إيمان بشير

«حبيبتي الأولى كانت ابنة الجيران»، يقول صديقي، الذي أروي قصته هنا: «لم تتح لي الفرصة يوماً للقائها أمام باب المدرسة أو الخروج معها بعيداً عن حدود المخيم. لذلك كان السطح المكان الأفضل لأعبّر لها عن مكنونات قلبي. كانت تلجأ إلى سطح منزلها الملاصق لسطح منزلي لتدرس لامتحانات البريفيه، أو بالأحرى كي تراني أو تسلّمني «المكتوب» الذي سهرت الليل بطوله تكتبه، حتى صار السطح يشهد نسخة «مخيَّمية» عن «روميو وجولييت». كنت أنتظرها بشوق حتى تأتي لتكلمني، فيتصاعد صراخ أمها من الأسفل: «مع مين عم تحكي ؟!». تعود حبيبتي المسكينة إلى الكتاب، وأعود أنا إلى مخبئي السرّي، أي درج منزلنا، في انتظار عودة أمها إلى الداخل. تعود الأم، فألقى الصبية من جديد، أرسل لها القبلة في الهواء، يحمرّ خدّاها خجلاً، فتغادر السطح تجنباً للجيران، وأعود أنا إلى المنزل بانتظار غدٍ جديد. كما قدس بدر شاكر السياب جيكور، قدست سطح منزلنا الذي جعلني شاعراً، لم أكن أجرؤ على أن أبوح لها بأحاسيسي، وحتى إن أردت، فلن أستطيع خوفاً على سمعتها إن رآنا أحد نتحادث على السطوح. فصرت أكتب لها الشعر، وأسلّمها «المكتوب» فتخبئه في دفترها المدرسي وتعود لقراءته مساءً عندما ينام من في المنزل. لكن لا تجري الرياح دوماً بما تشتهي السفن، فقد عثرت أمها على «المكاتيب» ومنعتها من الصعود إلى السطح، وبقيت الحال على ما هي عليه حتى انتهاء الامتحانات، فصرت أصادفها على باب منزلها، في الزاروب، عند باب المخيم في عودتها من بيت جدها، أو حتى عند السمّان في مناسبات لا تذكر. تنتابني الغصّة عندما أذكر المرة الأخيرة التي تحادثنا فيها، قالت: «اضطريت أحكي لأهلي عنك، وقالوا تعى مع أهلك إذا إنت جدّي، وإذا لأ، دربك خضرا»، فأجبت: «ما معي لا شهادة ولا صنعة، أيش بدي أقلهم»، قالت: «بتتخلى عن الحب وهو أحلى رمز؟»، قاطعتها: «اطّلعي لقدام، ليش الرمز بيطعمي خبز؟!». حبيبتي الأولى هي أم لطفلين اليوم، سمّت ابنها البكر باسمي بعدما قرر والداها أن تتزوج شاباً يعمل في الخارج، أوليس هذا قدر معظم بنات المخيم؟ أما أنا اليوم، فشاب يعمل في إحدى الجمعيات رغم شهادة الهندسة المدنية. وكمعظم شباب المخيم علّقت الشهادة على الحائط ليتباهى بها والداي لسببين: الأول أنني لا أستطيع العمل أو دخول النقابة بهويتي الزرقاء، والثاني لأنني لم أستطع السفر تلبيةً لرغبة والدَي الصبية.