ماذا يعرف أطفال المخيمات عن عالم تلاصق حدوده حدود مخيمهم؟ يبدو أنهم سافروا إليه بالأحلام راغبين بالسكن فيه، لكن من دون الانتماء إليه. لكن دون تلك الرغبة عوائق كثيرة أكبر من أمانيهم الصغيرة


سمية علي
ذات يوم غادر محمود عقا مخيم شاتيلا لبضع ساعات، وذلك برفقة أصدقاء له في رحلة نظمتها روضة النجدة. استقل محمود الباص، دقائق وأصبح الفلسطيني الصغير خارج مخيم اللجوء. هناك، رأى عالماً مختلفاً، شوارع واسعة تعبرها السيارات من دون عوائق، أشجار، أزهار، حتى إن أشعة الشمس تتسرب إلى وجهه الصغير بحرية. أغمض محمود عينيه متمنّياً أن لا يقف الباص، بل أن يستمر بالتحرك. في شاتيلا يعيش محمود منذ الولادة هو وكثيرون من أترابه. المخيم بأزقته الضيّقة ومنازله الفقيرة بات وطنهم البديل. أما ما بعد حدود «الوطن» فعالم آخر قاموا بزيارته مرات عديدة. يتحدثون عنه بلهفة وحماسة ويتساءلون: متى نستطيع مغادرة المخيم؟ هل يسمح لنا بذلك؟
دعاء أحمد فتاة في العاشرة، لم تغادر المخيم إلا بضع مرات، حيث زارت منطقة الروشة ووسط بيروت ضمن برنامج الرحلات الترفيهية الذي تقيمه روضة النجدة لأطفال المخيم. هناك شاهدت الفتاة البحر الأزرق وطرقات نظيفة، وتنشقت هواءً نظيفاً. «مناطق حلوة كلها ورد» تقول دعاء، ثم تصرّح بأن النزهة خارج المخيم هي بمثابة يوم عيد. «أنا عايشة بشاتيلا، بس أنا من عكا»، هكذا تجيب إيمان مكلّم، عندما يسألها أحدهم «إنتي من وين؟». تروي أنها غادرت شاتيلا مرتين تقريباً: الأولى مع الأهل إلى حديقة قصقص، والثانية إلى منطقة متنزه ملتقى النهرين في الدامور. تجد الفتاة صعوبة في لفظ أسماء الأماكن التي قامت بزيارتها، لكن المحفور في ذاكرتها هو ما عاشته فيها من لحظات فرح تظهر بوضوح على وجهها حين تستذكرها وهي تصفها للسائل: «بس إضهر من المخيم بحس حالي بعالم تاني خالص». لا تشعر إيمان بالانتماء إلى المخيم الذي لا تستطيع فيه اللعب، تقول: «بس رحت لهونيك حسّيت بالحرية». بعدها تبدأ الطفلة سرد بعض فصول المعاناة التي يعيشها أهلها في المخيم يومياً من انقطاع الكهرباء والمياه لوقت طويل. أطفال مخيمات اللجوء اعتادوا العيش في جو من الحرمان، كما يشير عزو إبراهيم قائلاً: «مش كتير مبسوط، بس تعودت العيشة». يجد الصغير صعوبة في لفظ اسم مدينة الملاهي، فيقول: «فانتازيا وورلد». يقول إنه أمضى هناك وقتاً ممتعاً، متمنياً البقاء هناك وعدم العودة إلى المخيم! في أحد المنازل الفقيرة، وتحديداً في أحد أزقة مخيم شاتيلا، يتناوب عدد من الأطفال على ركل قنينة عصير فارغة تعوّض عن غياب الكرة. الحاجة أم الاختراع. ينجح أحدهم، وهو إبراهيم عبد الرازق، في تسديد «الهدف»، يقفز عالياً وتبدو على وجهه علامات الفخر. يقول بثقة إن الحياة في المخيم صعبة، وإنه لا يعرف الكثير عن العالم في الخارج، عدا حديقة الصنائع التي يقصدها برفقة أهله من حين إلى آخر. يبوح إبراهيم بسرّ صغير، فهو عندما يكبر سيصبح طياراً، عندها سيغادر المخيم مع أهله وأصدقائه إلى الخارج حيث «العالم حلو ونضيف». تقاطعه إحدى الفتيات مذكرة إيّاه بأنه فلسطيني ولا يحق له أن يصبح طياراً! لكن الفتى يجيبها بإصرار: «نحنا حنروح على فلسطين بلدنا، وهونيك فيني صير طيار». يتدخل صديقه عبد الرحيم قائلاً إن بلدته حيفا «أحلى من الحمرا إللي أخذونا عليها».
حسن لوباني، أحد أطفال شاتيلا، يذكر فاريا التي قصدها مع روضة النجدة الشتاء الماضي، منذ تلك اللحظة راودته أسئلة عديدة: «هل أستطيع مغادرة المخيم يوماً للعيش في مكان هادئ ونظيف؟ هل أستطيع العمل لامتلاك منزل جميل أعيش فيه مع أسرتي؟».



الذاكرة الموشومة

تقول مديرة روضة النجدة في مخيم شاتيلا مريم عبادي إن الهدف من الرحلات التي تنظمها الروضة إلى المناطق خارج المخيم هو لتوفير جو ترفيهي للأطفال وتمكينهم من استكشاف بعض الأماكن التي يجهلونها، ولتعريفهم بمحيطهم. تضيف عبادي: «الأولاد هنا لا يعرفون شيئاً عن الأماكن الواقعة خارج حدود المخيم، فالأوضاع المادية للأهالي لا تسمح لهم باصطحاب أبنائهم إلى الخارج»، فأقل «كزدورة تكلّف ما لا يطيق الأهل صرفه». وتصف عبادي يوم الخروج من المخيم بأنه يوم عيد لأطفاله.