة التي لا مجال لتحليلها في عجالة هنا) يعطي القادة الجدد مجالاً أوسع للتحرّك، وخصوصاً في التودّد لإسرائيل.
كانت الناس تثور لمجرّد سماع أخبار عن لقاءات سريّة بين عرب وصهاينة، وكان مشروع روجرز يحرّك تظاهرات ضخمة حتى بعد قبول عبد الناصر به. أمّا اليوم، فحالة من البرود السياسي، أو قُل إنه اليأس المطلق والإحباط المزروع، تتيح الإسراع في التطبيع مع إسرائيل. يسارع الملك السعودي للقاء شمعون بيريز تحت باب «حوار الأديان»، فيما تدعو حكومة قطر وزيرة خارجيّة العدو الإسرائيلي لتلقي عظاتها عن الديموقراطيّة، وبات رؤساء العرب وملوكهم يعتبرون عدم إلقاء التحيّة على إسرائيليّين في الغرب تصرفاً غير لائق. يتحرّك أبناء الحكّام بحريّة مطلقة. لا يأخذون في الحسبان رد فعل الناس. يقومون بتحرّكاتهم على أساس النوم المستمرّ للعامّة مهما شطّت الأنظمة في تحالفها مع المصالح الإسرائيليّة.
وهناك أمر آخر: كانت الحكومات العربيّة في الماضي تتنافس في معسكريْن: الرجعي، وذلك الذي يدّعي التقدميّة. وكانت الصراعات محتدمة داخل كلّ من المعسكريْن: الصراع السعودي ــ العماني أو السعودي ــ الإماراتي، بالإضافة إلى الحروب بين البعث وعبد الناصر. أما اليوم، فقد انضوت كل الأنظمة العربيّة وبدرجات متفاوتة، بما فيها تلك الأنظمة التي تدّعي الممانعة بهدف تحسين شروط الانصياع، في المعسكر الموالي للغرب. هذا العالم جعل من التنافس تنافساً في درجة الولاء للإرادة الأميركيّة. هذا يفسّر، مثلاً، نشاط أولاد زايد في الإمارات للقيام بدور حيوي في دعم الحكومة الدحلانيّة وفي القيام بدور استخباراتي مهم لمصلحة الإمبراطوريّة الأميركيّة. وليس التطبيع مع إسرائيل ـــــ في المغرب وفي الخليج ـــــ إلا لأجل التقرّب من واشنطن. فالأنظمة العربيّة المُنصاعة للمشيئة الأميركيّة اليوم تتسارع لدعم ميليشيا عصابات محمد دحلان لأنها تعلم أن الأمر عزيز على قلب الإدارة الأميركيّة وإسرائيل. فالتنافس هذا يزيد من حجم التعاون والتواطؤ مع المشروع الإسرائيلي في المنطقة، وخصوصاً أن تهيئة الابن النجيب ـــــ في نظر والديه ـــــ تتطلّب موافقة أميركيّة. الحاكم العربي اليوم يصطحب ابنه إلى أميركا ليعرّف الناظر الأميركي على خليفته.

تهيئة الأبناء للخلافة سبب مباشر للتقارب بين الأنظمة العربية وإسرائيل
يمكن النظر إلى عمليّة تهيئة الأبناء للخلافة كسبب مباشر للتقارب بين الأنظمة العربيّة وإسرائيل. فحسني مبارك كان يعلن انتقادات لفظيّة ضد عدوان إسرائيل، لكن شيئاً ما حصل في السلوك المصري وفي حجم التعاون مع العدوان الإسرائيلي ضد شعب فلسطين في الأعوام الأخيرة. قل إنها من ضرورات التحضير للخلافة. والنظام القطري سارع إلى التقرّب من إسرائيل لإرضاء واشنطن. والنظام البحريني يحاول أن يحظى بمكانة جديدة في قائمة وكلاء المشروع الأميركي ـــــ الإسرائيلي عبر التميّز في صفاقة الدعوة إلى المصالحة مع إسرائيل مقابل لا شيء. ويسعى أحياناً الأولاد غير الحكام للشروع في خدمة المشروع الأميركي من أجل تحسين وضعهم في معركة الخلافة داخل العائلة (وهذا ينطبق على الأمير بندر والأمير سلمان الذي يكاد أن يفقد صبره في انتظار المُلك، ولعلّ ذلك يفسّر رقصه الحميم مع بوش في آخر زيارة للأخير إلى السعوديّة).
ومن اللافت أن عدداً من الجيل الثاني من الحكّام يأتي من خلفيّة عسكريّة أو استخباراتيّة. فحاكم دبي ورئيس الإمارات والملكان السعودي والأردني يأتون من خلفيّات عسكريّة أو دفاعيّة. وبشار الأسد، وهو طبيب عيون، احتاج للمرور في تدريب الجيش السوري من أجل التهيئة للخلافة، ومعتصم القذافي (مسؤول الاستخبارات الليبيّة) هو المرجّح لخلافة والده وفق مجلة «إكونومست». وكليّة ساند هرست العسكريّة البريطانيّة خرّجت عدداً من الحكام العرب (مثل سلطان عمان والملك حسين) ومن أبنائهم، لكن ما لا يعرفه العرب هو أن حكام العرب وأبناءهم لا يخضعون لدراسة تقليديّة وفق البرنامج المعمول به في الكليّة. فالحكومة البريطانيّة تعدّ لهم برنامجاً خاصّاً تُختصر فيه المدّة الزمنيّة للدراسة وتتقلّص المتطلّبات الدراسيّة. المهم هو إبراز شهادات ـــــ حقيقيّة أو مزوّرة أو نصف حقيقيّة (أولاد الحكّام يُقبلون في الجامعات النخبويّة الخاصّة في الغرب طمعاً بتبرّعات لا بناء على علامات، وليس تبرّع سعد الحريري بمبلغ 20 مليون دولار لجامعة جورجتاون إلا مثالاً، فيما تئنّ الجامعة اللبنانيّة تحت وطأة موازنة السنيورة).
بين الجيلين الأول والثاني، ضاعت فلسطين وتنتشر الصهيونيّة بين ربوعنا ويزداد اعتناقها بين العرب. الجيل الأول مسؤول عن زرع إسرائيل بيننا، أما الجيل الثاني فيعمل على توطيد الزرع ونشر النفوذ الصهيوني. والجيل الثاني لم ينجح في كسب التأييد الشعبي لشعاراته وبرامجه المصنّعة في الخارج على مقاس المصالح الأميركيّة والإسرائيليّة، لكنه نجح في النفاذ عبر بث الخيبة والإحباط والانهزاميّة. الجيل الأول كان يتآمر في الخفاء، أما الجيل الثاني فيتقاطر إلى لقاء المحبوبة رايس أو من ينتدبه بوش أو أوباما من أجل إثبات حسن السلوك وشدّة الطاعة. قد يتسنّى للعالم العربي انتظار ما يخبئ له الجيل الثالث، وقد يتفتّح العالم العربي ويزدهر لو كان مصير الجيل الثالث مثل مصير غودو ـــــ وإن كانت محطة القطار مقفرة.


ملاحظة: حصل خطأ في مقالة العدد الماضي، فقد وقع خلط بين الطيب عبد الرحيم (المُكنى بـ«أبو العبد») ومحمود الناطور (المُكنى بـ«أبو الطيّب»)، والأخير هو الذي قاد قوّات 17. وقد ترشّح الاثنان لعضويّة اللجنة المركزيّة في حركة فتح ورسب الاثنان، لكن أبو مازن وزمرته تدخّلا لفرض فوز الأوّل، فاقتضى التوضيح. يتحمّل الكاتب مسؤوليّة الخطأ بالطبع ويعتذر من القراء ومن «الأخبار»، ويردّد مع أبو نواس: «قل لمن يدّعي في العلم فلسفةً، حفِظتَ شيئاً وغابت عنك أشياءُ».
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)