رسوم وجدران ملونة وفتحات شبابيك وحمامات مجهزة بدوش و... سجن تبنين لم يعد كما كان، أخيراً انتهت عملية ترميمه، ودخل النور إلى الغرف الغائرة تحت الأرض، الكهرباء وصلت ومعها الحمّامات المجهزة والخزائن...


تبنين ــ داني الأمين
سجن تبنين (قضاء بنت جبيل) صار له شكل جديد، وبعدما انتهت أعمال الترميم، باتت زنازينه تراعي بعض الشروط الإنسانية والضرورية لعيش السجناء.
مهمة الترميم استمرت 40 يوماً، وقد اضطلع بها 32 متطوعاً ومتطوعة جمعية «فرح العطاء» (لبنانيون وتونسية وفرنسي). خلال هذه الفترة نُقل نزلاء السجن الـ61 إلى جزين وصور والنبطية. ومع عودة هؤلاء إلى سجن تبنين قد لا يتعرفون إلى الغرف التي سُجنوا فيها... الصورة تغيرت كثيراً.
السجن يقبع تحت الأرض في مبنى السرايا الحكومية، نُقل إليه عام 1977، وكان معَداً لاستيعاب 60 سجيناً، لكن عدد النزلاء كان يصل أحياناً إلى 90. وفيه خمس غرف.
الغرفة الأكبر مساحتها حوالى 40 متراً مربّعاً، كان عدد السجناء فيها يصل أحياناً الى أربعين سجيناً، والغرفة الثانية مساحتها 38 متراً مربّعاً، كان عدد السجناء فيها، قبل البدء في الترميم، 21 سجيناً. في السجن غرفتان إفراديتان، تقلّ مساحة كلّ منها عن 4 أمتار، وقد يصل عدد سجناء الواحدة منها إلى ثلاثة أو أربعة. أما الغرفة الخامسة، فهي بطول نحو 4 أمتار وعرض 1,80 متر.
وبحسب آمر فصيلة تبنين، الرائد أحمد علي أحمد، فإن «السجن، بحسب مساحته السابقة، كان يستوعب قانوناً 60 سجيناً، لكنه في الواقع كان يُسجَن فيه عادة بين 60 و90 سجيناً، وأحياناً يصل عدد السجناء إلى مئة سجين». ويرى أحمد أنّ «أغلب الذين يُسجَنون بداخله هم من الموقوفين، أو المحكومين لمدة لا تزيد على 6 أشهر، مع العلم بأنّ مدّة التوقيف قد تصل، بحسب حالة الموقوف، إلى سنة أو أكثر».
كانت الرائحة في السجن كريهة جداً وفق ما روت لـ«الأخبار» المسؤولة عن أعمال الترميم تانيا أيوب التي ذكرت أن التيار الكهربائي كان ينقطع باستمرار «رغم أن غرف السجناء لم تكن مجهزة بالإنارة، ولم تكن لها نوافذ تسمح بدخول الهواء، إضافة إلى المساحات الضيّقة في المكان».
المتطوع كريم طرابلسي قال إن «الحمامات أيضاً كانت ضيقة جداً، المياه الساخنة لا تصل إليها، لا يزيد عدد الحنفيات فيها على أربع، اثنتان منها معطّلتان، والحنفيتان الأخريان تتسرّب منهما المياه دائماً». ولفت كريم إلى أن الحمّامات القديمة كانت تفتقر إلى أية مرآة أو مغسلة، «هذا الواقع يؤدي إلى سرعة انتشار الأمراض الجسدية والنفسية».
تقول منسّقة عمل الجمعية تانيا أيّوب: «لقد دخلنا مبنى السجن قبل البدء بالعمل وقبل نقل السجناء، وفوجئنا بالروائح الكريهة داخله، ونسبة الرطوبة العالية، ورغم عدد السجناء الكبير، نسبة إلى المساحات الضيّقة، فإنه لم يكن في كلّ غرفة إلا حمّام صغير (متر مربّع واحد)، إضافة إلى ثلاثة حمّامات صغيرة أخرى، في باحة السجن، لكن لا أبواب لها، فقد كُسرت، وهذا ما عملنا على إصلاحه». ويقول رامي، عامل الصيانة: «لم تكن الحمامات مجهّزة للاستحمام، وحنفيات المياه الساخنة معطّلة، فيضطرّ المساجين إلى الاستحمام تحت حنفيات المياه الباردة».
لم تكن للسجناء خزائن، عمدوا إلى «صناعتها» بأنفسهم من خلال صناديق الكرتون، التي ألصقوها بجدران الغرف. بعضهم استغلّ علب السجائر الفارغة وجمعها ثمّ ألصق بعضها ببعض، لتصبح رفّاً صغيراً يضع عليه بعض حاجاته وأغراضه الخاصّة.
40 يوماً من العمل الشاق انتهت إلى نتيجة مرضية. طُليَت الجدران، وأصلح المتطوعون الحمّامات وأهّلوها وأنشأوا مغسلة مع مرآة في كلّ غرفة. أمّا باحة استراحة السجناء، فقد طُليت برسوم جميلة ووُضعت فيها المقاعد ومغسلة ومرآة.

جدران باحة استراحة السجناء طُليَت برسوم جميلة ووُضعت فيها المقاعد ومغسلة ومرآة
وُسِّعت غرف السجن الإفرادية، فتحوّلت إلى غرفة واحدة تتّسع لثمانية سجناء، وأُدخل النور والهواء إلى غرفة السجن الكبيرة المعتمة (نحو 40 متراً مربّعاً) بعد فتح نافذة كبيرة في أحد جدرانها، مع توفير تمديدات الإنارة والمراوح العاملة على الطاقة الكهربائية. وأضيفت غرفة أخرى (50 متراً مربّعاً)، أُخذت من مساحة موقف السرايا الأرضي للسيارات. واللافت هو وضع الأسرّة الخشبيّة للسجناء مع خزائن مخصّصة لوضع الألبسة، ما يحصر عدد السجناء داخل الغرف. فعدد الأسرّة الآن 58 سريراً، ما يعني عدم إمكان استيعاب السجن أكثر من 58 سجيناً.
المسؤولة الإعلامية للجمعية تيريز عون، أكدت أنّ «الهدف من العمل هو تأهيل السجن وتحويله من مكان ينقصه الهواء والنّور، وتنتشر فيه الرطوبة، ويضجّ بازدحام نزلائه، ليصبح سجناً يراعي على نحو أفضل حاجات الإنسان من منامة وهواء ونور وحمّامات متجددة وغير ذلك»، مذكرة بأنّ «السجين مهما كانت أسباب سجنه، إنسان ويحتاج إلى إقامة كريمة تليق بإنسانيته التي لا يمكن أن تنتقص منها أي عقوبة». وشددت عون على أنّ هذا النشاط، على أهميته، يُقام بالتعاون التام والكامل مع وزارة الداخلية، ولا سيما قيادتا الدرك وقوى الأمن الداخلي.
وضعت «جمعية فرح العطاء» خطّة للعمل والترميم، تقول تانيا أيوب: «فتحنا نوافذ جديدة للغرف لإيصال الهواء والنور من الخارج، ساعدنا عمّال متخصّصون في البناء والصّيانة، وغيرنا أنابيب المياه ووسعنا المطبخ والحمّامات، وأصلحنا شفّاطات الهواء ووفّرنا المراوح، مع زيادة غرفتين إضافيتين على المبنى، بمساحة نحو مئة متر مربّع، إضافة إلى بناء مقاعد لجلوس المساجين أثناء الاستراحة في باحة السجن التي تصلها أشّعة الشمس، وإيصال مياه الشرب إلى داخل الغرف بواسطة الأنابيب، لأن السجناء كانوا يضطرّون دائماً لطلب مياه الشرب من أفراد القوى الأمنية الذين يحضرونها بالغالونات. كذلك قمنا بتبليط الغرف وطليها بالدهان، ووضعنا خزائن للملابس وأسرّة للسجناء، لكن حسب العدد المخصّص قانوناً للغرف، ما يمنع زيادة عدد المساجين على العدد المحدّد قانوناً».
مسؤول أمني تحدث لـ«الأخبار» عن مسألة جمع السجناء من جميع الفئات الجرمية مع بعضهم، «فقد كانوا يسجنون كلّ المحكومين والموقوفين في الغرف نفسها، فتجد القاتل وتاجر المخدّرات والموقوفين تكديرياً مع بعضهم، ما قد يؤثّر سلباً على سلوك بعض السجناء». ومن الناحية الصحيّة فإن «الرطوبة كانت شديدة جداً، لأن مكان السجن تحت الأرض، وليس فيه أماكن للتهوية. ولا طبيب للسجن، كما هو مقرّر قانوناً، بل ممرّضة تعمل وفق دوام رسمي وتشرف بنفسها على صحة المسجونين المرضى، وهذه أمور قد تبقى على حالها رغم تأهيل السجن وإصلاحه». أمّا عن الوضع الأمني للسجناء، فقد استبعد المصدر إمكان هرب أيّ سجين من داخل السجن، بسبب وجود السجن داخل السرايا الحكومية، التي في داخلها عدد من القوى الأمنية المختلفة، وهي محاطة بعدد من النقاط الأمنية التابعة للجيش اللبناني.


تخلوا عن الصيف وشاطئ البحر

سجن تبنين هو السجن السّادس الذي تلجأ «جمعية فرح العطاء» إلى إصلاحه وترميمه. أما السجون التي رُمِّمت فهي سجون البترون وأميون وصور وعاليه وبربر الخازن. بحسب الناشط في الجمعية، المحامي ملحم خلف «تساعد الجمعية 35 شركة لبنانية، إضافة إلى البلديات والجمعيات الخيرية، وساعدَنا في ترميم سجن تبنين كلّ من بلدية تبنين وقائمقامية بنت جبيل، ووزارة التربية، وقوى الأمن الداخلي، لكنّ الأهم من ذلك كلّه هو هؤلاء الشباب المتطوّعون الذين تركوا فرصة الصيف وشاطئ البحر ليخدموا بلدهم». يعمل في ترميم سجن تبنين الآن 32 متطوّعاً ينتمون إلى الجمعية، من بينهم متطوعة من تونس وآخر من فرنسا، وآخر من الإكوادور من أصل لبناني، والآخرون من أماكن لبنانية مختلفة، من زحلة وبيروت والجنوب والشمال.
تعرّض سجن تبنين في حرب تموز ( 2006) للقصف الإسرائيلي، وبقي السجناء أكثر من 12 يوماً داخل السجن يسمعون أصوات القذائف والصواريخ، إلى أن نُقلوا إلى سجن رومية، ومن ثمّ أُعيدوا إليه بعد توقّف الحرب.